التوبة وظيفة العمر

التوبة وظيفة العمر

يمكن تحميل هذا الكتاب على جهازك بيسر وسهولة بواسطةهذا الرابط :

http://www.gulfup.com/X9bhyv2c8uhc8o4

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو الكريم الوهاب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله والأصحاب.

أما بعد:

فإن التوبة وظيفة العمر، وبداية العبد ونهايته، وأول منازل العبودية، وأوسطها، وآخرها.

وحاجتنا إلى التوبة ماسة، بل إن ضرورتنا إليها مُلِحَّة؛ فنحن نذنب كثيراً، ونفرط في جنب الله ليلاً ونهاراً؛ فنحتاج إلى ما يصقل القلوب، وينقيها من رين الذنوب.

ثم إن كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون؛ فالعبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية.

ولقد جرت سنة الله أنه كلما دعت الحاجة إلى أمرٍ ما_يسره الله، وأعان عليه بلطفه وجوده وكرمه.

ولقد يسر الله أمر التوبة، وفتح أبوابها لمن أرادها؛ فهو_عز وجل_يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.

وباب التوبة مفتوح للكفار، والمشركين، والمرتدين، والمنافقين، والظالمين، والعصاة، والمقصرين.

والناظر في باب التوبة بادىء الرأي قد يظن أنه محصور في عدة أمور، فلا يتعداها ولا يتجاوزها.

والحقيقة أن الحديث عن التوبة ذو شجون، والكلام عليها متشعب طويل؛ فللتوبة فضائل وأسرار، ولها مسائل وأحكام، وهناك أخطاء تقع في مفهومها، وهناك أسباب تعين عليها.

ثم إن الحديث عن التوبة يشمل كافة الناس، ويخاطب جميع الطبقات، ويُحتاج إليه في جميع مراحل العمر.

ومع عظم شأن التوبة، وشدة الضرورة إليها_إلا أن هناك تقصيراً في شأنها، وخللاً كبيراً في مفهومها، وغفلة مستحكمة عن المبادرة إليها.

وفيما يلي من صفحات بيانٌ لشيء من ذلك، أما عنوان هذا الكتاب فهو:

=التوبة وظيفة العمر+([1])

أما خطته فجاءت بعد المقدمة مشتملة على تمهيد، وبابين، وخاتمة، وذلك كما يلي:

تمهيد، وتحته:

_ تعريف التوبة.

_ من أي شيء تكون التوبة؟

_ تقسيم الذنوب.

_ باب التوبة مفتوح.

الباب الأول: فضائل التوبة وأحكامها

وتحته أربعة فصول:

الفصل الأول: فضائل التوبة وأسرارها.

الفصل الثاني: أخطاء في باب التوبة.

الفصل الثالث: مسائل في التوبة.

الفصل الرابع: كيفية التوبة من بعض الذنوب.

الباب الثاني: الطريق إلى التوبة

وتحته ثلاثة فصول:

الفصل الأول: أمور تعين على التوبة.

الفصل الثاني: التوبة طريق السعادة.

وتحته مبحثان:

المبحث الأول: الوقوف على سر السعادة.

المبحث الثاني: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.

الفصل الثالث: نماذج من أحوال العصاة، ونماذج من أحوال التائبين.

وتحته مبحثان:

المبحث الأول: نماذج من أحوال العصاة.

المبحث الثاني: نماذج من أحوال التائبين.

خلاصة البحث: وتشتمل على ملخص لأهم ما ورد في الكتاب.

الخاتمة: وتحتوي على دعاء، وأمل، ورجاء.

هذا ما تيسر جمعه في هذا الباب؛ فعسى أن يكون معيناً على الإقبال على التوبة، والله المستعان وعليه التكلان.

وأخيراً أسأل الله_بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى_أن يجزي خير الجزاء كل من أعان على إخراج هذا الكتاب تصحيحاً، ومشورة، وتسديداً، وغير ذلك، فجزاهم الله خيراً، وجعل ذلك في ميزان حسناتهم يوم يلقونه.

 وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

محمد بن إبراهيم الحمد

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام

محمد بن سعود الإسلامية _ فرع القصيم

الزلفي  1/8/1420هـ

ص.ب: 460

http://www.toislam.net


 تمهيد وتحته:

* تعريف التوبة

* من أي شيء تكون التوبة؟

* تقسيم الذنوب.

* باب التوبة مفتوح.


تمهيد


أولاً_تعريف التوبة في اللغة: التوبة مصدر الفعل تاب، وأصل هذه المادة: التاء، والواو، والباء =توب+.

وهي تدور حول معاني الرجوع، والعودة، والإنابة، والندم.

قال ابن فارس×في مادة =توب+: =التاء، والواو، والباء كلمة واحدة تدل على الرجوع+.

يقال: تاب من ذنبه: أي رجع عنه، يتوب إلى الله توبةً، ومتاباً فهو تائب.

والتوب: التوبة، قال الله_تعالى_: [قَابِلِ التَّوْبِ] غافر: 3+([2]).

وقال ابن منظور×: =وتاب إلى الله يتوب توباً، وتوبة، ومتاباً: أناب، ورجع عن المعصية إلى الطاعة+([3]).

والتوبة تكون من الله على العبد، ومن العبد إلى الله؛ فإذا كانت من الله عُدِّيت بعلى، وإذا كانت من العبد إلى الله عديت بإلى.

قال الله_تعالى_: [إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] النساء:17.

وقال_عز وجل_: [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] النور:31.

وقال: [وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً] الفرقان: 71.

قال ابن منظور×: =وتاب الله عليه: وفقه([4]) لها، ورجل تواب: تائب إلى الله، والله تواب: يتوب على عبده+([5]).

وقال: =وقال أبو منصور: أصل تاب: عاد إلى الله، ورجع، وأناب، وتاب الله عليه: أي عاد عليه بالمغفرة+([6]).

ثانياً_تعريف التوبة في الشرع: عرفت التوبة إلى الله في الشرع بعدة تعريفات، والمدلول الشرعي للتوبة قريب من المدلول اللغوي، فمما عرفت به التوبة في الشرع مايلي:

1_ قال أبو حامد الغزالي×: =قيل في حد التوبة أنه ذوبان الحشا لما سبق من الخطأ+([7]).

ثم علق على هذا الحد فقال: =فإن هذا يعرض لمجرد الألم ولذلك قيل:

2_ =هو نار في القلب تلتهب، وصدع في الكبد لا ينشعب+([8]).

3_ وقال: =وباعتبار معنى الترك قيل في حد التوبة: إنه خلع لباس الجفاء، ونشر بساط الوفاء+([9]).

4_ وقال: ومن معانيها([10]): =ترك المعاصي في الحال، والعزم على تركها في الاستقبال، وتدارك ما سبق من التقصير في سابق الأحوال+([11]).

5_ وقال ابن القيم×في تعريف التوبة: =فحقيقة التوبة هي الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على ألا يعاوده في المستقبل+([12]).

6_ وقال_أيضاً_: =حقيقة التوبة الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحب، وترك ما يكره؛ فهي رجوع من مكروه إلى محبوب؛ فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها، والرجوع عن المكروه الجزء الآخر+([13]).

7_ وقال: =التوبة هي الرجوع مما يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه ظاهراً وباطناً+([14]).

8_ وقال ابن حجر×: =والتوبة ترك الذنب على أحد الأوجه.

وفي الشرع: ترك الذنب؛ لقبحه، والندم على فعله، والعزم على عدم العود، وردُّ المظلمة إن كانت، أو طلب البراءة من صاحبها، وهي أبلغ وجوه الاعتذار+([15]).

9_ ويمكن أن تعرف التوبة بأنها: ترك الذنب علماً بقبحه، وندماً على فعله، وعزماً على ألا يعود إليه إذا قدر، وتداركاً لما يمكن تداركه من الأعمال، وأداءً لما ضيع من الفرائض؛ إخلاصاً لله، ورجاءً لثوابه، وخوفاً من عقابه، وأن يكون ذلك قبل الغرغرة، وقبل طلوع الشمس من مغربها.

ومن خلال ما سبق يتبين لنا أن التوبة لابد أن يجتمع فيها الأمور التالية:

1_ الإقلاع عن الذنب.

2_ الندم على ما فات، والحد الأدنى من ذلك وجود أصل الندم، وأما قوة الندم وضعفه فبحسب قوة التوبة، وضعفها.

3_ العلم بقبح الذنب.

4_ العزم على ألا يعود.

5_ تدارك ما يمكن تداركه من رد المظالم ونحو ذلك

6_ أن تكون خالصة لله_عز وجل_قال_تعالى_: [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] البينة: 5.

7_ أن تكون قبل الغرغرة، لما جاء عن ابن عمر_رضي الله عنهما_عن النبي”قال: =إن الله_تعالى_يقبل توبة العبد ما لم يغرغر+([16]).

قال الشيخ حافظ الحكمي×:

وتقبل التوبة قبل الغرغره

كما أتى في الشرعة المطهرة([17])

والغرغرة هي حشرجة الروح في الصدر، والمراد بذلك الاحتضار عندما يرى الملائكة، ويبدأ به السياق في الموت.

8_ أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها لما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة÷قال: قال النبي”: =من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه+([18]).



التوبة تكون من الذنوب صغيرها وكبيرها، ولا بد للتائب من معرفة ما يتاب منه ولو على سبيل الإجمال.

قال الغزالي×: =اعلم أن التوبة ترك الذنب، ولا يمكن ترك شيء إلا بعد معرفته.

وإذا كانت التوبة واجبة كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجباً؛ فمعرفة الذنوب_إذاً_واجبة، والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله_تعالى_في ترك أو فعل.

وتفصيل ذلك يستدعي شرح التكليفات من أولها إلى آخرها، وليس ذلك من غرضنا، ولكننا نشير إلى مجامعها، وروابط أقسامها، والله الموفق للصواب برحمته+([19]).

ثم شرع×في بيان أقسام الذنوب([20]).

وعقد ابن القيم×في مدارج السالكين فصلاً قال فيه: =فصل في أجناس ما يتاب منه+.

ثم قال: =ولا يستحق العبد اسم =التائب+ حتى يتخلص منها.

وهي اثنا عشر جنساً مذكورة في كتاب الله_عز وجل_هي أجناس المحرمات:

الكفر، والشرك، والنفاق، والفسوق، والعصيان، والإثم، والعدوان، والفحشاء، والمنكر، والبغي، والقول على الله بغير علم، واتباع غير سبيل المؤمنين.

فهذه الاثنا عشر عليها مدار كل ما حرم الله، وإليها انتهاء العالم بأسرهم إلا أتباع الرسل_صلوات الله وسلامه عليهم_.

وقد يكون في الرجل أكثرها وأقلها، أو واحدة منها، وقد يعلم ذلك، وقد لا يعلم.

فالتوبة النصوح: هي بالتخلص منها، والتحصُّن من مواقعتها، وإنما يمكن التخلص منها لمن عرفها.

ونحن نذكرها، ونذكر ما اجتمعت فيه وما افترقت؛ لنتبين حدودها وحقائقها، والله الموفق لما وراء ذلك كما وفق له، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وهذا الفصل من أنفع فصول الكتاب، والعبد أحوج شيء إليه+([21]).

ثم شرع×في بيان ذلك([22]).

ومما يمكن أن تتضح به أصول الذنوب وأفرادها أن تُذْكَر تلك الأصول وما يندرج تحتها من أفراد، وهذا ما سيتضح في المبحث التالي_إن شاء الله تعالى_.



هناك تقسيمات نافعة، تُعرف من خلالها أصول الذنوب، وما يمكن أن يدخل تحتها من آحاد الذنوب وأفرادها.

قال ابن القيم×: =ولما كانت الذنوب متفاوتة في درجاتها ومفاسدها_تفاوتت عقوباتها في الدنيا والآخرة بحسب تفاوتها.

ونحن نذكر فيها_بعون الله_وحسن توفيقه فصلاً وجيزاً جامعاً فنقول:

أصلها نوعان: ترك مأمور، وفعل محظور.

وهما الذنبان اللذان ابتلى الله_سبحانه_بهما أبوي الجن والإنس.

وكلاهما ينقسم باعتبار محله إلى ظاهر على الجوارح، وباطن في القلوب.

وباعتبار مُتعلَّقه إلى حق الله، وحق خلقه، وإن كان كل حق لخلقه فهو متضمن لحقه، لكن سمي حقاً للخلق لأنه يجب بمطالبتهم، ويسقط بإسقاطهم+([23]).

ثم شرع×بتقسيم هذه الذنوب إلى قسمة أخرى فقال:

 =ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام: ملكية، وشيطانية، وسَبُعية، وبهيمية، ولا تخرج عن ذلك+([24]).

هذا وقد سبق ابن القيم في هذا التقسيم أبو حامد الغزالي، حيث قال×: =اعلم أن للإنسان أوصافاً وأخلاقاً كثيرة على ما عرف شرحه في كتاب عجائب القلب وغوائله، لكن تنحصر مثارات الذنوب في أربع صفات: صفات ربوبية، وصفات شيطانية، وصفات بهيمية، وصفات سبعية+([25]).

وفيما يلي تفصيل يسير لتلك الأصول التي ترجع إليها الذنوب([26]).

1_ الذنوب الملكية أو الربوبية: وهي أن يتعاطى الإنسان ما لا يصلح له من صفات الربوبية، كالعظمة، والكبرياء، والفخر، والجبروت، والعلو في الأرض، ومحبة استعباد الخلق، ونحو ذلك.

ومن هذه الذنوب يتشعب جملة من الكبائر غفل عنها أكثر الخلق، ولم يعدوها ذنوباً، وهي المهلكات، العظيمة التي هي كالأمهات لأكثر المعاصي.

ويدخل في هذه الذنوب، الشرك بالله، والقول على الله بغير علم.

2_ الذنوب الشيطانية: وهي ما كان في صاحبها شَبهٌ من الشيطان، ويدخل تحت ذلك الحسدُ، والبغي، والغش، والغل، والخداع، والمكر، والأمر بالفساد، وتحسين المعاصي، والنهي عن الطاعات وتهجينها، والابتداع في الدين، والدعوة إلى البدع والضلال.

وهذا النوع يلي الأول في المفسدة، وإن كانت مفسدته دونه.

3_ الذنوب السبعية: ومنها يتشعب الغضب، وسفك الدماء، والحقد، والتوثب على الضعفاء والعاجزين، والقتل.

4_ الذنوب البهيمية: ومنها يتشعب الشَّرَهُ، والكَلَبُ، والحرص على قضاء شهوة الفرج والبطن، ومنها يتولد الزنى واللواط، والسرقة، وأكل أموال اليتامى، والبخل، والشح، والجبن، والهلع، والجزع، وجمع الحطام لأجل الشهوات، وغير ذلك.

وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق؛ لعجزهم عن الذنوب السبعية والملكية.

ومنه يدخلون إلى سائر الأقسام؛ فهو يجرهم إليها بالزمام، فيدخلون منه إلى الذنوب السبعية، ثم إلى الشيطانية، ثم إلى منازعة الربوبية، والشرك في الوحدانية.

= تقسيم آخر للذنوب+:

ويمكن أن تقسم الذنوب إلى قسمة أخرى، وهي أن يقال: إن الذنوب تنقسم إلى كبائر، وصغائر.

قال الغزالي×: =اعلم أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد كثر اختلاف الناس فيها؛ فقال قائلون: لا صغيرة ولا كبيرة، بل كل مخالفة لله فهي كبيرة.

وهذا ضعيف؛ إذ قال_تعالى_: [إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً] النساء: 31، وقال_تعالى_: [الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ] النجم: 32.

وقال”: =الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة يكفرن ما بينهن إن اجتنبت الكبائر =وفي لفظ آخر: =كفارات لما بينهن إلا الكبائر+([27]).

وقد قال”فيما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص_رضي الله عنهما: =الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس+([28])([29]).

وقال ابن القيم×: =وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم والأئمة على أن من الذنوب كبائرَ وصغائر+([30]).

وقال×: =والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر قالوا: الذنوب كلها_بالنسبة إلى الجراءة على الله سبحانه ومعصيته ومخالفة أمره_كبائر؛ فالنظر إلى من عُصي أمرُه، وانتُهك محارمه يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر، وهي مستوية في هذه المفسدة+([31]).

وقال بعد أن ساق بعض ما أورده مَنْ قال إن الذنوب كلها كبائر: =فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل؛ فما كان أشدَّ منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له، وما كان أشدَّ موافقة لهذا المقصود فهو أوجب الواجبات، وأفرض الطاعات؛ فتأمل هذا الأصل حق التأمل، واعتبر تفاصيله تعرف به حكمة أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده، وحرمه عليهم، وتفاوتَ مراتب الطاعات والمعاصي+([32]).

وبعد أن تبين أن الذنوب منها كبائر، وصغائر يحسن الوقوف عند ماهية الصغائر والكبائر؛ حيث اخْتُلِفَ في تحديد الكبائر وحصرها؛ فقيل في ذلك أقوال منها([33]):

1_ قال عبدالله بن مسعود÷: هي أربع.

2_ وقال عبدالله بن عمر_رضي الله عنهما_: هي سبع.

3_ وقال عبدالله بن عمرو بن العاص_رضي الله عنهما_: هي تسع.

4_ وكان ابن عباس_رضي الله عنهما_إذا بلغه قول ابن عمر: الكبائر سبع يقول: هن إلى سبعين أقرب منها إلى سبع.

5_ وقال آخر: هي إحدى عشرة.

6_ وقال أبو طالب المكي: جمعتها من أقوال الصحابة فوجدتها أربعة في القلب وهي: الإشراك بالله، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله.

وأربعة في اللسان، وهي: شهادة الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، والسحر([34]).

وثلاثة في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا.

واثنين في الفرج: الزنا، واللواط.

واثنين في اليدين وهما القتل والسرقة.

وواحداً في الرجلين وهو الفرار من الزحف.

وواحداً يتعلق بجميع الجسد وهو عقوق الوالدين.

هذه أقوال الذين حصروها بعدد، وأما الذين لم يحصروها بعدد فمنهم من قال:

1_ ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن، أو غضب، أو عقوبة_فهو كبيرة، وما لم يقترن به شيء فهو صغيرة.

2_ وقيل: كل ما ترتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة_فهو كبيرة، وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا فهو صغيرة ([35]).

3_ وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر، وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة.

4_ وقيل: كل ما لعن الله ورسوله فاعله فهو كبيرة.

5_ وقيل: هي كل ما ذكر من أول سورة النساء إلى قوله: [إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ] النساء: 31.

والمقصود من خلال ما مضى من ذكر أصول الذنوب، وتقسيماتها_هو الوقوف على معرفة الذنوب ولو على سبيل الإجمال؛ كي يجتنبها الإنسان، ويتوب منها إن كان واقعاً فيها.



لقد فتح الله_بجوده وكرمه_باب التوبة؛ حيث أمر بها، وحض عليها، ووعد بقبولها، سواء كانت من الكفار أو المشركين، أو المنافقين أو المرتدين، أو الطغاة، أو الملاحدة، أو الظالمين، أو العصاة المقصرين.

ومن خلال ما يلي يتبين لنا شيء من فضل الله_عز وجل_في فتح باب التوبة.

1_ أن الله_عز وجل_أمر بالتوبة: قال_تعالى_: [وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ] الزمر: 54.

قال ابن كثير×في تفسير هذه الآية: =أي ارجعوا إلى الله، واستسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون أي بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة+([36]).

2_ أن الله وعد بقبول التوبة مهما عظمت الذنوب: قال_تعالى_: [وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ] الشورى: 25.

وقال: [وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً] النساء: 110.

وقال_عز وجل_في حق المنافقين: [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا] النساء: 145_146.

وقال في شأن النصارى: [لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]المائدة: 73.

ثم قال_جلت قدرته_محرضاً لهم على التوبة: [أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] المائدة: 74.

وقال_تعالى_في حق أصحاب الأخدود الذين خدوا الأخاديد لتعذيب المؤمنين وتحريقهم بالنار: [إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ] البروج: 10.

قال الحسن البصري×: =انظروا إلى هذا الكرم والجود؛ قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة+([37]).

3_ أن الله حذر من القنوط من رحمته: قال_تعالى_: [قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] الزمر: 53.

قال ابن كثير×: =قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس_رضي الله عنهما_في هذه الآية: قال: قد دعا الله_تعالى_إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله_تعالى_لهؤلاء: [أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]المائدة:74.

ثم دعا إلى التوبة من هو أعظم قولاً من هؤلاء؛ من قال: =أنا ربكم الأعلى+ النازعات: 24، وقال: [مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي] القصص: 38.

قال ابن عباس_رضي الله تعالى عنهما_: =من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله_عز وجل_+([38]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×، في الآية السابقة_آية الزمر_: =المقصود بها النهي عن القنوط من رحمة الله_تعالى_وإن عظمت الذنوب وكثرت، فلا يحل لأحد أن يَقْنَط من رحمة الله، ولا أن يُقَنِّط الناس من رحمته؛ لذا قال بعض السلف: وإن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيّس الناس من رحمة الله، ولا يجرؤهم على معاصي الله.

والقنوط يكون بأن يعتقد أن الله لا يغفر له إما لكونه إذا تاب لا يقبل توبته ويغفر ذنوبه، وإما بأن يقول: نفسه لا تطاوعه على التوبة بل هو مغلوب معها، والشيطان قد استحوذ عليه؛ فهو ييأس من توبة نفسه وإن كان يعلم أنه إذا تاب غفر الله له، وهذا يغري كثيراً من الناس+([39]).

4_ أن الله يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل: قال النبي”: =إن الله_عز وجل_يبسط يده بالليل؛ ليتوب مُسيء النهار ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها+([40]).

5_ أن الله رتب الثواب الجزيل على التوبة: ووعد من تاب بالخير الكثير، وهذا ما سيتبين في المبحث الآتي_إن شاء الله تعالى_.


الباب الأول

فضائل التوبة وأحكامها

وتحته أربعة فصول:

الفصل الأول: فضائل التوبة وأسرارها.

الفصل الثاني: أخطاء في باب التوبة.

الفصل الثالث: مسائل في التوبة.

الفصل الرابع: كيفية التوبة من بعض الذنوب.


الباب الأول

فضائل التوبة وأحكامها

الفصل الأول


للتوبة فضائل جمة، وأسرار بديعة، وفوائد متعددة، فمن ذلك مايلي([41]):

1_ التوبة سبب للفلاح: قال_تعالى_: [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] النور: 31.

قال أبو السعود×: =تفوزون بذلك بسعادة الدارين+([42]).

وقال ابن كثير×: =أي افعلوا ما آمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة؛ فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهيا عنه+([43]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يتلذذ، ولا يسر، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن_إلا بعبادة ربه، وحبه، والإنابة إليه.

ولو حصل له كل ما يتلذذ به من المخلوقات لم يطمئن، ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، ومن حيث هو معبوده، ومحبوبه، ومطلوبه.

وبذلك يحصل له الفرح، والسرور، واللذة، والنعمة، والسكون، والطمأنينة+([44]).

2_ بالتوبة تكفر السيئات: فإذا تاب العبد توبة نصوحاً كفَّر الله بها جميع ذنوبه وخطاياه.

قال_تعالى_: [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] الزمر: 53.

وقال: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ] التحريم: 8.

3_ بالتوبة تبدل السيئات حسنات: فإذا حسنت التوبة بدَّل الله سيئات صاحبها حسنات، وذلك فضل من الله، وتكرم.

قال_تعالى_: [إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً] الفرقان: 70.

قال ابن القيم×في هذه الآية: =وهذا من أعظم البشارة للتائبين إذا اقترن بتوبتهم إيمان وعمل صالح، وهو حقيقة التوبة.

قال ابن عباس_رضي الله عنهما_: =ما رأيت النبي”فرح بشيء قط فرحه بهذه الآية لما أنزلت، وفرحه بنزول: [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر] الفتح: 1_2([45]).

قال ابن القيم×: =واختلفوا في صفة هذا التبديل، وهل هو في الدنيا أو في الآخرة؟ على قولين: فقال ابن عباس وأصحابه هو تبديلهم بقبائح أعمالهم محاسنها، فبدلهم بالشرك إيماناً، وبالزنا عفة وإحصاناً، وبالكذب صدقاً، وبالخيانة أمانة+.

فعلى هذا معنى الآية: أن صفاتِهم القبيحةَ، وأعمالَهم السيئة بُدِّلوا عوضها صفاتٍ جميلةً، وأعمالاً صالحة، كما يبدل المريض بالمرض صحة، والمبتلى ببلائه عافية.

وقال سعيد بن المسيب وغيره من التابعين: =هو تبديل الله سيئاتهم التي عملوها بحسنات يوم القيامة، فيعطيهم مكان كل سيئة حسنة+([46]).

ثم قال ابن القيم×بعد أن تكلم على القولين السابقين: =إذا علم هذا فزوال موجب الذنب وأثره تارة يكون بالتوبة النصوح وهي أقوى الأسباب، وتارة يكون باستيفاء الحق منه وتطهيره في النار؛ فإذا تطهر بالنار وزال أثر الوسخ والخبث عنه أعطي مكان كل سيئة حسنة، فإذا تطهر بالتوبة النصوح وزال عنه بها أثر وسخ الذنوب وخبثها كان أولى بأن يعطى مكان كل سيئة حسنة؛ لأن إزالة التوبة لهذا الوسخ والخبث أعظم من إزالة النار، وأحب إلى الله.

وإزالة النار بدل منها، وهي الأصل؛ فهي أولى بالتبديل مما بعد الدخول+.

وقال: =التائب قد بدل كل سيئة بندمه عليها حسنة؛ إذ هو توبة تلك السيئة، والندم توبة، والتوبة من كل ذنب حسنة؛ فصار كل ذنب عمله زائلاً بالتوبة التي حلت محله وهي حسنة؛ فصار له مكان كل سيئة حسنة بهذا الاعتبار؛ فتأمّلْه؛ فإنه من ألطف الوجوه.

وعلى هذا فقد تكون هذه الحسنة مساوية في القدر لتلك السيئة، وهذا من أسرار التوبة ولطائفها+([47]).

4_ التوبة سبب للمتاع الحسن: قال_تعالى_: [وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ] هود: 3.

5_ التوبة سبب لنزول الأمطار، وزيادة القوة، والإمداد بالأموال والبنين: قال_تعالى_على لسان هود_عليه السلام_: [وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ]هود: 52.

وقال_عز وجل_على لسان نوح_عليه السلام_ [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً] نوح: 10_12.

6_ أن الله يحب التوبة والتوابين: فعبودية التوبة من أحب العبوديات إلى الله وأكرمها؛ فإنه_سبحانه_يحب التوابين، قال_تعالى_: [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين] البقرة: 222.

قال ابن القيم×: =ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه؛ فلمحبته لتوبة عبده ابتلاه بالذنب الذي يوجب وقوع محبوبه من التوبة وزيادة محبته لعبده؛ فإن للتائبين عنده محبة خاصة+([48]).

7_ أن الله يفرح بتوبة التائبين: فللتوبة عنده_عز وجل_منزلة ليست لغيرها من الطاعات؛ ولهذا يفرح_سبحانه_بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يُقَدَّر كما مَثَّله النبي”بفرح الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض الدَّويَّة المهلكة بعدما فقدها وأيس من أسباب الحياة.

قال”: =لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومةً، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله.

قال: أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومةً، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده+([49]).

قال ابن القيم×تعليقاً على هذا الحديث: =ولم يجىء هذا الفرح في شيء من الطاعات سوى التوبة، ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيراً عظيماً في حال التائب وقلبِه، ومزيدُه لا يُعبَّر عنه.

وهو من أسرار تقدير الذنوب على العباد؛ فإن العبد ينال بالتوبة درجة المحبوبية، فيصير حبيباً لله؛ فإن الله يحب التوابين، ويحب العبد المفتن التواب+([50]).

8_ التوبة توجب للتائب آثاراً عجيبة من المقامات التي لا تحصل بدون التوبة: فتوجب له المحبة، والرقة، واللطف، وشكر الله، وحمده، والرضا عنه؛ فَرُتِّب له على ذلك أنواع من النعم لا يهتدي العبد لتفاصيلها، بل لا يزال يتقلب في بركتها وآثارها ما لم ينقضها أو يفسدها.

9_ حصول الذل والانكسار لله: ففي التوبة من الذل، والانكسار، والخضوع، والتذلل لله ما هو أحب إلى الله من كثير من الأعمال الظاهرة_وإن زادت في القدر والكمية على عبودية التوبة_فالذل والانكسار روح العبودية، ولبُّها.

وحصول ذلك للتائب أكمل له من غيره؛ فإنه قد شارك من لم يذنب في ذل الفقر والعبودية والمحبة، وامتاز عنه بانكسار قلبه.

وقد جاء في الأثر الإسرائيلي: =يا رب أين أجدك؟

قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي+([51]).

ولأجل هذا كان =أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد+([52]).

لأنه مقام ذل وانكسار بين يدي ربه.

ولعل هذا هو السر في استجابة دعوة المظلوم، والمسافر، والصائم؛ للكسرة في قلب كل واحد منهم؛ فإن لوعة المظلوم تُحْدِثُ عنده كسرة في قلبه، وكذلك المسافر في غربته يجد كسرة في قلبه، وكذلك الصوم، فإنه يكسر سورة النفس السَّبُعية الحيوانية.

10_ أن الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة من كثير من الطاعات: ذلك أن لله على القلوب أنواعاً من العبودية، من الخوف، والخشية، والإشفاق، والوجل وتوابعها من المحبة، والإنابة، وابتغاء الوسيلة.

وهذه العبوديات لها أسباب تُهَيّجها وتبعث عليها، وكلما قيض الرب_تعالى_لعبده من الأسباب الباعثة على ذلك، المهيجة له_فهو من أسباب رحمته، ورُبَّ ذنب قد هاج لصاحبه من الخوف والإشفاق، والوجل، والإنابة، والمحبة_ما لا يهيجه كثير من الطاعات، وكم من ذنب كان سبباً لاستقامة العبد، وفراره إلى الله، وبعده عن طريق الغي.

قال ابن القيم×: =وهذا معنى قول بعض السلف: قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة، ويعمل الطاعة فيدخل بها النار.

قالوا: وكيف ذلك؟

قال: يعمل الذنب فلا يزال نُصْبَ عينيه إن قام، وإن قعد، وإن مشى ذكر ذنبه؛ فيحدث له انكساراً، وتوبة، واستغفاراً، وندماً؛ فيكون ذلك سبب نجاته.

ويعمل الحسنة، فلا تزال نصب عينيه إن قام، وإن قعد، وإن مشى، كلما ذكرها أورثته عجباً، وكبراً، ومِنَّةً، فتكون سبب هلاكه.

فيكون الذنب موجباً لتَرَتُّب طاعات، وحسنات، ومعاملات قلبية من خوف الله، والحياء منه، والإطراق بين يديه مُنَكِّساً رأسه خجلاً، باكياً، نادماً، مستقيلاً ربَّه.

وكل واحد من هذه الآثار أنفع للعبد من طاعة توجب له صولة، وكبراً وازدراءً للناس، ورؤيتهم بعين الاحتقار.

ولا ريب أن هذا المذنب خير عند الله، وأقرب إلى النجاة والفوز من هذا المعجب بطاعته، الصائل بها، المانِّ بها وبحاله على الله وعلى عباده، وإن قال بلسانه خلاف ذلك؛ فالله شهيد على ما في قلبه، ويكاد يعادي الخلق إذا لم يعظموه، ويخضعوا له، ويجد في قلبه بُغضةً لمن لم يفعل به ذلك.

ولو فتش نفسه حق التفتيش لرأى فيها ذلك كامناً؛ ولهذا تراه عاتباً على من لم يعظمه، ويعرف له حقه، متطلباً لعيبه في قالب حمية لله، وغضب له.

وإذا قام بمن يعظمه، ويحترمه، ويخضع له من الذنوب أضعاف ما قام بهذا_فتح له باب المعاذير والرجاء، وأغمض عنه عينيه وسمعه، وكف لسانه وقلبه، وقال: باب العصمة عن غير الأنبياء مسدود، وربما ظن أن ذنوب من يعظمه تُكفَّر بإجلاله وتعظيمه وإكرامه إياه.

فإذا أراد الله بهذا العبد خيراً ألقاه في ذنب يكسره به، ويُعَرِّفه قدره، ويكفي به عباده شره، وينكس به رأسه، ويستخرج به داء العجب، والكبر، والمنة عليه، وعلى عباده؛ فيكون هذا الذنب أنفع له من طاعات كثيرة، ويكون بمنزلة شرب الدواء؛ ليستخرج به الداء العضال+([53]).

وهذا سر بديع من أسرار التوبة.

11_ أن الله يحب أن يتفضل على عباده: ويتم نعمه عليهم، ويريهم مواقع بره وكرمه؛ فلذلك ينوعه عليهم أعظم الأنواع في سائر الوجوه الظاهرة والباطنة.

ومن أعظم ذلك أن يحسن إلى من أساء، ويعفو عمن ظلم، ويغفر لمن أذنب، ويتوب على من تاب إليه، ويقبل عذر من اعتذر إليه.

وقد ندب عباده إلى هذه الشيم الفاضلة والأفعال الحميدة، وهو_عز وجل_أولى بها منهم وأحق.

وهذا سر من أسرار التوبة، وتقدير الذنوب والمعاصي.

هذا ولو شاء ألا يعصى في الأرض طرفة عين لم يُعْصَ، ولكن اقتضت مشيئته ما هو مقتضى حكمته.

12_ أن يعرف العبد حاجته إلى حفظ الله ومعونته وصيانته: وأنه كالوليد في حاجته إلى من يحفظه؛ فإنه إن لم يحفظه مولاه، ويصونَه، ويعينه فهو هالك ولا بد.

13_ أن يعرف العبد حقيقة نفسه: وأنها الظالمة الجهول، وأن ما صدر منها من شر فقد صدر من أهله ومعدنه؛ إذ الجهل والظلم منبع الشر كله، وأن كل ما فيها من خير، وعلم، وهدى، وإنابة وتقوى_فهو من ربها الذي زكاها، وأعطاها إياه.

فإذا ابتلي العبد بالذنب عرف نفسه، ونقصها؛ فَرُتّب له على ذلك حكم ومصالح عديدة، منها أن يأنف نقصها، ويجتهد في كمالها، ومنها أن يعلم فقرها إلى من يتولاها، ويحفظها.

14_ تعريف العبد بكرم الله وستره، وسعة حلمه: وأنه لو شاء لعاجله على الذنب، ولهتك ستره بين العباد؛ فلم يطب له عيش معهم أبداً.

ولكنه_عز وجل_جلَّله بستره، وغشَّاه بحلمه، وقيض له من يحفظه_وهو في حالته هذه_بل كان شاهداً عليه وهو يبارزه بالمعاصي والآثام، ومع ذلك يحرسه بعينه التي لا تنام.

15_ تعريف العبد بكرم الله في قبول التوبة: فلا سبيل إلى النجاة إلا بعفو الله، وكرمه، ومغفرته؛ فهو الذي جاد عليه بأن وفقه للتوبة، وألهمه إياها ثم قبلها منه، فتاب عليه أولاً وآخراً.

16_ أن يعامل العبد بني جنسه بما يحب أن يعامله الله به: فيعامل بني جنسه في زلاتهم، وإساءاتهم بما يحب أن يعامله الله به في إساءاته وزلاته، وذنوبه؛ فإن الجزاء من جنس العمل؛ فمن عفى عفى الله عنه، ومن استقصى استقصى الله عليه وهكذا…

17_ إقامة المعاذير للخلق: فإذا أذنب العبد أقام المعاذير للخلق، واتسعت رحمته لهم، واستراح من الضيق والحصر وأكْل بعضه بعضا ً، واستراح العصاة من دعائه عليهم، وقنوطه من هدايتهم؛ فإنه إذا أذنب رأى نفسه واحداً منهم؛ فهو يسأل الله لهم المغفرة، ويرجو لهم ما يرجوه لنفسه، ويخاف عليهم ما يخافه على نفسه.

ومع هذا فيقيم أمر الله فيهم؛ طاعة لله، ورحمة بهم، وإحساناً إليهم؛ إذ هو عين مصلحتهم لا غلظة، ولا فظاظة.

18_ معرفة نعمة معافاة الله: فإن من تربى في العافية لا يعلم ما يقاسيه المبتلى، ولا يعرف مقدار العافية؛ فلو عرف أهل الطاعة أنهم هم المنعم عليهم في الحقيقة لعلموا أن لله عليهم من الشكر أضعافَ ما على غيرهم وإن توسدوا التراب، ومضغوا الحصى؛ فهم أهل النعمة المطلقة، وأن من خلى الله بينه وبين معاصيه فقد سقط من عينه، وهان عليه.

فإذا طالبت العبدَ نفسُه بما تطالبه من الحظوظ والأقسام، وأرَتْه أنه في بلية وضائقة، تداركه الله برحمته، وابتلاه ببعض الذنوب، فرأى ما كان فيه من المعافاة والنعمة، وأنه لا نسبة لما كان فيه من النعم إلى ما طلبته نفسه من الحظوظ؛ فحينئذ يكون أكثر أمانيه وآماله العودَ إلى حاله، وأن يمتعه الله بعافيته.

19_ التحرز والتيقظ من العدو: فإذا تاب العبد، وأدرك ما هو فيه من الخطأ، وندم على ما كان منه من التفريط_أوجب له ذلك تمام التحرز، والتيقظ؛ فيعلم من أين يدخل عليه اللصوص، والقطاع؟ ويعرف مكامنَهم، ومن أين يخرجون عليه؟ ومتى يخرجون؟ فهو قد استعد لهم، وتأهب، وعرف بماذا يستدفع شرهم وكيدهم؛ فلو أنه مر عليهم على غرَّة وطمأنينة لم يأمن أن يظفروا به، ويجتاحوه جملة.

20_ التوبة سبيل لإغاظة الشيطان ومراغمته: فالقلب يذهل عن عدوه؛ فإذا أصابه منه مكروه استجمعت له قوته، وطلب بثأره إن كان قلبه حُرَّاً كريماً، كالرجل الشجاع إذا جرح فإنه لا يقوم له شيء، بل تراه بعدها هائجاً، طالباً، مقداماً.

والقلب المهين كالرجل الضعيف المهين؛ إذا جرح ولى هارباً، والجراحات في أكتافه.

وكذلك الأسد إذا جرح فإنه لا يطاق؛ فلا خير فيمن لا مروءة له، لا يطلب أخذ ثأره من أعدى عدوٍّ له؛ فما شيء أشفى للقلب من أخذه بثأره من عدوه، ولا عدوَّ أعدى له من الشيطان؛ فإن كان له قلب من قلوب الرجال المتسابقين في حلبة المجد جد في أخذ الثأر، وغاظ عدوه كل الغيظ وأضناه، حتى يقول الشيطان يا ليتني لم أوقعه فيما أوقعته فيه؛ فيندم الشيطان على إيقاعه في الذنب كندامة فاعله على ارتكابه، لكن شتان ما بين الندمين.

وقد جاء عن بعض السلف أنه قال: =إن المؤمن لَيُنْضِي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره+([54]).

والله_عز وجل_يحب من عبده مراغمة عدوه وغيظَه.

وهذه العبودية من أسرار التوبة؛ فيحصل من العبد مراغمة العدو بالتوبة، والتدارك، وحصول محبوب الله من التوبة وما يتبعها من زيادة الأعمال_ما يوجب جعلَ مكانِ السيئةِ حسنةً، بل حسنات.

21_ معرفة الشر؛ حذر الوقوع فيه: فالذي يقع في الذنب يصير كالطبيب ينتفع به المرضى في علاجهم ودوائهم؛ فالطبيب الذي عرف المرض مباشرة، وعرف دواءه وعلاجه_أحذق وأخبر من الطبيب الذي عرف الداء وصفاً فحسب.

هذا في أمراض الأبدان، وكذلك أمراض القلوب وأدواؤها.

ولذلك كان الصحابة_رضي الله عنهم_أعرف الأمة بالإسلام، وتفاصيله، وأبوابه، وطرقه، وأشد الناس رغبةً فيه، ومحبة له، وجهاداً لأعدائه؛ لعلمهم بضده.

فإذا عرف العبد الضدين، وعلم مباينة الطرفين، وعرف أسباب الهلاك على التفصيل_كان أحرى أن تدوم له النعمة، ما لم يُؤْثرْ أسباب زوالها، وفي مثل هذا قال القائل:

عرفت الشر لا للشرْ

ر لكن لتوقيه

ومن لا يعرف الشر

من الناس يقع فيه

وهذه حال المؤمن يكون فطناً، حاذقاً، أعرف الناس بالشر، وأبعدهم عنه، فإذا تكلم في الشر وأسبابه ظننته من شر الناس، فإذا خالطته، وعرفت طويَّته رأيته من أبر الناس.

والمقصود أن من بلي بالآفات صار أعرف الناس بطرقها، وأمكنه أن يسدها على نفسه، وعلى من استنصحه، ومن لم يستنصحه.

22_ ابتلاء العبد بالإعراض عنه: فالله_عز وجل_يذيق عبده ألم الحجاب عنه، وزوال ذلك الأنس به، والقرب منه؛ ليمتحن عبده، فإن أقام العبد على الرضا والحال، ولم يجد نفسه تطالبه بحالها الأول مع الله، بل اطمأنت، وسكنت إلى غيره_علم أنه لا يصلح، فوضعه في مرتبته التي تليق به.

وإن استغاث استغاثة الملهوف، وتَقَلَّق تَقلُّقَ المكروب، ودعاه دعاء المضطر، وعلم أنه قد فاتته حياته حقَّاً، فهو يهتف بربه أن يرد عليه ما لا حياة له بدونه_علم أنه موضع لما أُهّل له، فردَّ عليه أحوج ما هو محتاج إليه، فعظمت به فرحته، وكملت به لذته، وتمت به نعمته، واتصل به سروره، وعلم حينئذ مقداره، فعضَّ عليه بالنواجذ، وثنَّى عليه بالخناصر؛ فالعبد إذا بلي بَعْد الأنس بالوحشة، وبعد القرب بنار البعاد_اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة، فحنَّتْ، وأنَّتْ، وتصدَّعت، وتعرضت لنفحات مَنْ ليس لها عنه عوض أبداً، ولا سيما إذا تذكر بره، ولطفه، وحنانه، وقربه.

هذه بعض فضائل التوبة، وأسرارها، ومن خلال ذلك يتبين لنا عظم شأن التوبة، وكبير منزلتها عند الله، كما يتبين_أيضاً_حكمة الله_عز وجل_في خلق المعاصي، وتقدير السيئات.


الفصل الثاني


هناك أخطاء في باب التوبة يقع فيها كثير من الناس، وذلك ناتج عن الجهل بمفهوم التوبة، أو التفريط وقلة المبالاة، فمن تلك الأخطاء مايلي:

1_ تأجيل التوبة: فمن الناس من يدرك خطأه، ويعلم حرمة ما يقع فيه، ولكنه يؤجل التوبة، ويسوف فيها؛ فمنهم من يؤخرها إلى ما بعد الزواج، أو التخرج، ومنهم من يؤجلها ريثما تتقدم به السن، إلى غير ذلك من دواعي التأجيل.

وهذا خطأ عظيم؛ لأن التوبة واجبة على الفور؛ فأوامر الله ورسوله”على الفور ما لم يقم دليل على جواز تأخيرها.

بل إن تأخير التوبة ذنب يجب أن يستغفر منه.

قال الغزالي×: =أما وجوبها على الفور فلا يُسْتراب فيه؛ إذ معرفة كون المعاصي مهلكاتٍ من نفس الإيمان، وهو واجب على الفور+([55]).

وقال ابن القيم×: =المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور، ولا يجوز تأخيرها؛ فمتى أخّرها عصى بالتأخر، فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى، وهي توبته من تأخير التوبة.

وقلَّ أن تخطر هذه ببال التائب، بل عنده أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيء آخر، وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة+([56]).

أخرج ابن أبي الدنيا×في قصر الأمل عن عكرمة×في قوله_تعالى_: [وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ] سبأ: 53 قال: =إذا قيل لهم: توبوا، قالوا: سوف+([57]).

فعلى العبد أن يعجل بالتوبة؛ لوجوب ذلك؛ ولئلا تصير المعاصي راناً على قلبه، وطبعاً لا يقبل المحو، أو أن تعاجله المنية مصراً على ذنبه.

ثم إنَّ تركَ المبادرة للتوبة مدعاة لصعوبتها، وسبب لفعل ذنوب أخرى.

قال النبي”: =إن المؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإذا تاب، ونزع, واستغفر صقل قلبه منها.

وإذا زاد زادت حتى يغلف قلبه؛ فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه [كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] المطففين: 14+([58]).

قال ابن الجوزي×: =يا بطَّال إلى كم تُؤخر التوبة وما أنت في التأخير معذور؟ إلى متى يقال عنك: مفتون مغرور؟ يا مسكين ! قد انقضت أشهر الخير وأنت تعد الشهور، أترى مقبول أنت أم مطرود؟ أترى مواصل أنت أم مهجور؟ أترى تركبُ النُّجبَ غداً أم أنت على وجهك مجرور؟ أترى من أهل الجحيم أنت أم من أرباب القصور+([59]).

وقال×: =ما هذه الغفلة وأنتم مستبصرون؟ ما هذه الرقدة وأنتم مستيقظون؟ كيف نسيتم الزاد وأنتم راحلون؟ كم آبَ مَنْ قبلكم ألا تتفكرون؟ أما رأيتم كيف نازَلهم نازل المنون؟ فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون+([60]).

2_ الغفلة عن التوبة مما لا يعلمه العبد من ذنوبه: فكثير من الناس لا تخطر بباله هذه التوبة؛ فتراه يتوب من الذنوب التي يعلم أنه قد وقع فيها، ولا يظن بعد ذلك أن عليه ذنوباً غيرها.

وهذا من الأخطاء التي تقع في باب التوبة، والتي قلَّ من يتفطن لها؛ فهناك ذنوب خفية، وهناك ذنوب يجهل العبد أنها ذنوب.

قال ابن القيم×: =ولا ينجي من هذا إلا توبة عامة مما يعلم من ذنوبه، ومما لا يعلم؛ فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه.

ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهله إذا كان متمكناً من العلم؛ فإنه عاصٍ بترك العلم والعمل؛ فالمعصية في حقه أشد+([61]).

ولهذا قال النبي”: =الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل+.

فقال أبو بكر: فكيف الخلاص منه يا رسول الله؟

قال: =أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم+([62]).

فهذا طلب الاستغفار مما يعلمه الله أنه ذنب، ومما لا يعلمه العبد.

وجاء عن النبي”=أنه كان يدعو في صلاته: اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني؛ إنك أنت المقدم والمؤخر لا إله إلا أنت+([63]).

وفي الحديث الآخر: =اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسره+([64]).

فهذا التعميم، وهذا الشمول؛ لتأتي التوبة على ما علمه العبد من ذنوبه، وما لم يعلمه([65]).

3_ ترك التوبة؛ مخافة الرجوع للذنوب: فمن الناس من يرغب في التوبة، ولكنه لا يبادر إليها؛ مخافة أن يعاود الذنب مرة أخرى.

وهذا خطأ؛ فعلى العبد أن يتوب إلى الله، فلربما أدركه الأجل وهو لم ينقض توبته.

كما عليه أن يحسن ظنه بربه_جل وعلا_ويعلم أنه إذا أقبل على الله أقبل الله عليه، وأنه_تعالى_عند ظن عبده به.

فعن أبي هريرة÷عن النبي”أنه قال: =قال الله_عز وجل_: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني+([66]).

ثم إن على التائب إذا عاد إلى الذنب أن يجدد التوبة مرة أخرى وهكذا…

عن أبي هريرة÷عن النبي”فيما يحكي عن ربه_عز وجل_قال: =أذنب عبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال_تبارك وتعالى_: أذنب عبدي ذنباً، فعلم أن له ربَّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أيْ ربّ اغفر لي ذنبي، فقال_تبارك وتعالى_: عبدي أذنب ذنباً، فعلم أن له ربَّاً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد، فأذنب، فقال: أيْ ربّ اغفر لي ذنبي، فقال_تبارك وتعالى_: أذنب عبدي ذنباً، فعلم أن له ربَّاً يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت؛ فقد غفرت لك+([67]).

قال النووي×في معنى الحديث: =قوله_عز وجل_للذي تكرر ذنبه: =اعمل ما شئت؛ فقد غفرت لك+ معناه: ما دمت تذنب، ثم تتوب غفرت لك+([68]).

4_ ترك التوبة؛ خوفاً من لمز الناس: فمن الناس من تحدثه نفسه بالتوبة، ولزوم الاستقامة، ولكنه يخشى لمز بعض الناس، وعيبهم إياه، ووصمهم له بالتشدد والوسوسة، ونحو ذلك مما يُرمى به بعض من يستقيم على أمر الله، حيث يرميه بعض الجهلة بذلك؛ فَيُقْصُر عن التوبة؛ خوفاً من اللمز والعيب.

وهذا خطأ فادح؛ إذ كيف يُقَدِّم خوف الناس على خوف رب الناس؟ وكيف يؤثر الخلق على الحق؟ فالله أحق أن يخشاه.

ثم إن ما يرمى به إذا هو تاب إنما هو ابتلاء وامتحان، ليمتحن أصادق هو أم كاذب؛ فإذا صبر في بداية الأمر هان عليه ما يقال له، وإن حسنت توبته، واستمر على الاستقامة أجلَّه من يُعَيّره، وربما اقتدى به.

أضف إلى ذلك أن الإنسان سيذهب إلى قبره وحيداً، وسيحشر إلى ربه وحيداً؛ فماذا سينفعه فلان وفلان ممن يثبطونه؟ .

5_ ترك التوبة؛ مخافة سقوط المنزلة، وذهاب الجاه والشهرة: فقد يكون لشخص ما_منزلة، وحظوة، وجاه، فلا تطاوعه نفسه على إفساد ذلك بالتوب، كما قال أبو نواس لأبي العتاهية، وقد لامه على تَهَتُّكه في المعاصي:

أتراني يا عتاهي

تاركاً تلك الملاهي

أتراني مفسداً بالنـ

سك عند القوم جاهي([69])

وقد يكون للإنسان شهرة أدبية، أو مكانة اجتماعية، فكلما هَمَّ بالرجوع عن بعض آرائه المخالفة للشريعة_أقصر عن ذلك؛ مخافة ذهاب الجاه والشهرة، وحرصاً على أن يبقى احترامه في نفوس أصحابه غير منقوص.

ولا ريب أن ذلك نقص في شجاعة الإنسان ومروءته، بل إن ذلك نقص في عقله، وعلمه، وأمانته.

وإلا فالكريم الشجاع الشهم هو ذلك الذي يرجع عن خطئه، ولا يتمادى في غيه وباطله.

وذلك مما يرفعه عند الله وعند خلقه؛ فلماذا يستوحش من الرجوع إلى الحق؟

فمقتضى الدين، والأمانة، والمروءة أن يصدع بما استبان له من الحق، وألا يمنعه من الجهر بذلك أن ينسب إلى سوء النظر فيما رآه سالفا ً؛ فما هو إلا بشر، وما كان لبشر أن يبرأ نفسه من الخطأ، ويدَّعيَ أنه لم يقل ولن يقول في حياته إلا صواباً.

ثم إن الشهرة والجاه عرض زائل، وينتهي بنهاية الإنسان؛ فماذا ينفعه إذا هو قَدِمَ على ربه إلا ما قَدَّمَ من صالح عمله.

ولقد أحسن من قال:

تُساءلني هل في صِحابك شاعرٌ

إذا متَّ قال الشعر وهو حزين

فقلت لها: لا هَمَّ لي بعد موتتي

سوى أن أرى أُخراي كيف تكون

وماالشعر بالمغني فتيلاً عن امرئ

يلاقي جزاءًَ والجزاءُ مهين

وإن أحْظَ بالرُّحْمى فمالي من هوى

سواها وأهواء النفوس شجون

فخلِّ فعولن فاعلاتن تقال في

أناس لهم فوق التراب شؤون

وإن شئتِ تأبيني فدعوة ساجدٍ

لها بين أحناء الضلوع أنين([70])

6_ التمادي في الذنوب؛ اعتماداً على سعة رحمة الله: فمن الناس من يسرف في المعاصي، فإذا زجر، وليم على ذلك قال: إن الله غفور رحيم، كما قال أحدهم:

وكَثِّر ما استطعت من الخطايا

إذا كان القدوم على كريم([71])

ولا ريب أن هذا الصنيع سفه، وجهل، وغرور؛ فرحمة الله قريب من المحسنين لا من المسيئين، المفرطين المعاندين، المصرين.

ثم إن الله_عز وجل_مع عفوه، وسعة رحمته_شديد العقاب، ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين.

قال_تعالى_: [نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ] الحجر: 49.

تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي

درك الجنان بها وفوز العابد

ونسيت أن الله أخرج آدماً

منها إلى الدنيا بذنب واحد([72])

قال أبو حامد الغزالي×في شأن من يذنب، وينتظر العفو عنه؛ اتكالاً على فضل الله_تعالى_قال: =وهو كمن ينفق جميع أمواله، ويترك نفسه وعياله فقراء، منتظراً من فضل الله_تعالى_أن يرزقه العثور على كنز في أرض خربة؛ فإن إمكان العفو عن الذنب مثل هذا الإمكان، وهو مثل من يتوقع النهب من الظَّلمة في بلده وترك ذخائر أمواله في صحن داره، وقدر على دفنها فلم يفعل، وقال: انتظر من فضل الله_تعالى_أن يسلط غفلة أو عقوبة على الظالم الناهب؛ حتى لا يتفرغ إلى داري، أو إذا انتهى إلى داري مات على باب الدار؛ فإن الموت ممكن والغفلة ممكنة ! وقد حكي في الأسمار أن مثل ذلك وقع؛ فأنا أنتظر من فضل الله مثله.

فمنتظر هذا أمر ممكن، ولكنه في غاية الحماقة والجهل؛ إذ قد لا يمكن ولا يكون+([73]).

ثم أين تعظيم الله في قلب هذا المتمادي؟ وأين الحياء منه_عز وجل_؟

قال مالك بن دينار÷: =رأيت عتبة الغلام وهو في يوم شديد الحر، وهو يرشح عرقاً، فقلت له: ما الذي أوقفك في هذا الموضع؟

فقال: يا سيدي ! هذا موضع عصيت الله فيه، وأنشد يقول:

أتفرح بالذنوب وبالمعاصي

وتنسى يوم يؤخذ بالنواصي

وتأتي الذنب عمداً لا تبالي

ورب العالمين عليك حاصي([74])

قال ابن القيم×في شأن المتمادين في الذنوب اتكالاً على رحمة الله_: =وهذا الضرب من الناس قد تعلق بنصوص الرجاء واتكل عليها، وتعلق بكلتا يديه، وإذا عوتب على الخطايا والانهماك فيها_سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغفرته، ونصوص الرجاء.

وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب+([75]).

ثم ساق×أمثلة عديدة لما جاء عن أولئك.

ثم قال بعد ذلك: =وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة، وأما على انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتَّى إحسان الظن.

فإن قيل: بل يتأتى ذلك، ويكون مستندُ حُسن الظن سعة مغفرة الله، ورحمته، وعفوه، وجوده، وأن رحمته سبقت غضبه، وأنه لا تنفعه العقوبة، ولا يضره العفو_قيل: الأمر هكذا، والله فوق ذلك أجلُّ، وأكرم، وأجود، وأرحم.

وإنما يضع ذلك في محله اللائق به؛ فإنه_سبحانه_موصوف بالحكمة، والعزة، والانتقام، وشدة البطش، وعقوبة من يستحق؛ فلو كان مُعَوَّل حسن الظن على صفاته وأسمائه لاشترك في ذلك البرُّ والفاجر، والمؤمن والكافر، ووليه وعدوه؛ فما ينفع المجرمَ أسماؤه وصفاته وقد باء بسخطه وغضبه، وتعرض للَعْنَته، ووقع في محارمه، وانتهك حرماته؟ !

بل حسن الظن ينفع من تاب، وندم، وأقلع، وبدل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم حَسَّن الظن بعدها؛ فهذا هو حسن الظن، والأول غرور والله المستعان+([76]).

7_ الاغترار بإمهال الله للمسيئين: فمن الناس من يسرف على نفسه بالمعاصي؛ فإذا نصح عنها، وحُذِّر من عاقبتها قال: ما بالنا نرى أقواماً قد امتلأت فجاجُ الأرض بمفاسدهم، ومباذلهم، وظلمهم، وقتلهم الأنفس بغير الحق، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأكلهم الربا وقد نهوا عنه، ومع ذلك نراهم وقد درت عليهم الأرزاق، وأنسئت لهم الآجال، وهم يعيشون في رغد ونعيم بعيد المنال؟ .

ولا ريب أن هذا القول لا يصدر إلا من جاهل بالله، وبسننه_عز وجل_.

ويقال لهذا وأمثاله: رويدك، رويدك؛ فالله_عز وجل_يعطي الدنيا لمن أحب، ولمن لا يحب؛ وهؤلاء المذكورون مُتَبَّرٌ ما هم فيه، وباطل ما كانوا يعملون؛ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم؛ فما الذي هم فيه من النعيم إلا استدراج، وإمهال، وإملاء من الله_عز وجل_حتى إذا أخذهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر([77]).

قال”: =إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته+، ثم قرأ قوله_تعالى_: [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] هود: 102 ([78]).

وقال_عليه الصلاة والسلام_: =إذا رأيت الله_عز وجل_يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب_فإنما هو استدراج+ ثم تلا قوله_عز وجل_: [فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] الأنعام: 44_45 ([79]).

قال ابن الجوزي×: =فكل ظالم معاقبٌ في العاجل على ظلمه قبل الآجل، وكذلك كل مذنبٍ ذنباً، وهو معنى قوله_تعالى_: [مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ] النساء: 123.

وربما رأى العاصي سلامة بدنه؛ فظن أن لا عقوبة، وغفلتُه عما عوقب به عقوبة.

وقد قال بعض الحكماء: المعصية بعد المعصية عقاب المعصية، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة، وربما كان العقاب العاجل معنويَّاً، كما قال بعض أحبار بني إسرائيل: يا رب ! كم أعصيك، ولا تعاقبني ! فقيل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري؟ ! أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي؟ + ([80]).

قال ابن الجوزي×: =الواجب على العاقل أن يحذر مغبة المعاصي؛ فإن نارها تحت الرماد، وربما تأخرت العقوبة، وربما جاءت مستعجلة+([81]).

وقال: =قد تبغت العقوبات، وقد يؤخرها الحلم، والعاقل من إذا فعل خطيئة بادرها بالتوبة؛ فكم مغرور بإمهال العصاة لم يمهل.

وأسرع المعاصي عقوبة ما خلا عن لذة تنسي النُّهى، فتكون كالمعاندة والمبارزة، فإن كانت توجب اعتراضاً على الخالق، أو منازعة له في عظمته، فتلك التي لا تُتلافى، خصوصاً إذا وقعت من عارف بالله؛ فإنه يندر إهماله+([82]).

وقال: =فالحذر الحذر من عواقب الخطايا، والبدار البدار إلى محوها بالإنابة؛ فإن لها تأثيراتٍ قبيحةً إن أسْرَعَتْ، وإلا اجتمعتْ وجاءتْ+([83]).

يا من غدا في الغي والتيه

وغره طول تماديه

أملى لك الله فبارزته

ولم تخف غِبَّ معاصيه([84])

8_ اليأس من رحمة الله: فمن الناس من إذا أسرف على نفسه بالمعاصي، أو تاب مرة أو أكثر فعاد إلى الذنب مرة أخرى_أيس من رحمة الله، وظن أنه ممن كتب عليهم الشقاوة؛ فاستمر في الذنوب، وترك التوبة إلى غير رجعة.

وهذا ذنب عظيم، وقد يكون أعظم من مجرد الذنب الأول الذي ارتكبه؛ لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون؛ فليجدد التوبة، وليجاهد نفسه في ذات الله حتى يأتيه اليقين.

 هذا وقد مر قبل قليل أن الله_عز وجل_حذر من القنوط من رحمته، ومر كلام بعض السلف حول هذا المعنى.

9_ اليأس من توبة العصاة: فمن الناس من يكون فيه خير ونصح وحب للإصلاح، فتراه يحرص على دعوة العصاة أياً كانت معاصيهم، فإذا رأى من أحدهم إعراضاً عن النصح، وصدوداً عن الخير، وتمادياً في الغواية_أيس من هدايته، وأقصر عن نصحه، وربما جزم بأن الله لن يغفر له، ولن يهديه سواء السبيل.

وهذا الصنيع لا يصدر من ذي علم وبصيرة وحكمة؛ فمن ذا الذي أخبر هذا بأن الله لن يغفر لذلك العاصي؟ وما الذي سوغ له أن يحجر رحمة الله_عز وجل_.

ثم كم من الناس من يتمادون في الغواية والإجرام، حتى يُظنَّ أنهم يموتون على ذلك، ثم يتداركهم الرحمن الرحيم بنفحة من نفحاته، فإذا هم من الأبرار الأخيار.

ولهذا جاء في صحيح مسلم عن جندب÷أن رسول الله”حدَّث: =أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله_تعالى_قال: من ذا الذي يتألى عليَّ أن لا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك+([85]).

ومعنى يتألى عليَّ: أي يقسم ويحلف.

10_ الشماتة بالمُبْتَلَينَ: فمن الناس_هداه الله_من إذا رأى مبتلى بمعصية من المعاصي، أو رأى أبناء فلان من الناس قد أسرفوا على أنفسهم_أخذ يشمت بهم، وينتقصهم، ويذمهم.

وما هذا المسلك برشيد؛ إذ هو من الغيبة المحرمة، ومن تزكية النفس بذم الآخرين.

ويخشى على من كانت هذه حاله أن يبتلى بمثل ما ابتلي به من سخر منهم.

فاللائق بالمسلم أن يكون أرجى الناس للناس، وأخوف الناس على نفسه.

وإذا رأى مبتلى أو سمع به أن يسأل ربه العافية، وأن يحمده حيث عافاه.

قال ابن مسعود÷: =لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوَّل كلباً+([86]).

وقال أبو حازم سلمة بن دينار×: =أفضل خصلة ترجى للمؤمن أن يكون أشد الناس خوفاً على نفسه، وأرجاه لكل مسلم+([87]).

11_ الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي وترك الطاعات: فهناك من يحتج بالقدر على معائبه وذنوبه، فيحتج بالقدر على ترك الطاعات، وفعل المحرمات.

فإذا قيل له_على سبيل المثال_: لمَ لا تصلي؟ قال: ما أراد الله لي ذلك، وإذا قيل له: متى ستتوب؟ قال: إذا أراد الله ذلك.

وهذا خطأ وضلال وانحراف؛ فالإيمان بالقدر لا يمنح العاصي حجة على ما ترك من الواجبات، أو ما فعل من المعاصي؛ فإذا كان ذلك القائل يقصد بالإرادةِ الإرادةَ بمعنى المحبة فقد أعظم الفرية على الله؛ لأنه_عز وجل_أحب الطاعة، ورضيها، وأمر بها، وشرعها.

وإن كان يقصد بها الإرادة بمعنى المشيئة، وأن الله لم يقدّر له كذا وكذا من الطاعات، أو قدر عليه كذا وكذا من المعاصي_فقد أخطأ_أيضاً_.

ذلك أن قدر الله سر مكتوم عنده، ولا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه.

وإرادة العبد سابقة لفعله، فتكون إرادته غير مبنية على علم بقدر الله؛ فادعاؤه مردود، وحجته داحضة، واحتجاجه باطل.

فالاحتجاج بالقدر على هذا النحو مخاصمة لله، واحتجاج من العبد على الرب، وحمل للذنب على الأقدار؛ فلا عذر لأحد البتة في معصية الله، ومخالفة أمره مع علمه بذلك، وتمكنه من الفعل والترك، ولو كان له عذر لما استحق العقوبة، واللوم لا في الدنيا، ولا في العقبى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين، وسائر أهل الملل، وسائر العقلاء؛ فإن هذا لو كان مقبولاً لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس وأخذ الأموال، وسائر أنواع الفساد في الأرض، ويحتج بالقدر.

ونفس المحتج بالقدر إذا اعتدي عليه، واحتج المعتدي بالقدر لم يقبل منه، بل يتناقض، وتناقض القول يدل على فساده؛ فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول+([88]).

وبما أن هذا الأمر مما يعم به البلاء فهذا إيراد لبعض الأدلة الشرعية، العقلية، والواقعية التي يتضح من خلالها بطلان الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، أو ترك الطاعات:

أ_قال_تعالى_: [سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ] الأنعام: 148.

فهؤلاء المشركون احتجوا بالقدر على شركهم، ولو كان احتجاجهم مقبولاً ما أذاقهم الله بأسه.

ب_قال_تعالى_: [رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلاَ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ] النساء: 165.

فلو كان الاحتجاج بالقدر على المعاصي مقبولاً لما كان هناك داع لإرسال الرسل.

جـ_أن الله أمر العبد ونهاه، ولم يكلّفْه ما لا يستطيع، قال_تعالى_: [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] التغابن: 16، وقال: [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا] البقرة: 286.

 ولو كان العبد مجبراً على الفعل لكان مكلفاً بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل؛ ولذلك إذا وقعت المعصية منه بجهل أو إكراه أو نسيان فلا إثم عليه؛ لأنه معذور.

د_لو سلمنا للمحتج بالقدر على الذنوب لعطلنا الشرائع.

هـ_ لو كان الاحتجاج بالقدر على هذا النحو حجة لقبل من إبليس الذي قال_كما أخبر الله عنه_: [فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ] الأعراف: 16.

و_المحتج بالقدر على المعاصي يحرص على ما يلائمه في أمور دنياه، ولا يعدل عنه إلى ما لا يلائمه ثم يحتج بالقدر.

فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر؟ .

وإليك مثالاً يوضح ذلك: لو أراد إنسان السفر إلى بلد ما، وهذا البلد له طريقان: أحدهما آمن مطمئن، والآخر كله فوضى، واضطراب، وقتل، وسلب؛ فأيهما سيسلك؟

لا شك أنه سيسلك الطريق الأول؛ فلماذا لا يسلك في أمر الآخرة طريق الجنة دون طريق النار؟ !

ز_ومما يرد به على ذلك المحتج_بناء على مذهبه_أن يقال له: لا تتزوج؛ فإن كان الله قد قضى لك بولد فسيأتيك وإلا فلن، ولا تأكل، ولا تشرب؛ فإن قدر الله لك شبعاً وريَّاً فسيكون، وإلا فلن، وإن هاجمك سَبُعٌ ضار فلا تَفِرَّ منه؛ فإن كان الله قد قدر لك النجاة فستنجو، وإن لم يقدرها لك فلن ينفعك الفرار، وإذا مرضت فلا تتداوَ؛ فإن قدر الله لك الشفاء شفيت وإلا فلن ينفعك الدواء.

فهل سيوافقنا على هذا القول أولا؟ إن وافَقنا علمنا فساد عقله، وإن خالفنا علمنا فساد قوله، وبطلان حجته.

ومما تجدر الإشارة إليه أن احتجاج كثير من هؤلاء ليس ناتجاً عن قناعة وإيمان، وإنما هو ناتج عن نوع هوىً ومعاندة؛ فذلك الاحتجاج باطل في الشرع، والعقل، والقدر([89]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن المحتجين بالقدر: =هؤلاء القوم إذا أصروا على هذا الاعتقاد كانوا أكفر من اليهود والنصارى+([90]).

وبالجملة فالاحتجاج بالقدر إنما يسوغ عند المصائب لا المعائب؛ =فالسعيد يستغفر من المعائب، ويصبر على المصائب، كما قال_تعالى_: [فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ] غافر: 55.

والشقي يجزع عند المصائب، ويحتج بالقدر على المعائب+([91]).

قال ابن أبي العز الحنفي×: =فما قدّر من المصائب يجب الاستسلام له؛ فإنه من تمام الرضا بالله ربَّاً، وأما الذنوب فليس لأحد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب؛ فيتوب من المعائب، ويصبر على المصائب+([92]).

وممن يسوغ له الاحتجاج بالقدر التائب من الذنب؛ فلو لامه أحد على ذنب تاب منه ثم قال التائب: هذا بقضاء الله وقدره، وأنا تبت واستغفرت لقبل منه ذلك الاحتجاج([93]).

12_ توبة الكذابين: الذين يهجرون الذنوب هجراً مؤقتاً يتحينون فيه الفرص لمعاودة الذنب؛ حيث يتركون الذنوب التي كانوا يرتكبونها إما لمرض، أو عارض، أو خوف، أو رجاء جاه، أو خوف سقوطه، أو عدم تمكن؛ فإذا واتَتْهُم الفرصة رجعوا إلى ذنوبهم.

فهذه توبة الكذابين، وليست بتوبة في الحقيقة.

ولا يدخل في ذلك من تاب فحدثته نفسه بالمعصية، أو أغواه الشيطان بفعلها ثم فعلها، فندم وتاب؛ فهذه توبة صادقة كما مر قبل قليل عند الحديث عن ترك التوبة مخافة الرجوع إلى الذنب.

كما لا يدخل في التوبة الكاذبة الخطراتُ ما لم تكن فعلاً محققاً.

13_ قلة العناية بالتائبين: فهناك من الأخيار والصالحين من لا يأبه بشأن التائبين، فقد يتوب قريب لهم، أو جار، أو صاحب قديم، أو مَنْ بينهم وبينه معرفة، أو غير هؤلاء.

ومع ذلك قد لا تجد من الأخيار من يأخذ بيد التائب، ويعينه على نفسه؛ حتى يستديم التوبة، ويلزم طريق الاستقامة.

بل ربما نفروا منه، ونظروا إليه بعين الريبة.

ومن هنا يخذل التائب، فلا يجد من يعينه، ويثبته، ويجيب عن إشكالاته.

وهذا الخذلان قد يتسبب في ضعف التائب، ونكوصه على عقبيه.

فحريٌّ بأهل الخير والدعوة والإصلاح أن يُعْنَوا بالتائبين، وأن يأخذوا بأيديهم إلى ما فيه صلاحهم ودوام استقامتهم، وزيادة إيمانهم، فيحرصوا على الإجابة عن أسئلتهم، وتيسير سبل التوبة لهم، ويسعوا في حل مشكلاتهم، وسداد ديونهم، والبحث عن أعمال لهم إذا كانوا عاطلين، ويبادروا إلى إبعادهم عن جلساء السوء، وربطهم بالرفقة الطيبة الصالحة، [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى] المائدة: 2، [وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] العصر: 3.

14_ غفلة الأمة عن التوبة: فإذا تحدث متحدث عن التوبة تبادر إلى الذهن توبة الأفراد فحسب، أما توبة الأمة بعامة فقلَّ أن تخطر بالبال.

وهذا من الأخطاء في باب التوبة؛ ذلك أن سنته_عز وجل_في الأفراد، وفي مغفرته للتائبين وعفوه عن المذنبين_هي هي سنته_سبحانه_في الأمم والشعوب.

فالأمة التي تعود إلى طريق الرشاد، وتَصْدُق في التوبة والإنابة إلى رب العباد_يفتح الله لها، ويرفع من شأنها، ويعيدها إلى عزتها ومجدها، وينقذها من وهدتها التي انحدرت إليها، وينجيها من الخطوب التي تحيط بها؛ نتيجة الذنوب التي ارتكبتها، والمنكرات التي أشاعتها من ربا، ومجون، وفسق وشرك، وبدع، وحكم بغير ما أنزل الله، وموالاة لأعداء الله، وتقصير في تبليغ دعوة الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك مما هو مؤذن بالعقوبة، وحلول اللعنة.

فإذا تابت إلى ربها متعها الله بالحياة السعيدة، وجعل لها الصولة والدولة، ورزقها الأمن والأمان، ومكن لها في الأرض.

قال_تعالى_: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً] النور: 55.

وإذا أردت مثالاً على توبة الأمة من القرآن الكريم فانظر إلى قوله_تعالى_: [فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ] يونس: 98.

وهؤلاء القوم الذين ذكروا في هذه الآية هم قوم يونس_عليه السلام_وقريتهم هي نينوى التي تقع شرقي مدينة الموصل في شمالي العراق.

ومعنى الآية_كما يقول المفسرون_: أن قوم يونس_عليه السلام_لما أظلهم العذاب، وظنوا أنه قد دنا منهم، وأنهم قد فقدوا يونس_قذف الله في قلوبهم التوبة، وفرقوا بين كل أنثى وولدها، وعَجُّوا إلى الله أربعين ليلة_أي رفعوا أصواتهم بالتلبية والدعاء_فلما علم الله منهم صدق التوبة كشف عنهم العذاب، وقال: [وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ] يونس: 98 أي لم نعاجلهم بالعقوبة، فاستمتعوا بالحياة الدنيا إلى حين مماتهم وقت انتهاء أعمارهم([94]).

فما أحوج أمتنا اليوم أن تعج إلى الله منيبة تائبة، ليرضى عنها، ويرفع عنها ما هي فيه من الذلة، والمهانة، والخيبة، والتبعية لأعدائها([95]).

هذا ومما يجب على الأمة في هذا الباب زيادة على ما مضى ما يلي:

أ_التوبة من الإسراف: فالإسراف نذير شؤم، ومؤذن هلاك؛ فهو يفضي إلى الفاقة، وينزل بأهله إلى طبقة المقلين أو المعدمين.

والإسراف في الترف ينبت في النفوس أخلاقاً مرذولة من نحو الجبن، والجور، وقلة الأمانة، والإمساك عن البذل في وجوه الخير.

أما أن الإسراف في الترف يدعو إلى الجبن فلأن شدة تعلق النفوس بالزينة واللذائذ يقوي حرصها على الحياة، ويحملها هذا الحرصُ على تجنب مواقع الحروب، وإن كانت مواقف شرف وذود عن النفس، والمال، والعرض.

وأما أن الإسراف في الترف يسهل على النفوس ارتكاب الجور فلأن المنغمس في الترف يحرص على اكتساب المال ليشبع شهواته، فلا يبالي أن يأخذه من طرق غير مشروعة، فيمد يده إلى الاستيلاء على ما في يد غيره من طريق الرشوة، أو من طريق الغصب إن كان ذا سلطان وقوة.

وأما أنه يَذْهَبُ بالأمانة فلأن الغريق في الترف إنما همه الوصول إلى زينة أو لذة، أو مطعم ونحوه_كثيراً ما تدفعه هذه الشهوات إلى أن يخون من ائتمنه، فيمد يده إلى المال الذي ائتمن عليه، وينفقه في شهواته الطاغية.

وأما أنه يمسك الأيدي عن فعل الخير فلأن من اعتاد الترف حتى أخذ بمجامع قلبه كان أعظم قصده من جمع المال إنفاقه فيما يلذه من مأكول، أو يتزين به من نحو ملبوس أو مفروش.

لذلك كان الغالبُ على المترفين المسرفين قبضَ أيديهم حيث يبسط غيرهم يده؛ إسعاداً لذوي الحاجات من الفقراء والمنكوبين، أو إجابة لما تدعو إليه المروءة والمكارم.

ومن هنا نستبين أن للإسراف سيئةً أخرى هي قطع صلة التعاطف والتوادد بين كثير من أفراد الأمة.

ولهذا تجد من الموسرين المترفين من ينفق الأموال الطائلة في سبيل لذاته وشياطينه، وإذا سئل بذل القليل في مشروع جليل أعرض ونأى بجانبه.

هذا وللإسراف في الترف أثر كبير في إهمال النصيحة والدعوة إلى الحق؛ ذلك أن من اعتاد التقلب في الزينة، وألفت نفسه العيش الناعم_يغلب عليه الحرص على هذا الحال؛ فيتجنب المواقف التي يمكن أن تكون سبباً لفوات بعض النعيم.

وللإسراف أثر في الصحة؛ فقد دلت المشاهدات على أن المسرف في نحو المأكل والمشرب لا يتمتع بالصحة التي يتمتع بها المقتصدون فيما يأكلون ويشربون.

والإسراف في الترف يقل معه النبوغ في العلم؛ ذلك أن النفس المحفوفة بالرفاهية من كل جانب يضعف طموحها إلى اللذات العقلية؛ لأنها في لذة قد تشغلها أن تطلب لذة كلذة العلوم طلباً يبلغ بها مرتبة العبقرية.

ومن الجلي أن مرتبة العبقرية لا تدرك إلا باحتمال مصاعب، واقتحام أخطار، والمسرف في الترف ضعيف العزيمة لا يثبت أمام المكاره والشدائد.

هذه بعض مضار الإسراف؛ فحق الأمة التي تريد النهوض من كبوتها أن تقلع عن الإسراف في الرفاهية، وتضع مكان الإسراف بذلاً في وجوه البر والإصلاح.

فمما تشكو منه الأمة إطلاق الأيدي بإنفاق المال في غير جدوى، وتدبير المال على غير حكمة وحسن تقدير.

قال العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي×: =إن أمة تنفق الملايين في الشهر على القهوة والدخان، وتنفق مثلها على المحرمات، وتنفق مثلها على البدع الضارة، وتنفق أمثال ذلك كله على الكماليات التي تنقص الحياة ولا تزيد فيها، ثم تدَّعي الفقر إذا دعاها داعي العلم لما يحييها_لأمة كاذبة على الله، سفيهة في تصرفاتها+([96]).

وقال×: =المال الذي تنفقه في المحرمات يسوقك إلى النار، والمال الذي تبدده في الشهوات يجلب لك العار، والمال الذي تدخره للورثة الجاهلين تهديه إلى الأشرار، وتبوء أنت بالتبار والخسار.

أما المال الذي تحيي به العلم، وتميت به الجهل_فهو الذي يتوجك في الدنيا بتاج الفخار، وينزلك عند الله منزلة الأبرار+([97]).

ولا يعني التحذير من الإسراف في الترف أن يكون الناس على سنة واحدة من الإعراض عن الزينة والملاذِّ؛ فقد قال_تعالى_: [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ] الأعراف: 32.

وإنما المقصود من ذلك الدعوةُ إلى أخذ النفوس بالاقتصاد، وحمايتها من الإفراط في الزينة واللذيذ من العيش.

ولهذا سلكت هداية القرآن الكريم بالناس هذا الطريق القويم، وهو طريق الاقتصاد؛ فبعد أن أمر في آيات كثيرة بالإنفاق في وجوه الخير نهى عن الإسراف نهياً بالغاً، فقال_تعالى_: [وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً] الإسراء: 29.

وألحق المبذرين بقبيل الشياطين فقال_تعالى_: [إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ] الإسراء: 27.

وعدهم في زمرة من يستحقون بغضه فقال_عز وجل_: [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] الأعراف: 31.

وأثنى على عباده المؤمنين بفضيلة الاقتصاد فقال: [والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً] الفرقان: 67.

وإذا كان الإسراف يوقع الأفراد والجماعات في مضارّ كثيرة كان واجباً على أولياء الأمور ودعاة الإصلاح أن يتعاونوا على الجهاد في هذا السبيل؛ حتى يبتعد الناس عن الإسراف في مآكلهم، ومشاربهم، وملابسهم، ومراكبهم، ومساكنهم، وأمتعة بيوتهم.

وحين يُحذَّر من عواقب الإسراف، ويُدعى إلى الاقتصاد_يبين أنه لا فضيلة في الاقتصاد إلا بعد أن يؤدي الرجل حق المال من نحو النفقات الواجبات عليه لأقاربه، والزكوات المفروضة لأهلها، وبعد أن يبسط يده بالإعانة على بعض المصالح العامة كإنشاء مساجد، أو مدارس، أو مستشفيات، أو ملاجىء، أو إعداد وسائل الاحتفاظ بسيادة الأمة والدفاع عن حقوقها([98]).

ب_التوبة من التبعية الثقافية والفكرية: فمما يؤسف عليه، ويندى له جبين الحق ما يُرى من حال كثير من مثقفينا ومفكرينا؛ فلا تراهم يرفعون بالإسلام رأساً، ولا يَهُزُّون لنصرته قلماً، ولا يحفلون إلا بزبالة أفكار الغرب، ولا يثقون إلا بما يصدر من مشكاته.

إن كثيراً من هؤلاء الذين تخرجوا في المؤسسات الحضارية الغربية، وعاشوا في المجتمعات الإسلامية_يجهلون الإسلام جهلاً كاملاً.

ولا يعني ذلك الجهل أنهم لم يسمعوا بالإسلام، أو أنهم لم يحفظوا في صغرهم شيئاً من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، أو أنهم لم يسجدوا لله يوماً من الأيام سجدة، أو لم يعرفوا أخبار رسول الله”وصحابته الكرام_رضوان الله عليهم_.

لا، ليس الأمر كذلك، وإنما المقصود أن هؤلاء يجهلون نظرة الإسلام إلى الكون، والحياة، والإنسان.

ويجهلون حقائق الإسلام، وشرائعه الحكيمة، ومقاصده النبيلة.

ويجهلون قيم الإسلام، ومُثُلَه، وأخلاقه، وخصائص حضارته، وتطوراتها، ومراحلها.

ويجهلون أسباب تقدم المسلمين في التاريخ، وأسباب تأخرهم.

ويجهلون القوى التي حاربتهم، والمؤامرات التي نسجت عبر التاريخ للقضاء عليهم.

فهؤلاء الذين نسميهم مثقفين ومفكرين عندما واجهوا الغرب، وحضارته، وفنه، وأدبه_لم يواجهوه إلا بعقول خواء، وأفئدة هواء، ونفوس مجردة من معاني الأصالة والعزة والأنفة؛ فلم يواجهوا الحضارة الحاضرة مواجهة مدركة، فاحصة، مقوّمة.

وإنما واجهوها مواجهة سطحية تنطلق من مواطن الجهل، والذلة، والشعور بالهزيمة، فانبهروا بكل ما فيها دونما تمييز بين الحق والباطل، والضار والنافع؛ فنكسوا رؤوسهم حطة أمام الغرب.

ولهذا تراهم يهشون ويطربون إذا ذكر اسم فرويد، أو نيتشه، أو ت.إس إليوت، أو ماركيز، أو غيرهم من مفكري الغرب على اختلاف توجهاتهم ومدارسهم الفكرية.

وإذا ذكر الله ورسوله_اشمأزت قلوبهم، واستولى عليهم الشعور بالهزيمة والذلة.

ومن هنا فإن مثقفينا_في فروع الحياة كلها إلا من رحم ربك_قد نقشوا ما عند الغربيين، وظنوا أنه لا ثقافة إلا ثقافتهم، ولا أدب إلا أدبهم، ولا واقع إلا واقعهم؛ فهم جهلوا الإسلام وحضارته، وعرفوا كل شيء عن الغرب.

وأكثر هؤلاء لا يتبرؤون من الإسلام، بل يصرحون بانتمائهم للأمة الإسلامية.

ولكنهم يفهمون الإسلام من إطار المفهوم الغربي للدين.

والمفهوم الغربي للدين يتلخص في أن الدين عبارة عن رابطة فردية خاصة بين الإنسان وربه؛ فالإنسان يؤمن بمجموعة من القيم والأخلاق التي يستقيها من إيمانه بالله، تصوغ شخصيته، وتجعل منه إنساناً اجتماعياً يستقيم سلوكه العام في إطار الإيمان الديني.

أما الحياة بشمولها فإنها_في نظرهم_لا بد أن تخضع لحركة العقل المتغير عبر الزمان والمكان([99]).

يقول الدكتور محسن عبدالحميد_أحد علماء العراق_: =من خلال عشرات المواقف الأليمة جداً التي مرت في حياتي التدريسية، والتي أثبتت لي بشكل قطعي هذا الجهل العام بين كثير من مثقفينا للإسلام أروي الحوادث الآتية:

* في محاضرة عامة لاقتصادي مسلم استعرض المذاهب الاقتصادية كلها منذ أقدم العصور إلى العصر الحديث في مختلف الملل والنحل، ولم يتطرق إلى الإسلام أو حضارته في مجال الاقتصاد منهجاً وعلماً.

فلما سُئل عقب انتهاء المحاضرة عن سبب ذلك قال بالحرف الواحد: أنا متأسف؛ لأنني لا أعرف عن وجهة نظر الإسلام في هذا الموضوع شيئاً.

ولما أهدي له فيما بعد كتاب حول أحكام الاحتكار في الفقه الإسلامي تعجب كثيراً، وذكر أنه لم يكن يظن أن الفقهاء بحثوا مثل هذه الموضوعات.

* وحضرت مرة مناقشة رسالة علمية في الفقه الجنائي الإسلامي مقارناً بالفقه الجنائي الغربي_استغرب مناقش قانوني في اللجنة أن يكون فقهاء المسلمين قد ناقشوا بعمق نظرية قانونية كان هو يعتقد أنها نظرية غربية صِرْفة.

* وكنا نتناقش يوماً في غرفة الأساتذة حول وضع المرأة في الإسلام؛ فانبرى أحد المختصين في علم الاجتماع فقال: إن الإسلام ظلم المرأة عندما جعل الرجل قوَّاماً عليها.

فلما سألناه: ما المعنى اللغوي للقوامة في الآية الكريمة حتى نحدد موقفنا منه_تلعثم ولم يعرف معناها.

فقال له أحدنا: كيف تصدر يا أستاذ هذا الحكم الظالم على الإسلام وأنت لا تعرف معنى القوامة؟ + ([100]).

ثم إن نظرة كثير من أولئك تجاه المسلمين وقضاياهم هي هي نظرة الغرب؛ فالغرب يرى أن الإسلام دين قسوة وهمجية، وأن أهله قساة عتاة أجلاف غلاظ الأكباد.

وينطلي هذا الهراء على كثير من أولئك المثقفين، فيسايرون أعداءهم، ويسيرون في ريحهم، وما علموا أن الإسلام دين العدل والرحمة، وأن أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس.

وما الحسام الذي يأمر الإسلام بانتضائه للجهاد في سبيل الله إلا كمبضع طبيب ناصح يشرط به جسم العليل؛ لينزف دمه الفاسد؛ حرصاً على سلامته.

وأمة الإسلام خير أمة جاهدت في سبيل الله فانتصرت، وغلبت فرحمت، وحكمت فعدلت، وساست فأطلقت الحرية من عقالها، وفجرت ينابيع المعارف بعد نضوبها.

واسأل التاريخ؛ فإنها قد استودعته من مآثرها الغرِّ ما بَصُر بضوئه الأعمى، وازدهر في الأرض ازدهار الكواكب في كبد السماء.

فماذا فعل المسلمون لما انتصروا على خصومهم؟ ماذا قال النبي_عليه الصلاة والسلام_لما انتصر على قريش وفتح مكة؟ ألم يصفح عنهم؟ وينس ما فعلوه به؟

وماذا فعل المسلمون لما انتصروا على كسرى وقيصر؟ هل خانوا العهود، وهل انتهكوا الأعراض؟ وهل قتلوا الشيوخ والأطفال والنساء؟

وماذا فعل صلاح الدين لما انتصر على الصليبين؟ ألم ينعم على قائدهم بالعفو؟ ألم يعالجه، ويطلق سراحه.

فهذه المواقف وأمثالها كثيرة في تاريخ المسلمين، مما كان لها أبلغ الأثر في محبة الناس للإسلام، والدخول فيه عن قناعة ويقين.

أفغير المسلمين يقوم بمثل هذا؟ الغرب يقدم لنا مثل هذه النماذج؟

الجواب ما تراه وتسمعه؛ فمن أين خرج هتلر، وموسوليني، ولينين، وستالين، ومجرمو الصرب؟ أليست أوربا هي التي أخرجت هؤلاء الطواغيت الشياطين الذين قتلوا الملايين من البشر، والذين لاقت البشرية منهم الويلات إثر الويلات؟ ألا يعد أولئك هم طلائع حضارة أوربا؟ فمن الهمج العتاة القساة الأجلاف إذاً؟

ثم من الذي صنع القنابل النووية والجرثومية، وأسلحة الدمار الشامل؟ ومن الذين لوثوا الهواء بالعوادم، والأنهار بالمبيدات؟ ومن الذي يدعم اليهود وهم في قمة الإرهاب والتسلط والظلم؟ .

أما آن لكثير من مثقفينا أن يصحوا من رقدتهم؟ وألا ينظروا إلى الغرب بعين عوراء متغافلين عن ظلمه، وإفلاسه الروحي؟

هذه هي حال كثير من مثقفينا، ومع ذلك تجدهم يتصدرون وسائل الإعلام، ويتطرقون لقضايا الأمة.

ولو صُرف النظر عن ناحيتهم، وترك حبلُهم على غاربهم_لهبطوا بكثير من شبابنا في خسار يهتز له قلب عدوهم شماتةً وفرحاً.

والنفوس التي تتزحزح عن الإيمان قيد شعرة تبتعد عن مراقي الفلاح سبعين خريفاً.

فلا بد_إذاً_من أن نكون على مرقبة من دعايتهم، وننفق ساعات في التنبيه على أغلاطهم؛ لعلهم ينصاعون إلى رشدهم، أو لعل الأمة تحذر عاقبة هذا الذي يبدو على أفواههم([101]).

فحقيق على هؤلاء أن يؤوبوا إلى رشدهم، وأن يقدموا لأمتهم ما يرفع عنها الذلة والتبعية، وأن يبحثوا في سبل رقيها وفلاحها.

وإن من أعظم ما يعينهم على ذلك أن يدرسوا الإسلام دراسة واعية متأنية من مصادره الأصيلة، وأن يكون لديهم من الشجاعة الأدبية والأمانة العلمية_ما يبعثهم إلى الرجوع إلى الحق والاعتزاز به.

أما السير في ركاب الغرب، والأخذ بكل ما يصدر منه دونما تمحيص_فذلك محض الهوان، وعنوان التخلي عن العزة والكرامة؛ فالأمة العزيزة هي التي تعرف مقدار ما تعطي، ومقدار ما تأخذ، ونوع ما تعطي ونوع ما تأخذ، وهي التي تعد نفسها بكل ما أوتيت من قوة؛ حتى تحمي رأيها فيما تأخذ وما تدع، وما تعطي وما تمنع.

ورحم الله الشيخ محمد الخضر حسين إذ يقول:

كنا بدورَ هداية ما من سَنَىً

إلا ومن أنوارها يستوقدُ

كنا بحورَ معارف ما من حُلىً

إلا ومن أغوارها يُتصيَّدُ

كنا جلاء للصدور من القذى

ولواؤنا بيد السعادة يُعْقَدُ

ما صافحت راحاتنا دوحاً ذوى

إلا وأينع منه غصنٌ أغيدُ

ومن احتمى بطرافنا السامي الذُّرا

آوى إلى الحرم الذي لا يضهد

لا يمْتري أهْلُ التمدن أنهم

لو لم يسيروا إثرنا لم يصعدوا

فَسلوا متى شئتم سَراتَهُمُ فما

من أمة إلا لنا فيها يدُ

لا فخر في الدنيا بغير مجادة

تعنو لها الأمم العظام وتسجد

لكننا لم نرعَ فيها حُرْمةً

بذمامها منا الرقاب تُقلَّد

أخذت مطيَّات الهوى تحدو بنا

في كل لاغية كساعة نُولد

حتى انزوى من ظلها الممدود ما

فيه مقام يستطاب ومقعدُ

أبناءَ هذا العصر هل من نهضة

تشفي غليلاً حرُّه يتصعَّدُ([102])

ورحم الله الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي إذ يقول:

فأين الذي رفعته الرماح

وأين الذي شيدته القُضُبْ

وأين شواهقُ عزٍّ لنا

تكاد تمس ذراها السحب

لقد أشرق العلم من شرقنا

وما زال يَضْؤُلُ حتى غرب

وكنا صعدنا مراقي المعالي

فأصبح صاعدُنا في صبب

وكم كان منا ذوو همة

سمت بهمُ لمعالي الرتب

وكم من هِزَبْرٍ تهز البرايا

بوادره إن ونى أو وثب

وأقْسمُ لولا اغترار العقول

لما كفَّ أربابها عن أرب

ولولاَ الذي دَبَّ ما بينهم

لما استصعبوا في العلا ما صَعُب([103])

ج_التوبة الإعلامية: فالإعلام في كثير من بلاد المسلمين يروِّج للرذيلة، ويزري بالعفة والفضيلة، فتراه يصب في قالب العشق والصبابة، والترف والهزل، ويسعى لتضليل الأمة عن رسالتها الخالدة.

فجدير بإعلام المسلمين أن تكون له شخصيته المتميزة، وأن يكون داعية إلى كل خير وفلاح.

وواجب على كل إعلامي مسلم أن يتضلع بمسؤوليته، وأن يدرك حجم الأمانة الملقاة على عاتقه، فهو يرسل الكلمة فتسير بها الركبان؛ فله غنمها، وعليه غرمها.

د_التوبة من التبرج: تلك السنة الإبليسية الجاهلية التي فتحت على المسلمين باب شر مستطير.

ففي أكثر بلدان المسلمين تخلت النساء عن الحجاب، وأخذن بالتبرج، والتهتك، والتبذل، والسفور على تفاوت فيما بين البلدان.

وهذا الصنيع نذير شر وشؤم، ومؤذن لعنة وعذاب؛ ذلك أن التبرج موجب لفساد الأخلاق، وضيعة الآداب، وشيوع الجرائم والفواحش، وانعدام الغيرة، واضمحلال الحياء.

وبسببه تتحطم الروابط الأسرية، وتنعدم الثقة بين أفرادها.

وهذا التبرج لم يكن معروفاً عند المسلمين، وإنما هو سنة جاهلية انقطعت بالإسلام.

قال_تعالى_مخاطباً نساء المسلمين: [وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى] الأحزاب: 33.

وفي العصور المتأخرة دخل التبرج على المسلمين بسبب الإعراض عن هداية الدين، وبسبب الحملات الضارية على المرأة المسلمة؛ كي تتخلى عن وقارها وحيائها وحشمتها ودينها.

كما دخل على المسلمين من باب التقليد الأعمى للغرب ومحاولة اللحاق بركابه؛ لئلا يقال: متخلفون رجعيون!

وإذا أنكر منكر على أولئك الذين يدعون إلى التبرج والسفور وصموه بالتخلف والرجعية؛ فهل تقليد الغرب في مستهجن عاداته إلا التخلف بعينه؟ أو ليس هذا التقليد مما يزيد الشعوب المقلدة وهناً على وهن؟ !

وإذا أردت الدليل على أن التبرج تخلف عن ركب الحضارة فانظر إلى انحطاط خصائص الجنس البشري في الهمج من العراة الذين لا يزالون يعيشون في المتاهات والأدغال على حال تقرب من البهيمية؛ فإنهم لا يأخذون طريقهم في مدارج الحضارة إلا بعد أن يكتسوا ويستطيع المراقب لحالهم في تطورهم أن يلاحظ أنهم كلما تقدموا في الحضارة زادت نسبة المساحة الكاسية من أجسادهم.

كما يلاحظ أن الحضارة الغربية في انتكاسها تعود في هذا الطريق القهقرى درجة بعد درجة حتى ينتهي الأمر إلى العري الكامل في مدن العراة التي أخذت في الانتشار بعد الحرب العالمية الأولى، ثم استفحل داؤها في السنوات الأخيرة.

ونحن إذا احتجنا إلى الاستفادة من خبرة الغرب، وتفوقه في الصناعات الآلية التي كانت سبباً في مجده وسيادته_فمن المؤكد أننا لسنا في حاجة إلى استيراد قواعد في السلوك والتربية والأخلاق التي تدل الأمارات والبوادر على أنها ستؤدي إلى تدمير حضارته، والقضاء عليها قضاء تاماً في القريب العاجل.

إننا في حاجة إلى مواد البناء؛ لأن لدينا من عوامل الضعف والهدم ما يكفي، ومن مصائبنا نحن الشرقيين أننا لا نأخذ المصائب كما هي، بل نزيد عليها ضعفنا فإذا هي رذائل مضاعفة.

ومع ذلك تجد من أبناء جلدتنا من لا يصيخون السمع إلى هداية الدين، بل هم يلحدون في آيات الله، فيميلون بها عن وجهها حيناً، ويجادلون فيها أشد المجادلة حيناً آخر.

في الوقت الذي يخضعون لهذه المزاعم الداعرة، ويرونها فوق النقاش والمراء.

هؤلاء قوم لا تقوم عندهم الحجة بالقرآن والسنة، ولكنها تقوم بهذه الظنون والأوهام؛ فإذا عارضتهم بالثابت من الشرع_وهم يزعمون أنهم مسلمون_لووا رؤوسهم، وقالوا: نحدثك في العلم فتحدثنا في الدين؟ وكأن هذه الأوهام عندهم أثبت من الشرع المطهر.

أترى فرقاً بين هؤلاء وبين أمم خلت من قبلهم من الضالين كانوا يقولون إذا ذُكِّروا بآيات الله: [قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ] الأنفال: 31؛ [لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ] النحل: 25.

وبالجملة فإن الحقيقة الماثلة للعيان تقول: بأن التبرج أقرب الوسائل إلى تلويث الأعراض، ونكد العيش، وأنه إلى ابتذال المرأة أقرب منه إلى كرامتها، وإلى عنائها أقرب منه إلى راحة بالها([104]).

قال الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي×: =وما هو الحجاب إلا حفظ روحانية المرأة للمرأة، وإغلاء سعرها في الاجتماع، وصونها من التبذل الممقوت+([105]).

وقال: =وأساس الفضيلة في الأنوثة الحياء؛ فيجب أن تعلم الفتاة أن الأنثى متى خرجت من حيائها وتهجَّمت؛ أي توقَّحت، أي تبذَّلت_استوى عندها أن تذهب يميناً، أو تذهب شمالاً، وتهيأت لكل منهما ولأيهما اتفق.

وصاحبات اليمين في كنف الزوج، وظل الأسرة، وشرف الحياة، وصاحبات الشمال ما صاحبات الشمال…؟ +([106]).

وقال: =فكل ما تراه من أساليب التجميل والزينة على وجوه الفتيات وأجسامهن في الطرق_فلا تَعُدَّنَّه من فرط الجمال، بل من قلة الحياء+([107]).

وإذا كان الأمر كذلك فإنه يجب على الأمَّة المسلمة أن تتوب من التبرج والسفور، وأن تحاربه بكل ما أوتيت من قوة.

وأن تدعو في الوقت نفسه إلى لزوم الحجاب والحشمة للمرأة المسلمة؛ ففي الحجاب العفة، والستر، والطهر، والسلامة من الفتنة، والنجاة من الوعيد وغير ذلك من فضائل الحجاب.

كما يجب على المرأة المسلمة أن تحافظ على حجابها، وأن تعتز به، وألا تلتفت إلى دعاوى المبطلين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وأن يكون حجابها مستوعباً جميع بدنها بما في ذلك الوجه والكفان، وألا يكون الحجاب زينة في نفسه، وأن يكون صفيقاً لا يشف، وأن يكون فضفاضاً غير ضيق، وألا يكون مُبخَّراً مطيباً، وألا يشبه لباس الرجل، أو الكافرات، وألا يكون لباس شهرة.

فإذا كانت كذلك فأحْرِ بها أن تسعد في نفسها، وأن تسعد الأمة بها.

هـ_التوبة من التقصير في الدعوة إلى الله: فأمة الإسلام هي الأمة القوامة على الأمم، وهي الشاهدة على الأولين والآخرين.

والبشرية جمعاء بأمسّ الحاجة إلى هداية الإسلام.ومع ذلك تجد التقصير في جانب الدعوة إلى الله.

والتبعة في ذلك تقع على أهل العلم بخاصة؛ فما بال كثير منهم يعرف مناهج الصلاح، ويبصر طائفة من قومه يتهافتون على عماية، أو يهيمون في جهالة ولا تنهض به الهمة؛ ليعمل على إفاقتهم من سكرتهم، وإراءتهم معالمَ فوزهم؟ .

وما بال الخلاف يدب في صفوف كثير من الدعاة، فيفشلهم، ويذهب ريحهم؟

وما بال كثير منهم يخطىء سبيل الحكمة، ويؤثر مصلحته على مصلحة الأمة؟

وما بال كثير منهم ينزوي وينطوي على نفسه غير مكترث بمصير الأمة، وغير مبال بوعيد الله لمن كتم العلم؟

إن السكوت عن الدعوة جرم عظيم، وذنب يجب التوبة منه؛ ذلك أنه إذا انزوى العارفون بوجوه الإصلاح رفع البغي لواءه، وبقي إخوان الفساد يترددون على أماكن المنكرات.

والبغي يضرب على الأمة الذلةَ والمسكنةَ، والانهماكُ في المنكرات يميت خصال الرجولة من نحو الشجاعة، وشدة البأس، والبذل في سبيل الخير.

وإذا تفشى وباء الفساد تداعت الأخلاق الفاضلة إلى سقوط، ونضب ماء الحياء من الوجوه، ووهنت رابطة الاتحاد في القلوب، وتضاءلت الهمم عن معالي الأمور، وقلَّت الرغبة في الآداب والعلوم.

وما عاقبة الأمة المصابة بالذل والإحجام، والجهل والتفرق، وقلة الإنفاق في سبيل البر إلا الدمار.

ولا يحسب الذين ينقطعون عن إرشاد الضالين ووعظ المسرفين أن إقبالهم على شأنهم، واقتصارَهم في العمل الصالح على أنفسهم يجعلهم في منجاة من سوء المنقلب الذي ينقلب إليه الفاسقون.

فالذي جرت به سنة الله في الأمم أن وباء الظلم والفسوق إذا ضرب في أرض، وظهر في أكثر نواحيها_لا تنزل عقوبته بديار الظالمين أو الفاسقين خاصة، بل تتعداها إلى ما حولها، وترمي بشرر يلفح وجوه جيرانهم الذين تخلوا عن نصيحتهم، ولم يأخذوا على أيديهم.

قال_تعالى_: [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً]الأنفال:25.

وجاء في صحيح مسلم عن زينب بنت جحش÷ا_قالت: قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟

قال: =نعم؛ إذا كثر الخبث+([108]).

ومن البلية في سكوت أهل العلم أن العامة يتخذونه حجة على إباحة الأشياء أو استحسانها؛ فإذا نهيتهم عن بدعة سيئة، وسقت إليهم الدليل على قبحها ومخالفتها لما شرع الله_كان جوابهم أنهم فعلوها بمرأى أو مسمع من فلان من أهل العلم ولم يعترض فعلهم بإنكار!.

ومن أثر التهاون بالإرشاد أن يتمادى المفسدون في لهوهم، ولا يقفوا في اتباع شهواتهم عند غاية؛ فتقع أعين الناس على هذه المناكر كثيراً، فتألفها قلوبهم، حتى لا يكادوا يشعرون بقبح منظرها، أو يتفكروا في سوء عاقبتها.

ومن أثر هذا أن يقبل عليهم الحق بنوره الساطع ووجهه الجميل، فتجفل منه طباعهم، وتجفوه أذواقهم لأول ما يُشْرف عليها([109]).

وإذا كان الأمر كذلك كان لزاماً على الأمة أفراداً وجماعات أن تتوب من التقصير في الدعوة إلى الله، وأن يقوم كل فرد بحسبه بما أوجب الله عليه من نصرة دين الله، هذا بلسانه، وهذا بقلمه، وهذا بماله، وهذا بجاهه، ولكل وجهة هو موليها، وقد علم كل أناس مشربهم.

هذه بعض الأخطاء التي تقع في باب التوبة، وسيأتي_ضمناً_في الفصل الآتي مزيد بيان لبعض الأخطاء.


الفصل الثالث

 


هناك مسائل في التوبة يحسن التنبيه عليها ومن ذلك مايلي:

1_ التوبة الواجبة، والتوبة المستحبة: فالتوبة الواجبة تكون من فعل المحرمات وترك الواجبات، والمستحبة تكون من فعل المكروهات، وترك المستحبات.

فمن اقتصر على التوبة الأولى كان من الأبرار المقتصدين، ومن تاب التوبتين كان من السابقين المقربين، ومن لم يأت بالأولى كان من الظالمين: إما الكافرين، وإما الفاسقين([110]).

2_ التوبة النصوح: هي الخالصة، الصادقة، الناصحة، الخالية من الشوائب، والعلل.

وهي التي تكون من جميع الذنوب؛ فلا تدع ذنباً إلا تناولته، وهي التي يجمع صاحبها العزم والصدق بكليته عليها؛ بحيث لا يبقى عنده تردد، ولا تلوُّمٌ، ولا انتظار.

وهي التي تقع؛ لمحض الخوف من الله، وخشيته، والرغبة فيما لديه، والرهبة مما عنده؛ فليست لحفظ الجاه، والمنصب، والرياسة، ولا لحفظ الحال، أو القوة، أو المال، ولا لاستدعاء حمد الناس، أو الهرب من ذمهم، أو لئلا يتسلط عليه السفهاء، ولا لقضاء النهمة من الدنيا، أو للإفلاس والعجز، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها، وخلوصها لله_عز وجل_.

فمن كانت هذه حاله غفرت ذنوبه كلها، وإذا حسنت توبته بدل الله سيئاته حسنات([111]).

3_ التوبة الخاصة من بعض الذنوب: فالواجب على العبد أن يتوب من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها.

فإذا تاب من بعضها مع إصراره على بعضها الآخر قبلت توبته مما تاب منه، ما لم يُصرَّ على ذنب آخر من نوعه.

أما إذا تاب من ذنب مع مباشرة ذنب آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه_صحت توبته مما تاب منه.

مثال ذلك أن يتوب من الربا، وهو مصر على السرقة وشرب الخمر، فتقبل توبته من الربا.

أما إذا تاب من نوع من أنواع الربا وهو مصر على نوع آخر منه، أو تاب من نوع منه، وانتقل إلى نوع آخر فلا تقبل توبته كحال من يتوب من ربا الفضل وهو مصر على ربا النسيئة، أو أن ينتقل من ربا الفضل إلى ربا النسيئة، وكحال من يتوب من الزنا بامرأة، وهو مصر على الزنا بأخرى؛ فإن توبته لا تصح؛ فهو لم يتب في الحقيقة من الذنب، وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر.

وقد يتصور أن يتوب الإنسان من الكثير من الذنوب دون القليل؛ لأن لكثرة الذنوب تأثيراً في كثرة العقوبة، وصعوبة التوبة([112]).

وبالجملة فكل ذنب له توبة خاصة، وهي فرض منه لا تتعلق بالتوبة من غيره؛ فهذه هي التوبة الخاصة.

وحكمها أنها تصح فيما تاب منه؛ شريطة أن يكون التائب باقياً على أصل الإيمان.

وسر المسألة أن التوبة تتبعض كالمعصية؛ فيكون تائباً من وجه دون وجه كالإسلام والإيمان([113]).

وهذا هو قول جمهور أهل السنة والجماعة([114]).

ثم إن على العبد إذا وفقه الله لترك ذنب من الذنوب أن يسعى في التخلص من الباقي؛ لأن الإصرار على الذنوب يقود إلى ذنوب أخرى؛ فالحسنة تهتف بأختها، والسيئة كذلك.

4_ التخلص من الحقوق، والتحلل من المظالم: فالتوبة تكون من حق الله وحق العباد؛ فحق الله_تعالى_يكفي في التوبة منه الترك على ما تقدم، غير أن منه ما لم يكتف الشرع فيه بالترك، بل أضاف إليه القضاء والكفارة.

أما حق غير الله فيحتاج إلى التحلل من المظالم فيه، وإلى أداء الحقوق إلى مستحقيها، وإلا لم يحصل الخلاص من ضرر ذلك الذنب، قال النبي”: =من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلَّلْه اليوم؛ قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات+([115]).

ولكن من لم يقْدر على الإيصال بعد بذله الوسعَ في ذلك فعفو الله مأمول؛ فإنه يضمن التبعات، ويبدل السيئات حسنات([116]).

ومما يدخل في الحقوق والمظالم التي يجب التحلل منها مايلي:

أ_الحقوق المالية: فإن كان لدى التائب مظلمة مالية لأحد من الناس فليردها عليه، سواء كانت تلك المظلمة غصباً، أو سرقة، أو جحداً لأمانة مالية، أو نحو ذلك.

وبعض الناس قد يستحيي من رد تلك المظلمة، وخصوصاً إذا كانت سرقة.

والحل في مثل هذه الحال يسير_بحمد الله_فإما أن يذهب لصاحب الحق بنفسه، ويخبره بما كان من أمره، ويرد عليه ما أخذ منه، وإما أن يهاتفه عبر الهاتف ويتفق معه على حل معين، وإما أن يرسل له المبلغ المالي عبر البريد، وإما أن يوسط أحداً من الناس في إرسال المال، والتحلل من صاحبه.

وإن كان لا يعرف صاحب تلك المظلمة، أو أن يكون قد بحث عنه فلم يجده، ولم يعرف أحداً من أقاربه، أو أن يكون_مع ذلك_قد نسي مقدار ما أخذ منه، أو أن يكون نسي صاحب المظلمة_فَلْيُقَدّرْ ما أخذ منه، وليتصدق به عنه؛ فإذا كان يوم استيفاء الحقوق كان لأهل الأموال الخيار، بين أن يجيزوا ما فعل، وتكون أجورها لهم، وبين ألا يجيزوا ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم، ويكون ثواب تلك الصدقة له؛ إذ لا يبطل الله_عز وجل_ثوابها، ولا يجمع لأربابها بين العوض والمُعَوَّض، فيغرمه إياها، ويجعل أجرها لهم، وقد غرم من حسناته بقدرها.

بل إن صاحب المال قد يَسُرُّه وصول ثواب ماله إليه أعظم من سروره بوصوله إليه في الدنيا([117]).

ب_الحقوق في الأبدان: فإن كانت المظلمة من نوع الجراحات في الأبدان فالتوبة منها أن يُمَكِّن التائبُ صاحبَ الحقّ من استيفاء حقه، إما بالمال، وإما بالقصاص.

فإن لم يعرفه، أو لم يتمكن من لقائه فليتصدق عنه، وليدْعُ له.

جـ_المظالم في الأعراض: وإذا كانت المظلمة في الأعراض، كأن تكون بقدح في أحد بغيبة، أو قذف، أو نميمة، أو أن تكون بإفساد لذات البين_فليتحلل ممن أساء إليه، وليصلح ما أفسد قدر الإمكان.

فإن كان إذا أخبر من أساء في حقهم لا يغضبون منه، ولا يزيدون حنقاً عليه، ولا يورثهم ذلك غماً_صارحهم، وطلب منهم المسامحة بعبارات عامة كأن يقول: إني أخطأت في حقك في الماضي، وأسأت فهمك فظلمتك بكلام تبين فيما بعد خطؤه، وإنني تبت الآن فسامحني_فلا بأس في ذلك؛ فقد يكون المُخْبَرُ رجلاً كريماً يقيل العثرة، ويتجاوز عن الزلة.

وإن كان إذا أخبرهم بما اغتابهم، أو قذفهم به حنقوا عليه، وازدادوا غماً وغيظاً، أو أنه إذا أخبرهم بالعبارات العامة لم يقنعوا إلا بالتفاصيل التي إذا سمعوها زادوا كراهية لهذا الشخص_فإنه حينئذ لا يخبرهم، بل يكفي توبته بينه وبين الله، وأن يذكر المُساء إليه بخير كما ذكره بشر، فيبدل غيبته بمدحه، والثناء عليه بما هو أهله، ويستغفر له بقدر ما اغتابه؛ فهذا هو المتعين في مثل هذه الحالة؛ ذلك أن الإعلام_والحالة هذه_مفسدة محضة، لا تتضمن مصلحة؛ فإنه لا يزيده إلا أذىً وحنقاً، وغماً، وكان مستريحاً قبل سماعه، فإذا سمعه ربما لم يصبر على حمله، وربما أورثه ضرراً في نفسه أو بدنه.

وما كان هكذا فإن الشارع لا يبيحه فضلاً عن أن يوجبه، ويأمر به.

وربما كان إعلامه به سبباً للعداوة والحرب بينه وبين القائل؛ فلا يصفو له أبداً، بل يورثه علمه به عداوة وبغضاء مولدة لشر أكبر من شر الغيبة والقذف.

وهذا ضد مقصود الشارع من تأليف القلوب، والتراحم، والتعاطف، والتحابب.

وإذا كانت مظلمة الأعراض متعلقة بالمحارم ثم تاب منها فشأنها شأن الغيبة، والنميمة، والقذف من جهة الاستتار، وترك الإعلام؛ فتكون توبة الإنسان فيما بينه وبين ربه.

بل إن مصلحة الإخفاء ههنا أكبر؛ لأن مصلحة الإعلام لا تكاد تذكر.

فإذا تاب الإنسان من معاكسة إحدى محارم المسلمين، أو حصل بينهما ما لا يرضي الله_عز وجل_فليستتر بستر الله، لأنه إذا أخبر وَلِيَّها؛ ليتحلل منه حصل مفسدة كبرى؛ فقد يسعى الولي للتشفي، والانتقام، وقد يتأذى كثيراً بمجرد علمه، وقد يحصل طلاق، وقتل، وفساد عريض.

أما إذا كان في الإخبار مصلحة، كأن تكون المرأة التي حصل منها ما حصل مستمرة على غيها، ثم تاب من يعاكسها، أو يجتمع بها_فلا بأس من إشعار وليها أو أحد معارفها العقلاء عبر الهاتف أو الرسالة؛ حتى يقف الفساد عند حد.

هذا هو المتعين في مظالم الأعراض، والفرق بينها وبين الحقوق المالية وجنايات الأبدان من وجهين:

أحدهما: أنه قد ينتفع بها إذا رجعت إليه؛ فلا يجوز إخفاؤها عنه؛ فإنه محض حقه؛ فيجب عليه أداؤه إليه.

بخلاف جنايات الأعراض من غيبة أو نميمة أو ما تعلق بالمحارم؛ فإنه ليس هناك شيء ينفعه يؤديه إليه إلا إضراره، وتهييجه فقط؛ فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس.

والثاني: أنه إذا أعلمه بجنايات الأموال أو الأبدان لم تؤذه، ولم تُهجْ منه غضباً ولا عداوة، بل ربما سره ذلك وفرح به.

بخلاف إعلامه بما مزق به عرضه طول عمره ليلاً ونهاراً من أنواع القذف، والغيبة، والهجو؛ فاعتبار أحدهما على الآخر اعتبار فاسد([118]).

د_المظالم العامة: فإذا كانت المظلمة عامة، يتضرر منها عموم الناس_فالتوبة في حق من يقوم بذلك أوجب؛ لأن ضررها متعدٍّ.

وذلك كحال من كان صحفياً يبث سمومه عبر الصحافة، أو كان ممثلاًِ يغري بالرذيلة من خلال تمثيله، أو كان مطرباً يؤدي الأغاني الخليعة الماجنة، أو كان أديباً أو كاتباً ينشر الخنا وما ينافي الفضيلة، أو كان مبتدعاً في دين الله ناشراً لبدعته، أو أياً كان ممن يستخدم مواهبه وإمكاناته لمحاربة الخير، ونشر الشر على عامة الناس؛ فالواجب على هؤلاء أن يتوبوا إلى الله، وتوبتهم تكون بالندم على ما فات، وإظهار الندم، وإعلان الخطأ، والرجوعِ عنه، والقيام بنشر الخير قدر المستطاع، والإكثار من فعل الطاعات، والحرص على هداية من تسببوا في إغوائهم، وتسخير الموهبة لخدمة الدين.

ومما يلحق بالمظالم العامة التي يجب أن يتاب منها بيع الخمور، والمخدرات، والدخان، وبيع الأفلام الهابطة، والمجلات الخليعة.

ولا يلزم من توبة هؤلاء أن يعلنوا بها، فقد لا يترتب على ذلك مصلحة، اللهم إلا إذا كان ذلك من باب أن يقتدي بهم غيرهم.

فالتوبة في حقهم أن يَدَعُوا ما قاموا به، وأن يحرصوا كل الحرص على إصلاح ما أفسدوه، وأن يقبلوا على الله، ويكثروا من الاستغفار وسائر الطاعات.

وبالجملة فكل مظلمة يستطيع الإنسان أن يتحلل منها_فليفعل، وما لم يستطع فلا حرج عليه؛ فعفو الله مأمول، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

هـ_توبة القاتل المتعمد: هناك خلاف بين السلف في توبة القاتل، فهناك منهم من قال: لا توبة للقاتل، والجمهور يقولون: إن التوبة تأتي على كل ذنب، فكل ذنب يمكن التوبة منه، وتقبل([119]).

والصواب_إن شاء الله_رأي الجمهور، وأن القاتل المتعمد له توبة؛ ذلك أنه عليه_والحالة هذه_ثلاثة حقوق:

1_ حق الله. 2_ حق القتيل. 3_ حق الورثة.

فحق الله يُقضى بالتوبة، وحق الورثة أن يُسَلِّم القاتل نفسه لهم؛ ليأخذوا حقهم إما بالقصاص، أو الدية، أو العفو.

وحق المقتول لا يمكن الوفاء به في الدنيا؛ فإن حسنت توبة القاتل، وقدم نفسه لأهل المقتول فإن الله يرفع عنه ذلك الحق، ويعوض المقتول يوم القيامة خيراً من عنده_عز وجل_.

قال ابن القيم×في هذه المسألة: =فالصواب_والله أعلم_أن يقال: إذا تاب القاتل من حق الله، وسلم نفسه طوعاً إلى الوارث؛ ليستوفي منه حق موروثه_سقط عنه الحقان، وبقي حق الموروث لا يضيعه الله، ويجعل من تمام مغفرته للقاتل تعويض المقتول؛ لأن مصيبته لم تنجبر بقتل قاتله.

والتوبة النصوح تهدم ما قبلها، فيعوض هذا عن مظلمته، ولا يعاقب هذا؛ لكمال توبته.

وصار هذا كالكافر المحارب لله ولرسوله إذا قتل مسلماً في الصف، ثم أسلم، وحسن إسلامه؛ فإن الله_سبحانه_يعوض هذا الشهيد المقتول، ويغفر للكافر بإسلامه، ولا يؤاخذه بقتل المسلم ظلماً؛ فإنَّ هَدْمَ التوبة لما قبلها كهدم الإسلام لما قبله.

وعلى هذا إذا أسلم نفسه، وانقاد، فعفا عنه الولي، وتاب القاتل توبة نصوحاً_فالله_تعالى_يقبل توبته، ويعوض المقتول.

فهذا الذي يمكن أن يصل إليه نظر العالم واجتهاده، والحكم بعد ذلك لله[إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ] النمل: 78 ([120])+.

5_ توبة العاجز عن المعصية: إذا حيل بين العاصي وبين أسباب المعصية، فعجز عنها، بحيث يتعذر وقوعها منه_فهل تصح توبته إذا تاب؟

وذلك كحال السارق إذا قطعت أطرافه الأربعة، وكالزاني إذا جُبَّ، أو عجز عن ممارسة الزنا، وكحال من وصل إلى حد بطلت معه دواعيه إلى معصية كان يرتكبها، كمن يحكم عليه بالسجن المؤبد، أو كمن حكم عليه بالقتل وهو ينتظر موعد التنفيذ، ونحو ذلك مما شاكله وجرى مجراه؛ فهل للواحد من هؤلاء توبة مع أنه قد حيل بينه وبين ما كان يفعله من معاصٍ؟

والجواب: أن له توبة_إن شاء الله تعالى_فالتوبة ممكنة صحيحة إذا أتى بها على وجهها، ولا يؤاخذ بما يرد على قلبه من وساوس تُزَيّن له المعصية، وتمنيه بالرجوع إليها.

قال ابن القيم×بعد أن ذكر الأقوال والخلاف في هذه المسألة: =القول الثاني: _وهو الصواب_أن توبته ممكنة، بل واقعة؛ فإن أركان التوبة مجتمعة فيه، والمقدور له منها الندم، وفي المسند مرفوعاً: =الندم توبة+([121]).

فإذا تحقق ندمُه على الذنب، ولومُه نفسَه عليه فهذه توبة، وكيف يصح أن تسلب التوبة عنه مع شدة ندمه على الذنب، ولومه نفسَه؟ ولا سيما ما يتبع ذلك من بكائه، وحزنه، وخوفه، وعزمه الجازم، ونيته أنه لو كان صحيحاً والفعل مقدوراً له لما فعله.

وإذا كان الشارع قد نزَّل العاجز عن الطاعة منزلة الفاعل لها إذا صحت نيته كقوله في الحديث الصحيح: =إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً+([122]).

وفي الصحيح_أيضاً_عنه: =إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم.

قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر+([123]).

وله نظائر في الحديث_فتنزيل العاجز عن المعصية التارك لها قهراً_مع نيته تركَها اختياراً لو أمكنه_منزلةَ التارك المختار أولى+([124]).

ثم قال×: =يوضحه: أن مفسدة الذنب التي يترتب عليها الوعيد تنشأ من العزم عليه تارة، ومن فعله تارة.

ومنشأ المفسدة معدوم في حق هذا العاجز فعلاً وعزماً، والعقوبة تابعة للمفسدة.

وأيضاً فإن هذا تعذر منه الفعل ما تعذر منه التمني والوداد؛ فإذا كان يتمنى ويود لو واقع الذنب، ومن نيته: أنه لو كان سليماً لباشره_فتوبته بالإقلاع عن هذا الوداد، والتمني، والحزن على فوته؛ فإن الإصرار مُتَصَور في حقه قطعاً، فَيُتصَوَّر في حقه ضده، وهو التوبة، بل هي أولى بالإمكان والتصورِ من الإصرار، وهذا واضح+([125]).

ثم بين×الفرق بين العاجز وبين المعاين فقال: =والفرق بين هذا وبين المعاين ومن ورد القيامة أن التكليف قد انقطع بالمعاينة وورود القيامة، والتوبة إنما تكون في زمن التكليف، وهذا العاجز لم ينقطع عنه التكليف؛ فالأوامر والنواهي لازمة له، والكف متصور منه عن التمني، والوداد، والأسفِ على فوته، وتبديل ذلك بالندم والحزن على فعله، والله أعلم+([126]).

إذا تقرر هذا فإنه يحسن التنبيه على مسألة وهي أن الشيطان ربما وسوس لهذا العاجز التائب، وألقى في قلبه أنه لم يتب إلا لعجزه، وأن توبته كاذبة غير مقبولة.

وربما قال له ذلك رفقة السوء.

فالواجب على التائب في مثل هذه الحالة أن يحسن ظنه بربه، وأن يستعيذ بالله من وساوس شياطين الجن والإنس، وأن يأتي بالتوبة على نحو ما ذكر في الأسطر الماضية.

6_ معنى التوبة من قريب والتوبة عند الموت: قال_تعالى_: [إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] النساء: 17.

فالتوبة من قريب هي التوبة في الحياة ما لم يغرغر العبد، أي ما دامت روحه في جسده لم تبلغ الحلقوم والتراقي، فهنا تقبل توبته.

قال ابن رجب×: =وأما التوبة من قريب فالجمهور على أن المراد بها التوبة قبل الموت؛ فالعمر كله قريب، ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، ومن لم يتب فقد بعد كل البعد كما قيل:

فهم جيرةُ الأحياء أما قرارهم

فَدَانٍ وأما الملتقى فبعيد

فالحي قريب، والميت بعيد من الدنيا على قربه منها؛ فإن جسمه في الأرض يبلى، وروحه عند الله تُنَعَّم أو تُعذَّب، ولقاؤه لا يرجى في الدنيا+([127]).

أما إذا عاين العبد أمور الآخرة، وانكشف له الغطاء، وشاهد الملائكة، فصار الغيب عنده شهادة_فإن الإيمان والتوبة لا تنفعه في تلك الحال.

قال_تعالى_: [وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً] النساء: 18.

فسوَّى_عز وجل_بين من تاب عند الموت، ومن مات من غير توبة.

والمراد بالتوبة عند الموت التوبة عند انكشاف الغطاء، ومعاينة المحتضر أمور الآخرة، ومشاهدة الملائكة_كما مرَّ_([128]).

قال ابن رجب×: =وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال: لا يزال العبد في مهل من التوبة ما لم يأته ملك الموت يقبض روحه؛ فإذا نزل ملك الموت فلا توبة حينئذ.

وبإسناده عن الثوري قال: قال ابن عمر: التوبة مبسوطة ما لم ينزل سلطان الموت.

وعن الحسن قال: التوبة معروضة لابن آدم ما لم يأخذ ملك الموت بكظمه+([129]).

7_ نقض التوبة: فالعبد إذا تاب من ذنب ثم عاد إليه مرة أخرى يكون ناقضاً للتوبة؛ فيلزمه حينئذ أن يجدد التوبة.

ولا يرجع إليه_في هذه الحالة_إثم الذنب الذي تاب منه، والعائد إليه إنما هو إثم الذنب الجديد المستأنف لا الماضي؛ لأن الماضي قد ارتفع بالتوبة، وصار بمنزلة ما لم يعملْه.

قال_تعالى_: في وصف المتقين في سورة آل عمران: [وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ] آل عمران: 135.

وجاء في الحديث المرفوع إلى النبي”: =إن الله يحب العبد المفتَن التوَّاب+([130]).

قال ابن القيم×تعليقاً على هذا الحديث: =قلت: وهو الذي كلما فتن بالذنب تاب منه، فلو كانت معاودته تبطل توبته لما كان محبوباً للرب، ولكان ذلك أدعى إلى مقته+([131]).

وقال×: =قالوا: وأما استمرار التوبة فشرط في صحة كمالها ونفعها لا شرط في صحة ما مضى منها+([132]).

وقال: =ونكتة المسألة أن التوبة حسنة، ومعاودة الذنب سيئة؛ فلا تبطل معاودته هذه الحسنة كما لا تبطل ما قارنها من الحسنات+([133]).

وعلى هذا فلا يجوز للعبد إذا تاب ثم ابتلي بالذنب أن يدع التوبة، ويستمر على ذنوبه، بحجة أنه نقض توبته.

بل عليه أن يتوب وأن يرجع إلى ربه؛ فمعاودة الذنب مبغوض لله من جهة معاودة الذنب، محبوب من جهة التوبة والحسنات السابقة([134]).

8_ رجوع الحسنات إلى التائب بعد التوبة: فإذا كان للعبد حسنات ثم عمل بعدها سيئات استغرقت حسناتِه القديمة وأبطلتها، ثم تاب بعد ذلك توبةًً نصوحاً_عادت إليه حسناته القديمة، ولم يكن حكمه حكم المستأنف لها.

بل يقال له: تُبْتَ على ما أسلفت من خير؛ فالحسنات التي فعلتها في الإسلام أعظم من الحسنات التي يفعلها الكافر في كفره: من عتاق، وصدقة، وصلة([135]).

قال حكيم بن حزام÷: =قلت: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أتحنث([136]) بها في الجاهلية: من صدقة، أو عتاقة، أو صلة رحم؛ فهل فيها من أجر؟

فقال النبي”: =أسلمتَ على ما أسلفت من خير+([137]).

قال ابن حجر×في شرح هذا الحديث: =لا مانع من أن يضيف الله إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صدر منه في الكفر؛ تفضلاً، وإحساناً+([138]).

وقال ابن القيم×مبيناً العلة في ذلك: =وذلك لأن الإساءة المتخللة بين الطاعتين قد ارتفعت بالتوبة، وصارت كأنها لم تكن؛ فتلاقت الطاعتان، واجتمعتا، والله أعلم+([139]).

9_ هل التوبة تُرْجِعْ العبدَ إلى حاله قبل معصيته؟ : فإذا كان للعبد حال أو مقام مع الله، ثم نزل عنه لذنب ارتكبه ثم تاب منه؛ فهل يعود بعد التوبة إلى مثل ما كان أو لا يعود؟ أو يعود إلى أنقصَ من رتبته؟ أو يعود خيراً مما كان؟ والجواب أن هذه المسألة قد اختلف فيها السلف على أقوال شتى، ومن أحسن من أجاب على تلك المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية×فلقد فَصَلَ الخطاب في هذه المسألة بكلام كافٍ شاف.

قال ابن القيم×في معرض كلامه على المسألة الماضية: =وجرت هذه المسألة بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية فسمعته يحكي هذه الأقوال الثلاثة حكاية مجردة؛ فإما سألته، وإما سئل عن الصواب منها فقال: الصواب أن من التائبين من يعود إلى مثل حاله، ومنهم من يعود إلى أكمل منها، ومنهم من يعود إلى أنقص مما كان؛ فإن كان بعد التوبة خيراً مما كان قبل الخطيئة وأشد حذراً، وأعظم تشميراً، وأعظم ذلاً وخشية وإنابة_عاد إلى أرفع مما كان.

وإن كان قبل الخطيئة أكمل في هذه الأمور ولم يعد بعد التوبة إليها_عاد إلى أنقص مما كان عليه.

وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع إلى منزلته.

هذا معنى كلامه+([140]).

وعلى هذا فإنه ينبغي التفطن لهذه المسألة خصوصاً من كان له حال مع الله، وكان ذا خشية، وعلم، وتألُّه، وإنابة، ومسارعة إلى الخيرات، ثم طاف به طائف من الشيطان، فَأزَلَّه، وأغواه، وطوَّح به عن قصد السبيل، أو أنزله عن منزلته السابقة؛ ففقد أنسه بربه، ودب إليه الضعف والفتور، وترك ما كان يقوم به من خير ومسارعة.

وهذه مسألة تعتري كثيراً من الناس، فيستسلمون لها، ويركنون إلى خاطر اليأس من العودة إلى الحال السابقة، فيظنون أن لا رجعة إلى ما كانوا عليه من الخير والقرب من الله.

فعلى من وقعت له تلك الحال ألا يستسلم للشيطان، وألا ييأس من رجوعه إلى ما كان عليه من منزلة، بل عليه أن يجتهد بالتوبة النصوح، وأن يشمر عن ساعد الجد؛ لتدارك ما فات بالأعمال الصالحات؛ فلربما عاد إلى مقامه السابق، بل ربما عاد أكمل مما كان عليه.

وليس ذلك ببعيد على من كان ذا نفس شريفة، وهمة عالية، [إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] الرعد: 11.

ولا بعد من خير وفي الله مطمع

ولا يأس من روح وفي القلب إيمان

10_ على كل عضو توبة: فتوبة العين كفها عن النظر إلى الحرام، وتوبة الأذن كفها عن سماع الحرام، وتوبة الرجل كفها عن المشي إلى الحرام، وتوبة اليد كفها عن فعل الحرام، وتوبة القلب تخليصه من كل ما ينافي سلامته من الشرك، والحسد، والغل، والحقد، ونحو ذلك…

11_ فعل معصية من المعاصي لا يسوغ فعل غيرها: فإذا ابتلي العبد بمعصية من المعاصي فإن ذلك لا يسوغ له فعل غيرها؛ بحجة أنه لم يتب بعد، أو لم يستقم استقامة حقة.

فسماع الحرام لا يسوغ رؤية الحرام، وأكل الربا لا يسوغ شرب الخمر، وهكذا…

12_ فعل المحرمات لا يسوّغ ترك الطاعات: فإذا ابتلي العبد ببعض المحرمات كأكل الربا، أو سماع الحرام، أو شرب الخمر_فإن ذلك لا يسوغ له ترك الصلاة_مثلاً_لأن الشيطان قد يلقي في قلب ذلك العاصي أنه منافق؛ إذ كيف يصلي وهو مصر على ارتكاب بعض المعاصي؟ .

وما يريد عدو الله من ذلك إلا زيادة الإثم على العاصي، أو إخراجه من دائرة المعصية إلى دائرة الكفر.

 ثم إن ترك الأوامر أعظم من ارتكاب المناهي.

قال سهل بن عبدالله×: =ترك الأمر عند الله أعظم من ارتكاب النهي؛ لأن آدم نهي عن أكل الشجرة فأكل منها، فتاب عليه، وإبليس أمر أن يسجد لآدم فلم يسجد، فلم يتب عليه+([141]).

وقال ابن تيمية×: =الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات، وأفضل؛ فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم الطاعة أبغضُ إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية+([142]).

ولقد علق ابن القيم×على كلمة سهل بكلام عظيم.

قال: =قلت: هذه مسألة عظيمة لها شأن، وهي أن ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي، وذلك من وجوه عديدة+([143]).

ثم شرع في ذكر ثلاثة وعشرين وجهاً بين من خلالها صحة القاعدة السابقة([144]).

ثم قال بعد أن سرد تلك الوجوه: =وسر هذه الوجوه أن المأمور به محبوبه، والمنهي عنه مكروهه، ووقوع محبوبه أحب إليه من فوات مكروهه، وفوات محبوبه أكره إليه من وقوع مكروهه، والله أعلم+([145]).

13_ فعل المعاصي لا يسوغ المجاهرة بها أو الدعوة إليها: لأن ذلك أشنع في الجرم، وأبعد عن المعافاة.

قال النبي”: =كل أمتي معافى إلا المجاهرين+([146]).

وقال: =من دل على ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً+([147]).

14_ فِعْلُ المعاصي لا يسوغ للإنسان بغضَ الطاعةِ وأهلِها، وحبَّ المعصيةِ وأهلها: بل يجب عليه أن يجاهد نفسه على حب الطاعة وأهلها وإن كان مقصراً فيها ولم يلحق بأهلها، وأن يبغض المعصية وإن كان واقعاً فيها ومعدوداً من أهلها؛ فالمرء يحشر مع من أحب، ويؤجر على حب الخير وبغض الشر.

قال الشافعي×متواضعاً:

أحب الصالحين ولست منهم

لعلي أن أنال بهم شفاعه

وأكره مَنْ تجارته المعاصي

ولو كنا سواء في البضاعه([148])

15_ إساءة فلان من الناس لا تسوغ للإنسان الإساءة، وإساءة الأمس لا تسوغ إساءة اليوم: فلا يسوغ للإنسان أن يسيء بحجة أن فلاناً من الناس قد أساء؛ فكلٌّ مسؤولٌ عن نفسه، وكلُّ نفسٍ بما كسبت رهينة.

كذلك إساءة الإنسان في وقت ما_لا تسوغ له أن يسيء، أو أن يستسهل الإساءة في وقت آخر.

قال ابن حزم×: =لم أرَ لإبليس أصْيَدَ ولا أقبح من كلمتين ألقاها على ألسنة دعاته، إحداهما: اعتذار من أساء بأن فلاناً أساء قبله.

والثانية: استسهال الإنسان أن يسيء اليوم؛ لأنه قد أساء أمس، أو أن يسيء في وجه ما؛ لأنه قد أساء في غيره.

فقد صارت هاتان الكلمتان عذراً مسهلتين للشر، ومدخلتين له في حد ما يعرف، ويحمل([149]) ولا ينكر+([150]).

16_ فعل المعاصي لا يسوغ الاستهانة بها: فإذا ابتلي العبد بمعصية من المعاصي لم يسغ له أن يستهين بها، ولو كانت صغيرة في نظره؛ فلا يليق به أن ينظر إلى صغر المعصية، ولكن ينظر إلى عظم من عصاه؛ فالاستهانة بالذنوب والمعاصي دليل الجهل، وقلة وقار الله في القلب.

أخرج البخاري عن ابن مسعود÷: =إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا، قال أبو شهاب([151])_بيده فوق أنفه_+([152]).

قال ابن حجر×في قوله: =إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه+: =قال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أن قلب المؤمن مُنَوَّر؛ فإذا رأى من نفسه ما يخالف ما ينور به قلبه عظم الأمر عليه.

والحكمة من التمثيل بالجبل أن غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه، بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة.

وحاصله أن المؤمن يغلب عليه الخوف؛ لقوة ما عنده من الإيمان؛ فلا يأمن العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيىء+([153]).

وقال ابن حجر في قوله: =وإن الفاجر، يرى ذنوبه كذباب..+: =أي ذنبه سهل عنده، لا يعتقد أنه يحصل له بسببه كبير ضرر، كما أن ضرر الذباب عنده سهل، وكذا دفعه عنه+([154]).

وقال في قوله: =فقال به هكذا+: =أي نحَّاه بيده أو دفعه: هو من إطلاق القول على الفعل، قالوا: وهو أبلغ+([155]).

وقال في قوله: =بيده على أنفه+: =هو تفسير منه لقوله+ فقال به+.

 قال المحب الطبري: إنما كانت هذه صفة المؤمن؛ لشدة خوفه من الله ومن عقوبته؛ لأنه على يقين من الذنب، وليس على يقين من المغفرة.

وقال ابن أبي جمرة: السبب في ذلك أن قلب الفاجر مظلم؛ فوقوع الذنب خفيف عنده، ولهذا تجد من يقع في المعصية إذا وعظ يقول: هذا سهل.

قال: ويستفاد من الحديث أن قلة خوف المؤمن ذنوبه، وخفته عليه يدل على فجوره.

قال: والحكمة في تشبيه ذنوب الفاجر بالذباب كون الذباب أخف الطير، وأحقره، وهو مما يعاين ويدفع بأقل الأشياء.

قال: وفي ذكر الأنف مبالغة في اعتقاده خفة الذنب عنده؛ لأن الذباب قلما ينزل على الأنف، وإنما يقصد غالباً العين.

قال: وفي إشارته بيده تأكيد للخفة_أيضاً_لأنه بهذا القدر اليسير يدفع ضرره+([156]).

قال ابن حجر: =قال ابن بطال: يؤخذ منه أنه ينبغي أن يكون المؤمن عظيم الخوف من الله_تعالى_من كل ذنب صغيراً كان أو كبيراً؛ لأن الله_تعالى_قد يعذب على القليل؛ فإنه لا يُسأل عما يفعل_سبحانه وتعالى_+([157]).

والحاصل أنه لا يجوز للمؤمن أن يستهين بذنب مهما صغُر؛ فإن امرأة دخلت النار في هرة.

جاء في صحيح مسلم أن رسول الله”قال: =عُذِّبت امرأة في هرة سجنتها، حتى ماتت، فدخلت النار؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض+([158]).

لا تحقرن من الذنوب أقلها

إن القليل إلى القليل كثير([159])

17_ فعل المعاصي لا يسوغ التهاون بالطاعات اليسيرة: فقد مر قبل قليل أن فعل المحرمات لا يسوغ ترك الطاعات، ومر في الفقرة الماضية أن فعل المعاصي لا يسوغ الاستهانة بها.

والحديث في هذه الفقرة مكمل للحديث في الفقرتين المذكورتين؛ فكما أنه لا يجوز للإنسان ترك الواجبات، ولا الاستهانة بالمحرمات فكذلك لا يليق به أن يتهاون بالطاعات اليسيرة؛ بحجة أنه واقع في أمور كبيرة؛ فقد يعمل عملاً يسيراً في نظره كإماطة الأذى عن الطريق، وكصلة الأرحام، أو العطف على المساكين فيكون ذلك سبباً لمغفرة ذنوبه، خصوصاً إذا قام بقلبه الإخلاص، وصدق الإقبال؛ فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب؛ فتكون صورتها العملية واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض.

ومما يقرر هذا المعنى، ويشهد له ما جاء في حديث البغي.

قال النبي”: =بينما كلب يُطيف([160]) برُكيَّة([161]) كاد يقتله العطش؛ إذ رأته بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها([162]) واستقت له به، فسقته إياه، فَغُفر لها به+([163]).

قال ابن القيم×في تقرير هذا المعنى: =وقريب من هذا ما قام بقلب البغي التي رأت ذلك الكلب، وقد اشتد به العطش يأكل الثرى، فقام بقلبها ذلك الوقت_مع عدم الآلة، وعدم المعين، وعدم من ترائيه بعملها_ما حملها على أن غَرَّرَت بنفسها في نزول البئر، وملء الماء في خفها، ولم تعبأ بتعرضها للتلف، وحَمْلِها خُفَّها بفيها وهو ملآن، حتى أمكنها الرقيُّ من البئر، ثم تواضعها لهذا المخلوق الذي جرت عادة الناس بضربه، فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب من غير أن ترجو منه جزاء ولا شكوراً؛ فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء، فَغُفر لها.

فهكذا الأعمال والعمال عند الله، والغافل في غفلة من هذا الإكسير([164]) الكيماوي الذي إذا وضع منه مثقال ذرة على قناطير من نحاس الأعمال قلبها ذهباً والله المستعان+([165]).

والحاصل أن الذي يبتلى بفعل المعاصي لا يسوغ له ترك الأعمال الصالحة ولو كانت يسيرة في نظره؛ فلربما كان ذلك سبباً في ترجح كفة حسناته.

18_ انقلاب الكبيرة صغيرة، وانقلاب الصغيرة كبيرة: وهذه مسألة ينبغي التفطن لها؛ فقد يقترن بالكبيرة من الحياء، والخوف، والاستعظام لها ما يُلْحِقُها بالصغائر.

وقد يقترن بالصغيرة_من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها_ما يُلْحقُها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رتبها.

وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره([166]).

19_ ما تعْظُم به الصغائر من الذنوب: وهذه الفقرة إيضاح للفقرة التي قبلها، فالصغائر من الذنوب تكبر وتعظم بأسباب منها([167]):

أ_الإصرار والمواظبة: ولذلك قيل: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار.

فالعفو عن كبيرة قد انقضت، ولم يتبعها مثلها أرجى من العفو عن صغيرة يواظب العبد عليها.

ومثال ذلك قطرات من الماء تقع على حجر متواليات؛ فإنها تؤثر فيه.

ولو جمعت تلك القطرات في مرة، وصبت عليه لم تؤثر.

ولذلك قال النبي”: =أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل+([168]).

ب_استصغار الذنب: فإن الذنب كلما استعظمه العبدُ صَغُر عند الله_تعالى_وكلما استصغره العبد كَبُر عند الله؛ فإن استعظامه يصدر عن نفور القلب منه، وكراهيته له.

وإنما يعظم الذنب في قلب المؤمن؛ لعلمه بجلال الله_تعالى_فإذا نظر إلى عظمة من عصى رأى الصغيرة كبيرة.

جاء في البخاري من حديث أنس÷: =إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله”من الموبقات+([169]).

وقال بلال بن سعد÷: =لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت+([170]).

وقال الفضيل بن عياض×: =بقدر ما يصغر عندك الذنب يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله+([171]).

وقال الأوزاعي×: =كان يقال: إن من الكبائر أن يعمل الذنب فيحتقره+([172]).

جـ_الفرح بالمعصية: كأن يفرح بفعلها، ويتمدح بها، كما يقول: أما رأيتني كيف مزقت عرض فلان، وذكرت مساويه حتى خَجَّلْته، أو أن يقول التاجر: أما رأيت كيف روَّجت عليه الزائف، وكيف خدعته، وغبنته؛ فهذا وأمثاله تكبر به المعاصي؛ فكلما غلبت حلاوة المعصية عند العبد كبرت، وعظم أثرها.

د_الاغترار بحلم الله: وستره، وإمهاله إياه، وهو لا يدري أن ذلك قد يكون مقتاً؛ ليزداد بالإمهال إثماً.

قال النبي”: =إذا رأيت الله_عز وجل_يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب_فإنما هو استدراج+ الحديث([173]).

قال ابن الجوزي×: =ما من عبد أطلق نفسه في شيء ينافي التقوى_وإن قلَّ_إلا وجد عقوبته عاجلة أو آجلة.

ومن الاغترار أن تسيء، فترى إحساناً؛ فتظن أنك قد سومحت، وتنسى [مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ] النساء: 123.+ ([174])

وقال×: =واعلم أنه من أعظم المحنِ الاغترارُ بالسلامة بعد الذنب؛ فإن العقوبة تتأخر، ومن أعظم العقوبة ألا يحس الإنسان بها، وأن تكون في سلب الدين، وطمس القلوب، وسوء الاختيار للنفس، فيكون من آثارها سلامة البدن، وبلوغ الأغراض+([175]).

وقال الغزالي×: =واعلم أنه لا يذنب العبد ذنباً إلا ويَسْوَدُّ وجه قلبه، فإن كان سعيداً أُظهر السواد على ظاهره؛ لينزجر، وإن كان شقياً أخفي عنه؛ حتى ينهمك، ويستوجب النار+([176]).

هـ _أن يكون المذنب ممن يُقْتَدى به: فإذا عُلِمَ منه الذنب كبر عند الله، لأنه مُتَّبَعٌ عليه، فيموت، ويبقى شره مستطيراً؛ فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوب؛ فعلى من يُقتدى به وظيفتان: إحداها: ترك الذنب، والثانية: إخفاؤه إذا أتاه.

وكما تتضاعف أوزار هؤلاء إذا اتبعوا على الذنوب كذلك تتضاعف حسناتهم إذا اتبعوا على الخير.

قال_تعالى_: [يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيما] الأحزاب: 30_31.

20_ارتكاب الذنوب لا يسوغ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله: فكثيرٌ من الناس إذا قصَّر في الطاعة، أو وقع في المعصية_ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله؛ بحجة أنه مُقَصِّر، وأنه يفعل خلاف ما يأمر به، وأنه يخشى أن يدخل في الوعيد لمن دعا وترك ما يدعو إليه كما في قوله_تعالى_: [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) البقرة: 44، وقوله: [كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ] الصف: 3.

وهذا خطأ يجب على المسلم أن يحذره ويتجنبه؛ فترك أحد الواجبين ليس مسوغاً لترك الآخر، والذم الوارد في النصوص إنما هو لترك المعروف، لا للأمر بالمعروف.

قال_تعالى_: [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ] المائدة: 77_78.

فانظر كيف نعى الله عليهم ترك التناهي مع أنهم مشتركون في المنكر؛ فلا يجوز للمسلم أن يجمع بين إساءتين، وإلا لتعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قال ابن حزم×: =ولو لم يَنْهَ عن الشر إلا من ليس فيه شيء منه، ولا أمر بالمعروف إلا من استوعبه_لما نهى أحد عن شر، ولا أمر بخير بعد النبي”+([177]).

وقال النووي×: =قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال، ممتثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مُخِلاً بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبساً بما ينهى عنه؛ فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه، وينهاها، ويأمر غيره، وينهاه؛ فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر؟ +([178]).

قال سعيد بن جبير×: =لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر+([179]).

قال الإمام مالك×معلقاً على قول سعيد بن جبير: =وصدق سعيد؛ ومن ذا الذي ليس فيه شيء+([180]).

وقال الحسن لمُطَرّف بن عبدالله: =عظْ أصحابك.

فقال: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل!

قال: يرحمك الله، وأيُّنا يفعل ما يقول؟ يود الشيطان أنه قد ظفر منا بهذا؛ فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه أحد عن منكر+([181]).

وقال الطبري×: =وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة، فإن أراد أنه الأوْلى فجيِّد، وإلا فيستلزم سد باب الأمر بالمعروف إذا لم يكن هناك غيره+([182]).

وعلى هذا فعلى من وقع في معصية، أو قصَّر في طاعة ألا يدع الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله حسب قدرته واستطاعته؛ فلربما اهتدى على يده عاص، أو أسلم كافر، أو تسبب في ذلك؛ فكان له من الأجر مثل ما لهم من غير أن ينقص ذلك من أجورهم.

ولا يفهم مما سبق أنه لا بأس في ترك المعروف وفعل المنكر للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.

بل يجب عليه فعل المعروف، وترك المنكر؛ لأنه يعرض نفسه لغضب الله عند التساهل في هذا.

بل ينبغي له أن يكون أولَ ممتثل لما يأمر به، وأولَ مُنْتَهٍ عما ينهى عنه.

وغاية ما في الأمر أن فعل المعروف، وترك المنكر ليس شرطاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلا يقال لمن أمر بالمعروف، ولم يفعله أو نهى عن المنكر، وفعله: لا تأمر بالمعروف، ولا تنهَ عن المنكر، وإنما يقال له: داوم على أمرك ونهيك، واتق الله فيما تأتي وما تذر([183]).

وإذا كان هذا في شأن من هو عاص أو مقصر_فكيف إذا كان الشخص ذا علم، وصلاح وهو مقصر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

فعليه أن يتوب من ذلك، وأن يستدرك ما فات؛ لأن الله سائله عن علمه ماذا عمل به [لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] هود: 7.

21_ كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من أطاعه فهو عالم: قال الله_تعالى_: [إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً] النساء: 17.

قال ابن رجب×: =وعمل السوء إذا انفرد يدخل جميع السيئات صغيرها وكبيرها.

والمراد بالجهالة الإقدام على السوء وإن علم صاحبه أنه سوء؛ فإن كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من أطاعه فهو عالم، وبيانه من وجهين:

أحدهما: أن من كان عالماً بالله_تعالى_وعظمته وكبريائه وجلاله فإنه يهابه، ويخشاه؛ فلا يقع منه_مع استحضار ذلك_عصيانُه كما قال بعضهم: لو تفكر الناس في عظمة الله_تعالى_ما عصوه.

وقال آخر: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار به جهلاً.

والثاني: أن من آثر المعصية على الطاعة فإنما حمله على ذلك جهله، وظنه أنها تنفعه عاجلاً باستعجال لذتها، وإن كان عنده إيمان؛ فهو يرجو التخلص من سوء عاقبتها، والتوبة في آخر عمره.

وهذا جهل محض؛ فإنه تعجل الإثم والخزي، ويفوته عز التقوى، وثوابها، ولذة الطاعة.

وقد يتمكن من التوبة بعد ذلك، وقد يعاجله الموت بغتة، فهو كجائع أكل طعاماً مسموماً لدفع جوعه الحاضر، ورجا أن يتخلص من ضرره بشرب الدرياق([184]) بعده، وهذا لا يفعله إلا جاهل.

وقد قال_تعالى_في حق الذين يؤثرون السحر: [وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ] البقرة: 102_103.

والمراد أنهم آثروا السحر على التقوى والإيمان؛ لما رجوا فيه من منافع الدنيا المعجلة مع علمهم أنهم يفوتهم بذلك ثواب الآخرة.

وهذا جهل منهم؛ فإنهم لو علموا لآثروا الإيمان والتقوى على ما عداهما، فكانوا يحرزون أجر الآخرة، ويأمنون عقابها، ويتعجلون عز التقوى في الدنيا، وربما وصلوا إلى ما يأملونه أو إلى خير منه وأنفع؛ فإن أكثر ما يطلب بالسحر قضاءُ حوائجَ محرمةٍ أو مكروهة عند الله_عز وجل_.

 والمؤمن المتقي يعوضه الله في الدنيا خيراً مما يطلبه الساحر ويؤثره مع تعجيله عز التقوى وشرفها، وثواب الآخرة وعلو درجاتها؛ فتبين بهذا أن إيثار المعصية على الطاعة إنما يحمل عليه الجهل؛ ولذلك كان كل من عصى الله جاهلاً، وكل من أطاعه عالماً، وكفى بخشية الله علماً، وبالاغترار به جهلاً+([185]).

22_ من أخفى خبيئة ألبسه الله ثوبها: وهذه مسألة عظيمة؛ فمن أخفى خبيئة ألبسه الله ثوبها، ومن أضمر شيئاً أظهره الله عليه، سواء كان ذلك خيراً أو شراً؛ فالجزاء من جنس العمل، و [مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ] النساء: 123.

قال أبو حازم×: =لا يُحْسِن عبد فيما بينه وبين الله_تعالى_إلا أحسن الله فيما بينه وبين العباد، ولا يُعَوِّر([186]) فيما بينه وبين الله_تعالى_إلا عوَّر الله فيما بينه وبين العباد، ولَمُصَانَعَةُ وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها؛ إنك إذا صانعت الله مالت الوجوه كلُّها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه شنأتك([187]) الوجوه كلها+([188]).

وقال المعتمر بن سليمان×: =إن الرجل يصيب الذنب في السر، فيصبح وعليه مذلته+([189]).

قال ابن الجوزي×: =نظرت في الأدلة على الحق_سبحانه وتعالى_فوجدتها أكثر من الرمل، ورأيت من أعجبها: أن الإنسان قد يخفي ما لا يرضاه الله_عز وجل_فيظهره الله_سبحانه_عليه ولو بعد حين، وينطق الألسنة به، وإن لم يشاهده الناس.

وربما أوقع صاحبَه في آفة يفضحه بها بين الخلق؛ فيكون جواباً لكل ما أخفى من الذنوب، وذلك؛ ليعلم الناس أن هنالك من يجازى على الزلل، ولا ينفع من قَدَره وقدرته حجاب ولا استتار، ولا يضاع لديه عمل.

وكذلك يخفي الإنسان الطاعة، فتظهر عليه، ويتحدث الناس بها، وبأكثر منها، حتى إنهم لا يعرفون له ذنباً، ولا يذكرونه إلا بالمحاسن؛ لِيُعْلَمَ أن هنالك ربَّاً لا يُضيع عَمَلَ عامل.

وإن قلوب الناس لَتَعْرِفُ حال الشخص، وتحبه، أو تأباه، وتذمه، أو تمدحه وفْقَ ما يتحقق بينه وبين الله_تعالى_فإنه يكفيه كلَّ همٍّ، ويدفع عنه كل شر.

وما أصلح عبد ما بينه وبين الخلق دون أن ينظر إلى الحق إلا انعكس مقصوده، وعاد حامده ذامَّاً+([190]).

وقال×: =إن للخلوة تأثيراتٍ تَبيْنُ في الجلوة؛ كم من مؤمن بالله_عز وجل_يحترمه عند الخلوات، فيترك ما يشتهي؛ حذراً من عقابه، أو رجاءً لثوابه، أو إجلالاً له؛ فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عوداً هنديَّاً على مجمر، فيفوح طيبه، فيستنشقه الخلائق، ولا يدرون أين هو.

وعلى قدر المجاهدة في ترك ما يهوى تقوى محبتُه، أو على مقدار زيادة دفع ذلك المحبوب المتروك يزيد الطيب، ويتفاوت تفاوتَ العود.

فترى عيون الخلق تعظِّم هذا الشخص، وألسنتهم تمدحه، ولا يعرفون لِمَ، ولا يقدرون على وصفه؛ لبعدهم عن حقيقة معرفته.

وقد تمتد هذه الأراييح([191]) بعد الموت على قدرها؛ فمنهم من يذكر بالخير مدة مديدة ثم ينسى، ومنهم من يذكر مائة سنة ثم يخفى ذكره، وقبره،([192]) ومنهم أعلام يبقى ذكرهم أبداً.

وعلى عكس هذا من هاب الخلق، ولم يحترم خلوته بالحق فإنه على قدر مبارزته بالذنوب، وعلى مقادير تلك الذنوب_يفوح منه ريح الكراهة، فتمقته القلوب.

فإن قلَّ مقدار ما جنى قل ذكر الألسن له بالخير، وبقي مجرد تعظيمه.

وإن كثر كان قصارى الأمر سكوت الناس عنه لا يمدحونه، ولا يذمونه.

وربَّ خالٍ بذنب كان سبب وقوعه في هُوَّة شِقْوة في عيش الدنيا والآخرة، وكأنه قيل له: ابق بما آثرت؛ فيبقى أبداً في التخبيط.

فانظروا إخواني إلى المعاصي أثَّرت، وعَثَّرت.

قال أبو الدرداء÷: إن العبد ليخلو بمعصية الله_تعالى_فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر.

فتلمحوا ما سطرته، واعرفوا ما ذكرته، ولا تهملوا خلواتكم ولا سرائركم؛ فإن الأعمال بالنية، والجزاء على مقدار الإخلاص+([193]).

وقال ابن الجوزي×: =إنه بقدر إجلالكم لله_عز وجل_يجلكم، وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم أقداركم وحرمتكم.

ولقد رأيت_والله_من أنفق عمره في العلم إلى أن كَبِرت سنُّه، ثم تعدى الحدود، فهان عند الخلق، وكانوا لا يلتفتون إليه مع غزارة علمه، وقوة مجاهدته.

ولقد رأيت من كان يراقب الله_عز وجل_في صبوته_مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم_فَعَظَّم اللهُ قدره في القلوب، حتى عَلِقَتْهُ، ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير.

ورأيت من كان يرى الاستقامة إذا استقام([194])، وإذا زاغ مال عنه اللطف.

ولولا عموم الستر، وشمول رحمة الكريم لافتضح هؤلاء المذكورون، غير أنه في الأغلب تأديب، أو تلطف في العقاب+([195]).

هذه بعض المسائل في باب التوبة، وسيأتي في الفصل التالي_إن شاء الله_ذكر لبعض المسائل والأحكام.


الفصل الرابع

 


لقد مر في الصفحات الماضية ذكر لكيفية التوبة من الذنوب على وجه العموم، ومر ذكر لكيفية التوبة من بعض الذنوب بعينها.

والحديث في هذا الفصل سيكون_إن شاء الله_عن كيفية التوبة من بعض الذنوب الكبيرة الشائعة التي تحتاج إلى شيء من التفصيل في ذكر أضرارها، وكيفية التوبة منها؛ ذلك أن البلية تعظم بها، والحاجة تمس إليها؛ ولهذا أفردت في هذا الفصل.

والذنوب التي سيتم الحديث عنها، وذكر كيفية التوبة منها هي: ترك الصلاة، والربا، والزنا، واللواط، والعشق، وذلك كما يلي:

أولاً : التوبة من ترك الصلاة.

ثانياً: التوبة من الربا.

ثالثاً: التوبة من الزنا.

رابعاً: التوبة من اللواط.

خامساً: التوبة من العشق.


 


للصلاة في دين الإسلام أهمية عظمى؛ فهي عمود الدين، وأعظم أركانه العملية، وهي أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة؛ فإن قُبلت قُبل سائر العمل، وإن رُدَّت رُدَّ.

والصلاة علامة على الإيمان، وسلامة من النفاق، ومن حفظها حفظ دينه، ومن ضيَّعها فهو لما سواها أضيع.

ثم إن قدر الإسلام في قلب الإنسان كقدر الصلاة في قلبه، وحظه في الإسلام على قدر حظه من الصلاة.

ومما يدل على أهميتها أن الله_عز وجل_أمر بالمحافظة عليها في السفر، والحضر، والسلم، والحرب، وفي حال الصحة، وفي حال المرض.

ثم إن ترك الصلاة من أكبر الكبائر؛ فهو أكبر من الزنا، والسرقة، وشرب الخمر.

وتارك الصلاة متعرض للوعيد الشديد، بل إن تركها كفر بالله_عز وجل_.

فقد أجمع علماء الإسلام على أن من تركها جاحداً لوجوبها فإنه كافر بالله كفراً أكبر مخرجاً من الملة.

أما من تركها تكاسلاً وتهاوناً فقد اختلف العلماء في حكمه، فمنهم من قال: إنه كافر كفراً أكبر مخرجاً من الملة.

ومنهم من قال: إنه كافر كفراً لا يخرج من الملة.

والقول الأول هو الراجح_إن شاء الله_ذلك أن النصوص صرحت بكفر تاركها، كما سيأتي([196]).

ومتى امتنع الإنسان من أداء الصلاة المفروضة استتيب، فإن تاب وإلا قتل([197]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =وأما تارك الصلاة فهذا إن لم يكن معتقداً لوجوبها فهو كافر بالنص والإجماع+([198]).

وقال×: =ومن يمتنع عن الصلاة المفروضة فإنه يستحق العقوبة الغليظة باتفاق المسلمين.

بل يجب عند جمهور الأمة كمالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.

بل تارك الصلاة شر من السارق، والزاني، وشارب الخمر، وآكل الحشيشة+([199]).

وسئل×عن رجل يأمره الناس بالصلاة، ولم يصلِّ؛ فما الذي يجب عليه؟

فأجاب: =إذا لم يصل فإنه يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل، والله أعلم+([200]).

وقال×: =ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقراً بوجوبها، ولا ملتزماً بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة كقوله”: =ليس بين العبد، وبين الكفر إلا ترك الصلاة+ رواه مسلم([201]).

وقوله: =العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر+([202]).

وقول عبدالله بن شقيق: كان أصحاب محمد لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة.

فمن كان مصراً على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط فهذا لا يكون قط مسلماً مقراً بوجوبها+([203]).

فترك الصلاة من أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، والتوبة منه واجبة؛ فواجب على من ترك الصلاة أن يتوب من ذلك الذنب العظيم قبل أن يفجأه الموت؛ فواجب عليه أن يتوب إلى الله على الفور، وأن يندم على ما مضى من تركه للصلاة، وأن يعزم على عدم تركها.

أما ما مضى من الصلوات المتروكة فقد اختلف العلماء في قضائه لها؛ فمنهم من قال: يقضي ما مضى من الفرائض المتروكة، ومنهم من قال: لا يؤمر بقضائها، وإنما توبته تكون بأداء الفرائض المستأنفة([204]).

والقول الثاني هو الصواب_إن شاء الله_لدلالة النصوص على ذلك، ولأن فيه تيسيراً لأمر التوبة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =وأما تارك الصلاة فهذا إن لم يكن معتقداً لوجوبها فهو كافر بالنص والإجماع.

لكن إذا أسلم، ولم يعلم أن الله أوجب عليه الصلاة، أو وجوبَ بعض أركانها مثل أن يصلي بلا وضوء؛ فلا يعلم أن الله أوجب عليه الوضوء، أو يصلي مع الجنابة فلا يعلم أن الله أوجب عليه غسل الجنابة_فهذا ليس بكافر إذا لم يعلم.

لكن إذا علم الوجوب هل يجب عليه القضاء؟ فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد، ومالك، وغيرهما، قيل: يجب عليه القضاء، وهو المشهور عن أصحاب الشافعي، وكثير من أصحاب أحمد.

وقيل: لا يجب عليه القضاء، وهو الظاهر+([205]).

وقال×: =ومن كان_أيضاً_يعتقد أن الصلاة تسقط عن العارفين، أو عن المشايخ الواصلين، أو عن بعض أتباعهم، أو أن الشيخ يصلي عنهم، أو أن لله عباداً أسقط عنهم الصلاة كما يوجد كثير من ذلك في كثير من المنتسبين إلى الفقر والزهد، وأتباع بعض المشايخ والمعرفة_فهؤلاء يستتابون باتفاق الأئمة، فإن أقروا بالوجوب وإلا قوتلوا.

وإذا أصروا على جحد الوجوب حتى قتلوا كانوا من المرتدين.

 ومن تاب منهم، وصلى لم يكن عليه إعادة ما ترك قبل ذلك في أظهر قولي العلماء؛ فإن هؤلاء إما أن يكونوا مرتدين، وإما أن يكونوا مسلمين جاهلين للوجوب.

فإن قيل: إنهم مرتدون عن الإسلام فالمرتد إذا أسلم لا يقضي ما تركه حال الردة عند جمهور العلماء كما لا يقضي الكافر إذا أسلم ما ترك حال الكفر باتفاق العلماء، ومذهب مالك، وأبي حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه، والأخرى يقضي كقول الشافعي، والأول أظهر؛ فالذين ارتدوا على عهد رسول الله”كالحارث بن قيس، وطائفة معه أنزل الله فيهم: [كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ] آل عمران: 86، والتي بعدها.

وكعبدالله بن أبي سرح، والذين خرجوا مع الكفار يوم بدر، وأنزل الله فيهم: [ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ] النحل: 110.

فهؤلاء عادوا إلى الإسلام، وعبدالله بن أبي سرح عاد إلى الإسلام عام الفتح، وبايعه النبي”.

ولم يأمر أحداً منهم بإعادة ما ترك حال الكفر في الردة، كما لم يكن يأمر سائر الكفار إذا أسلموا.

وقد ارتد في حياته خلق كثير اتبعوا الأسود العنسي الذي تنبأ بصنعاء اليمن، ثم قتله الله، وعاد أولئك إلى الإسلام، ولم يؤمروا بالإعادة.

وتنبأ مسيلمة الكذاب، واتبعه خلق كثير قاتلهم الصديق، والصحابة بعد موته حتى أعادوا من بقي منهم إلى الإسلام، ولم يأمر أحداً منهم بالقضاء، وكذلك سائر المرتدين بعد موته.

وكان أكثر البوادي قد ارتدوا، ثم عادوا إلى الإسلام، ولم يأمر أحداً منهم بقضاء ما ترك من الصلاة.

وقوله_تعالى_: [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ] الأنفال:38 يتناول كل كافر.

وإن قيل: إن هؤلاء لم يكونوا مرتدين، بل جهالاً بالوجوب، وقد تقدم أن الأظهر في حق هؤلاء أنهم يستأنفون الصلاة على الوجه المأمور، ولا قضاء عليهم؛ فهذا حكم من تركها غير معتقدٍ لوجوبها+([206]).

وقال ابن القيم×في معرض حديث له عن مسألة قضاء الفرائض المتروكة، قال: =ومن أحكام التوبة أن من تعذر عليه أداء الحق الذي فرط فيه، ولم يمكنه تداركه، ثم تاب؛ فكيف حكم توبته؟ وهذا يتصور في حق الله_سبحانه_وحقوق عباده.

فأما في حق الله فكمن ترك الصلاة عمداً من غير عذر مع علمه بوجوبها، وفرضها، ثم تاب، وندم_فاختلف السلف في هذه المسألة، فقالت طائفة: توبته بالندم، والاشتغال بأداء الفرائض المستأنفة، وقضاء الفرائض المتروكة، وهذا قول الأئمة الأربعة وغيرهم.

وقالت طائفة: توبته باستئناف العمل في المستقبل، ولا ينفعه تدارك ما مضى بالقضاء، ولا يقبل منه، فلا يجب عليه، وهذا قول أهل الظاهر، وهو مروي عن جماعة من السلف+([207]).

ثم شرع×في ذكر حجج كلتا الطائفتين ([208]).

وقال في آخر حديثه: =قالوا: وأما قولكم: هذا تائب نادم، فكيف تسد عليه طريق التوبة؟ ويجعل إثم التضييع لازماً له، وطائراً في عنقه؟ فمعاذ الله أن نسد عليه باباً فتحه الله لعباده المذنبين كلهم، ولم يغلقه عن أحد إلى حين موته، أو إلى وقت طلوع الشمس من مغربها.

وإنما الشأن في طريق توبته، وتحقيقها هل يتعين لها القضاء؟ أم يستأنف العمل، وقبول التوبة؟

فإنَّ تركَ فريضة من فرائض الإسلام لا يزيد على ترك الإسلام بجملته، وفرائضه، فإذا كانت توبة تارك الإسلام مقبولة صحيحة لا يشترط في صحتها إعادةُ ما فاته في حال إسلامه_أصلياً كان أم مرتداً_كما أجمع عليه الصحابة في ترك أمر المرتدين لما رجعوا إلى الإسلام بالقضاء_فقبول توبة تارك الصلاة، وعدم توقفها على القضاء أولى، والله أعلم+([209]).

فتوبة تارك الصلاة_إذاً_تكون بالندم، وبأداء الصلوات المستأنفة، ولا يؤمر بالقضاء.

ومما يعين الإنسان على المحافظة على الصلاة أن يستعين بالله_عز وجل_وأن يعزم على أدائها عزيمة جازمة، وأن يأخذ بالأسباب المعينة على ذلك من استعمال المنبه حال النوم، وترك فضول الطعام والشراب.

ومن ذلك أن يستحضر الآثار المتربتة على ترك الصلاة من تكدر النفس، وانقباضها، وضيق الصدر، وتعسير الأمور.

ومن ذلك أن يستحضر الثمرات المترتبة على أداء الصلاة، وهي كثيرة لا تحصى([210]).


 


الربا من كبائر الذنوب، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع([211]).

فالربا ظلم، وغبن، وحرب لله ورسوله”.

قال_تعالى_: [وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً] البقرة: 278_279.

وللربا آثار نفسية وخلقية مدمرة؛ ذلك أن المرابي يستعبده المال، فيسعى للوصول إليه بكل سبيل دونما مبالاة باعتداء على المحرمات، أو تجاوز للحدود.

والربا ينبت في النفس الجشعَ، والظلمَ، وقسوة القلب. بل إن الربا يحدث آثاراً خبيثة في نفس متعاطيه وتصرفاته، وأعماله، وهيئته.

ويرى بعض الأطباء أن الاضطراب الاقتصادي الذي يولد الجشع الذي لا تتوافر أسبابه الممكنة_يسبب كثيراً من الأمراض التي تصيب القلب، فيكون من مظاهرها ضغط الدم المستمر، أو الذبحة الصدرية، أو الجلطة الدموية، أو النزيف في المخ، أو الموت المفاجىء.

ولقد قرر عميد الطب الباطني في مصر الدكتور عبدالعزيز إسماعيل في كتابه (الإسلام والطب) أن الربا هو السبب في كثرة أمراض القلب([212]).

ثم إنه مزيل للترابط والتآخي والتكافل بين الناس، فأضراره على الأفراد والمجتمعات كثيرة جداً([213]).

فالتوبة من الربا واجبة على الفور، وتكون بترك الربا، والندم على ما مضى من التعامل به، والعزم على عدم العود إليه.

أما ما بيد التائب من الأموال التي اكتسبها من الربا فقد اختلف أهل العلم في حكمها؛ فمنهم من يقول يخرجها ولا يبقيها في ماله([214]).

ومن العلماء من يقول: إن على المرابي أن يخرج ما بيده من الربا إن كان قد قبضه وهو يعلم حكم الله في ذلك، وأما إن كان قد قبضه وهو جاهل فهو له، ولا يجب عليه إخراجه([215]).

ومن العلماء من يقول بأن للمرابي ما بيده مما قبضه من الربا قبل التوبة، فإذا تاب كان ذلك المال الذي قبضه من الربا داخلاً تحت تصرفه؛ فلا يؤمر برد ما قبضه، من الربا قبل التوبة، وإنما يدع ما بقي من الربا مما لم يقبضه([216]).


 


الزنا فساد كبير، وشر مستطير، له آثار كبيرة، وتنجم عنه أضرار كثيرة، سواء على مرتكبيه، أو على الأمة بعامة.

وبما أن الزنا يكثر وقوعه، وتكثر الدواعي إليه فهذه نبذة عن آثاره وآفاته وأضراره([217]).

أ_الزنا يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلة الغيرة، ووأد الفضيلة.

ب_يقتل الحياء، ويلبس وجه صاحبه رقعة من الصفاقة والوقاحة.

ج_سواد الوجه، وظلمته، وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو للناظرين.

د_ظلمة القلب، وطمس نوره.

هـ_الفقر اللازم لمرتكبيه، وفي أثر يقول الله_تعالى_: =أنا مهلك الطغاة، ومفقر الزناة+.

و_أنه يُذهب حرمة فاعله، ويسقطه من عين ربه، وأعين عباده، ويسلب صاحبه اسم البَرِّ، والعفيف، والعدل، ويعطيه اسم الفاجر، والفاسق، والزاني، والخائن.

ز_الوحشة التي يضعها الله في قلب الزاني، وهي نظير الوحشة التي تعلو وجهه؛ فالعفيف على وجهه حلاوة، وفي قلبه أنس، ومن جالسه استأنس به، والزاني بالعكس من ذلك تماماً.

ح_أن الناس ينظرون إلى الزاني بعين الريبة والخيانة، ولا يأمنه أحد على حرمته ولا ولده.

ط_ومن أضراره الرائحة التي تفوح من الزاني يشمها كل ذي قلب سليم، وتفوح من فيه، ومن جسده.

ي_ضيقة الصدر، وحرجه؛ فإن الزناة يعامَلون بضد قصودهم؛ فإن من طلب لذة العيش، وطيبه بمعصية الله عاقبه الله بنقيض قصده؛ فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، ولم يجعل الله معصيته سبباً إلى خير قط.

ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة، والسرور، وانشراح الصدر، وطيب العيش لرأى أن الذي فاته من اللذة أضعاف أضعاف ما حصل له.

ك_الزاني يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن.

ل_الزنا يُجَرِّىء على قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وكسب الحرام، وظلم الخلق، وإضاعة الأهل والعيال، وربما قاد إلى سفك الدم الحرام، وربما استعان عليه بالسحر، والشرك، وهو يدري أو لا يدري؛ فهذه المعصية لا تتم إلا بأنواع من المعاصي قبلها ومعها، ويتولد عنها أنواع أخر من المعاصي بعدها؛ فهي محفوفة بجند من المعاصي قبلها، وجند بعدها، وهي أجلب شيء لشر الدنيا والآخرة، وأمنع شيء لخير الدنيا والآخرة.

م_الزنا يَذْهَبُ بكرامة الفتاة، ويكسوها عاراً لا يقف عندها، بل يتعداها إلى أسرتها؛ حيث تدخل العار على أهلها، وزوجها، وأقاربها، وتنكس به رؤوسهم بين الخلائق.

ن_أن العار الذي يلحق من قُذف بالزنا أعلق من العار الذي ينجر إلى من رمي بالكفر وأبقى؛ فإن التوبة من الكفر على صدق القاذف تذهب رجسه شرعاً، وتغسل عاره عادة، ولا تبقي له في قلوب الناس حطة تنزل به عن رتبة أمثاله ممن ولدوا في الإسلام.

 بخلاف الزنا؛ فإن التوبة من ارتكاب فاحشته_وإن طهرت صاحبها تطهيراً، ورفعت عنه المؤاخذة بها في الآخرة_يبقى لها أثر في النفوس، ينقص بقدره عن منزلة أمثاله ممن ثبت لهم العفاف من أول نشأتهم.

وانظر إلى المرأة ينسب إليها الزنا كيف يتجنب الأزواج نكاحها وإن ظهرت توبتها؛ مراعاة للوصمة التي ألصقت بعرضها سالفاً، ويرغبون أن ينكحوا المشركة إذا أسلمت رغبتهم في نكاح الناشئة في الإسلام.

س_إذا حملت المرأة من الزنا، فقتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل، وإذا حملته على الزوج أدخلت على أهلها وأهله أجنبياً ليس منهم، فورثهم ورآهم، وخلا بهم، وانتسب إليهم، وهو ليس منهم إلى غير ذلك من مفاسد زناها.

ع_أن الزنا جناية على الولد؛ فإن الزاني يَبْذِرُ نطفته على وجه يجعل النسمة المخلَّقة منها مقطوعة عن النسب إلى الآباء، والنسبُ معدود من الروابط الداعية إلى التعاون والتعاضد؛ فكان الزنا سبباً لوجود الولد عارياً من العواطف التي تربطه بأدنى قربى يأخذون بساعده إذا زلت به نعله، ويتقوى به اعتصابهم عند الحاجة إليه.

كذلك فيه جناية عليه، وتعريض به لأن يعيش وضيعاً بين الأمة، مدحوراً من كل جانب؛ فإن الناس يستخفُّون بولد الزنا، وتنكره طبائعهم، ولا يرون له من الهيئة الاجتماعية اعتباراً؛ فما ذنب هذا المسكين؟ وأي قلب يحتمل أن يتسبب في هذا المصير؟ !

ف_زنا الرجل فيه إفساد المرأة المصونة، وتعريضها للفساد والتلف.

ص_الزنا يهيج العداوات، ويذكي نار الانتقام بين أهل المرأة وبين الزاني؛ ذلك أن الغيرة التي طبع عليها الإنسان على محارمه تملأ صدره عند مزاحمته على موطوءته، فيكون ذلك مظنة لوقوع المقاتلات، وانتشار المحاربات؛ لما يجلبه هتك الحرمة للزوج وذوي القرابة من العار والفضيحة الكبرى، ولو بلغ الرجل أن امرأته أو إحدى محارمه قُتِلَتْ كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت.

قال سعد بن عبادة÷: =لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصْفَح+.

فبلغ ذلك رسول الله”فقال: =أتعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني؛ ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن+([218]).

ق_للزنا أثر على محارم الزاني، فشعور محارمه بتعاطيه هذه الفاحشة يسقط جانباً من مهابتهن له_كما مر_ويسهل عليهن بذل أعراضهن_إن لم يكن ثوبُ عفافهن منسوجاً من تربية دينية صادقة_.

بخلاف من ينكر الزنا، ويتجنبه، ولا يرضاه لغيره؛ فإن هذه السيرة تكسبه مهابة في قلوب محارمه، وتساعده على أن يكون بيته طاهراً عفيفاً.

ر_للزنا أضرار جسيمة على الصحة يصعب علاجها، والسيطرة عليها، بل ربما أودت بحياة الزاني، كالإيدز، والهربس، والزهري والسيلان ونحوها([219]).

ش_الزنا سبب لدمار الأمة؛ فلقد جرت سنة الله في خلقه أنه عند ظهور الزنا يغضب الله_عز وجل_ويشتد غضبه، فلا بد أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة.

قال ابن مسعود÷: =ما ظهر الربا والزنا في قرية إلا أذن الله بإهلاكها+([220]).

ومما يدل على عظم شأن الزنا أن الله_سبحانه_خص حده من بين الحدود بخصائص.

قال ابن القيم×: =وخص_سبحانه_حد الزنا من بين الحدود بثلاث خصائص:

أحدها: القتل فيه بأشنع القتلات، وحيث خففه جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة.

الثاني: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه؛ بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم؛ فإنه_سبحانه_من رأفته بهم شرع هذه العقوبة؛ فهو أرحم منكم بهم، ولم تمنعه رحمتُه من أمره بهذه العقوبة؛ فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره.

وهذا_وإن كان عاماً في سائر الحدود_ولكن ذكر في حد الزنا خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره؛ فإن الناس لا يجدون من قلوبهم من الغلظة والقسوة على الزاني ما يجدونه على السارق، والقاذف، وشارب الخمر؛ فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم، والواقع شاهد بذلك؛ فنُهوا أن تأخذهم هذه الرأفة، وتحملهم على تعطيل حد الله.

وسبب هذه الرحمة أن هذا ذنب يقع من الأشراف، والأوساط، والأرذال، وفي النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشارك فيه كثير، وأكثر أسبابه العشق، والقلوب مجبولة على رحمة العاشق، وكثير من الناس يعد مساعدته طاعة وقربة، وإن كانت الصورة المعشوقة محرمة عليه.

ولا يستنكر هذا الأمر؛ فإنه مستقر عند من شاء الله من أشباه الأنعام.

ولقد حكي لنا من ذلك شيء كثير عن ناقصي العقول، كالخدم والنساء.

وأيضاً فإن هذا ذنب غالباً ما يقع مع التراضي من الجانبين؛ فلا يقع فيه من العدوان والظلم والاغتصاب ما تنفر النفوس منه، وفيها شهوة غالبة له، فيصور ذلك لها، فتقوم بها رحمة تمنع من إقامة الحد.

وهذا كله من ضعف الإيمان.

وكمال الإيمان أن تقوم به قوة يقيم بها أمر الله، ورحمة يرحم بها المحدود؛ فيكون موافقاً لربه_تعالى_في أمره ورحمته.

الثالث: أنه_سبحانه_أمر أن يكون بمشهد من المؤمنين، فلا يكون في خلوة بحيث لا يراهما أحد، وذلك أبلغ في مصلحة الحد، وحكمة الزجر+([221]).

ومما يحسن التنبيه عليه في هذا الشأن أن فاحشة الزنا تتفاوت بحسب مفاسدها؛ فالزاني والزانية مع كل أحد أشد من الزنا بواحدة أو مع واحد، والمجاهر بما يرتكب أشد من الكاتم له، والزنا بذات الزوج أشد من الزنا بالتي لا زوج لها؛ لما فيه من الظلم، والعدوان عليه، وإفساد فراشه، وقد يكون هذا أشد من مجرد الزنا أو دونه.

والزنا بحليلة الجار أعظم من الزنا ببعيدة الدار، لما يقترن بذلك من أذى الجار، وعدم حفظ وصية الله، ورسوله”.

وكذلك الزنا بامرأة الغازي في سبيل الله أعظم إثماً عند الله من الزنا بغيرها، ولهذا يقال للغازي خذ من حسنات الزاني ما شئت.

وكذلك الزنا بذوات المحارم أعظم جرماً، وأشنع، وأفظع؛ فهو الهُلْكُ بعينه.

وكما تختلف درجات الزنا بحسب المزني بها فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان، والمكان، والأحوال؛ فالزنا في رمضان ليلاً أو نهاراً أعظم إثماً منه في غيره.

وكذلك في البقاع الشريفة المفضلة هو أعظم منه فيما سواها.

وأما تفاوته بحسب الفاعل فالزنا من المحصن أقبح من البكر، والشيخ أقبح من الشاب، ومن العالم أقبح من الجاهل، ومن القادر على الاستغناء أقبح من الفقير العاجز.

وقد يقترن بالفاحشة من العشق الذي يوجب اشتغال القلب بالمعشوق، وتأليهه، وتعظيمه، الخضوع له، وتقديم طاعته، وما يأمر به على طاعة الله، ومعاداة من يعاديه، وموالاة من يواليه_ما قد يكون أعظم ضرراً من مجرد ركوب الفاحشة([222]).

 =كيفية التوبة من الزنا+

وبعد أن تبين عظم جرم الزنا، وآثاره المدمرة على الأفراد والأمة_فإنه يحسن التنبيه على وجوب التوبة من الزنا؛ فيجب على من وقع في الزنا، أو تسبب في ذلك، أو أعان عليه أن يبادر إلى التوبة النصوح، وأن يندم على ما مضى، وألا يرجع إليه إذا تمكن من ذلك.

ولا يلزم من وقع في الزنا رجلاً كان أو امرأة أن يسلَّم نفسه، ويعترف بجرمه، بل يكفي في ذلك أن يتوب إلى ربه، وأن يستتر بستره_عز وجل_.

وإن كان عند الزاني صور لمن كان يفجر بها، أو تسجيل لصوتها أو لصورتها فليبادر إلى التخلص من ذلك، وإن كان قد أعطى تلك الصور أو ذلك التسجيل أحداً من الناس_فليسترده منه، وليتخلص منه بأي طريقة.

وإن كانت المرأة قد وقع لها تسجيل أو تصوير، وخافت أن ينتشر أمرها_فعليها أن تبادر إلى التوبة، وألا يكون ذلك معوقاً لها عن الإقبال على ربها.

بل يجب عليها أن تتوب، وألا تستسلم للتهديد والترهيب؛ فإن الله كافيها، ومتوليها، ولتعلم أن من يهددها جبان رعديد، وأنه سوف يفضح نفسه إن هو أقدم على نشر ما بيده.

ثم ماذا يكون إذا هو نفذ ما يهدد به؟ أيهما أسهل؟ فضيحة يسيرة في الدنيا، ويعقبها توبة نصوح؟ أو فضيحة على رؤوس الأشهاد يوم القيامة ثم يعقبها دخول النار وبئس القرار؟

ومما ينفع في هذا الصدد إن هي خافت من نشر أمرها أن تستعين برجل رشيد من محارمها؛ ليعينها على التخلص مما وقعت فيه؛ فربما كان ذلك الحل ناجعاً مفيداً.

وبالجملة فإن على من وقع في ذلك الجرم أن يبادر إلى التوبة النصوح، وأن يقبل على ربه بكُلِّيته، وأن يقطع علاقته بكل ما يذكره بتلك الفعلة، وأن ينكسر بين يدي ربِّه مخبتاً منيباً، عسى أن يقبله، ويغفر سيئاته، ويبدلها حسنات.

 [وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً] الفرقان: 68_70


 


فاللواط أعظم الفواحش على الإطلاق، وأضرها على الدين والعقل والمروءة والأخلاق؛ فهو داء عضال، وسمٌّ قتال، متناهٍ في القبح والبشاعة، غاية في الخسة والشناعة؛ فهو شذوذ منحرف، وارتكاس في الطباع، يمجه الذوق السليم، وتأباه الفطرة السوية، وترفضه وتمقته الشرائع السماوية؛ لما له من عظيم الأضرار، ولما يترتب عليه من جسيم الأخطار، فآثاره السيئة يقصر دونها العد، وأضراره المدمرة لا تقف عند حد، ففيه أكثر أضرار الزنا وزيادة؛ بل إن =حد الزاني المحصن مشتق من عقوبة الله_تعالى_لقوم لوط بالقذف بالحجارة؛ لاشتراك الزنا واللواط في الفحش+([223]).

قال ابن القيم×متحدثاً عن مفاسد اللواط: =فإن في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر والعد، ولأن يقتل المفعول به خير له من أن يؤتى؛ فإنه يفسد فساداً لا يرجى له بعده صلاح أبداً، ويذهب خيره كله، وتمص الأرض ماء الحياء من وجهه؛ فلا يستحيي بعد ذلك من الله، ولا من خلقه، وتعمل في قلبه، وروحه نطفةُ الفاعلِ ما يعمل السم في البدن+([224]).

وقال×: =ولم يَبْتَلِ الله_سبحانه_بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحداً من العالمين، وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها غيرهم، وجمع عليهم من أنواع العقوبات بين الإهلاك، وقلب ديارهم عليهم، والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، فنكَّل بهم نكالاً لم ينكله أمة سواهم؛ وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد تميد من جوانبها الأرض إذا عُمِلت فيها، وتهرب الملائكة من أقطار السماوات والأرض إذا شاهدوها؛ خشية نزول العذاب على أهلها؛ فيصيبهم معهم، وتعج الأرض إلى ربها_تبارك وتعالى_وتكاد الجبال تزول عن أماكنها وقتل المفعول به خير له من وطئه؛ فإنه إذا وطئه قتله قتلاً لا ترجى الحياة معه بخلاف قتله، فإنه مظلوم شهيد وربما ينتفع به في آخرته+([225]).

وقال×متحدثاً عن فاحشتي الزنا واللواط: =فليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين، ولهما خاصية في تبعيد القلب من الله؛ فإنهما من أعظم الخبائث؛ فإذا انصبغ القلب بهما بَعُد ممن هو طيب، لا يصعد إليه إلا طيب، وكلما ازداد خبثاً ازداد من الله بعداً+([226]).

وقال متحدثاً عما حل بقوم لوط_عليه السلام_: =فوالله ما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما بين السَّحر وطلوع الفجر، وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها، ورفعت نحو السماء، حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب، ونهيق الحمير، فبرز المرسوم الذي لا يرد عن الرب الجليل إلى عبده ورسوله جبرائيل، بأن يقلبها عليهم كما أخبر به محكم التنزيل، فقال_عز من قائل_: [فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ] هود:82.

فجعلهم آية للعالمين، وموعظة للمتقين، ونكالاً لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين، وجعل ديارهم بطريق السالكين [إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ] الحجر: 75_77.

أخذهم على غرَّة وهم نائمون، وجاءهم بأسُه وهم في سكرتهم يعمهون، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، فقلبت تلك اللذات آلاماً فأصبحوا بها يعذبون.

مآرب كانت في الحياة لأهلها

عِذاباً فصارت في الممات عَذاباً

ذهبت اللذات، وأعقبت الحسرات، وأنقضت الشهوات، وأورثت الشقوات، تمتعوا قليلاً، وعذبوا طويلاً، رتعوا مرتعاً وخيماً، فأعقبهم عذاباً أليماً، أسكرتهم خمرةُ تلك الشهوة فما استفاقوا منها إلا في ديار المعذبين، وأرقدتهم تلك الغفلة فما استيقظوا منها إلا وهم في منازل الهالكين؛ فندموا_والله_أشد الندامة حين لا ينفع الندم، وبكوا على ما أسلفوا بدل الدموع بالدم؛ فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة، والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم، ويقال لهم وهو على وجوههم يسحبون: [ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ] الزمر: 24 [اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] الطور: 16.

وقد قرَّب الله مسافة العذاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم في العمل، فقال مخوفاً لهم أن يقع الوعيد: [وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ] هود: 83+([227]).

وقال×مبيناً أضرار الوطء في الدبر: =فإنه يحدث الهم، والغم، والنفرة عن الفاعل والمفعول.

وأيضاً فإنه يسود الوجه، ويظلم الصدر، ويطمس نور القلب، ويكسو الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء يعرفها من له أدنى فراسة.

وأيضاً فإنه يوجب النفرة، والتباغض الشديد، والتقاطع بين الفاعل والمفعول ولا بد.

وأيضاً فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول فساداً لا يكاد يرجى بعده صلاح إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح.

وأيضاً فإنه يذهب بالمحاسن منهما، ويكسوهما ضدهما كما يذهب بالمودة بينهما، ويبدلهما بها تباغضاً وتلاعناً.

وأيضاً فإنه من أكبر زوال النعم، وحلول النقم؛ فإنه يوجب اللعنة والمقت من الله، وإعراضه عن فاعله، وعدم نظره إليه؛ فأي خير يرجوه بعد هذا؟ وأي شر يأمنه؟ وكيف حياة عبد حلَّت عليه لعنة الله ومقته، وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر إليه؟

وأيضاً فإنه يَذْهَب بالحياء جملة، والحياء هو حياة القلوب؛ فإذا فقدها القلب استحسن القبيح، واستقبح الحسن، وحينئذ فقد استحكم فساده.

وأيضاً فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله، ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع لم يُركِّب الله عليه شيئاً من الحيوان، بل هو طبع منكوس، وإذا نكس الطبع انتكس القلب، والعمل، والهدى؛ فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والهيئات، ويفسد حاله، وعمله، وكلامه بغير اختياره.

وأيضاً فإنه يورث من الوقاحة، والجرأة ما لا يورثه سواه.

وأيضاً فإنه يورث من المهانة، والسِّفال، والحقارة ما لا يورثه غيره.

وأيضاً فإنه يكسو العبد من حلة المقت، والبغضاء، وازدراء الناس، واحتقارهم إياه، واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحس+([228]).

ولقد أثبتت الدراسات الطبية الحديثة أن لهذه الفعلة القبيحة أضراراً كثيرة على نفوس مرتكبيها، وعقولهم، وأبدانهم؛ فمما تسببه هذه الفعلة القبيحة كثرة الوساوس والأوهام؛ فهذا الداء إذا تمكن من القلب، واستحكم وقوي سلطانه أفسد الذهن، وأحدث الوساوس.

وربما أصيب صاحبه بمرض الهوس الجنسي الذي يجعل صاحبه الشهواني مشغولاً بتخيلات شهوانية غريزية.

ومن أضرارها التأثير على الأعصاب والمخ، وأعضاء التناسل، والدوسنتاريا، والتهاب الشرج والمستقيم، والتهاب الكبد الفيروسي.

بل كثيراً ما يؤدي إلى أمراض الشذوذ الخطيرة كالزهري، والسيلان، والهربس، والإيدز، وفيروس الحب، بل هو السبب الأول، وله النسبة الكبرى في حدوث هذه الأمراض([229]).

هذا ولعظم هذه الجريمة أجمع الصحابة_رضي الله عنهم_على قتل مرتكبها، ولكنهم اختلفوا في كيفية قتله؛ فمنهم من قال: يقتل بالسيف، ومنهم من قال: يحرق بالنار، ومنهم من قال: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى اللوطي منها منكساً ثم يتبع بالحجارة([230]).

قال الشيخ العلامة د. بكر أبو زيد: =وأما صفة القتل فإن الذي يظهر لي_أيضاً والله أعلم_هو أن هذا عائد إلى رأي الإمام من القتل بالسيف، أو رجماً بالحجارة، ونحو ذلك حسب مصلحة الردع والزجر، والله أعلم+([231]).

وهذا الحكم يشمل الفاعل والمفعول به سواء كانا بكرين، أو ثيبين عند جمهور العلماء([232]).

ودليل هذا القول قوله”: =من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل، والمفعول به+([233]).

قال الشيخ بكر أبو زيد تعليقاً على هذا الحديث: =ووجه الدلالة من هذا الحديث نَصيةٌ على قتل الفاعل والمفعول به، وليس فيه تفصيل لمن أحصن أو لم يحصن؛ فدل بعمومه على قتله مطلقاً+([234]).

 =كيفية التوبة من اللواط+:

لعظم هذه الجريمة المنكرة قال بعض العلماء: لا توبة للوطي، ولا يدخل الجنة؛ فهو جدير ألا يوفق، وأن يحال بينه وبينه، وكلما عمل خيراً قيض الله له ما يفسده عقوبة له؛ فلا يوفق لعلم نافع، ولا عمل صالح، ولا توبة نصوح([235]).

والصحيح في هذه المسألة أن للوطي توبة إذا تاب؛ فإن الله يغفر الذنوب جميعاً، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

قال ابن القيم×بعد أن ذكر الخلاف في توبة اللوطي: =والتحقيق في المسألة أن يقال: إذا تاب المبتلى بهذا البلاء، وأناب، ورزق توبة نصوحاً، وعملاً صالحاً، وكان في كبره خيراً منه في صغره، وبدل سيئاته حسنات، وغسل عار ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات، وغض بصره، وحفظ فرجه عن المحرمات، وصدق الله في معاملته_فهذا مغفور له، وهو من أهل الجنة؛ فإن الله يغفر الذنوب جميعاً.

وإذا كانت التوبة تمحو كل ذنب حتى الشرك بالله، وقتل أنبيائه، وأوليائه، والسحر، والكفر، وغير ذلك_فلا تَقْصُر عن محو هذا الذنب.

وقد استقرت حكمة الله_تعالى_به عدلاً وفضلاً أن التائب من الذنب كم لا ذنب له، وقد ضمن الله_سبحانه_لمن تاب من الشرك، وقتل النفس، والزنا أنه يبدل سيئاته حسنات.

وهذا حكم عام لكل تائب من كل ذنب، وقد قال_تعالى_: [قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] الزمر: 53.

فلا يخرج من هذا العموم ذنب واحد، ولكن هذا في حق التائب خاصة.

وأما المفعول به إن كان في كبره شراً مما كان في صغره لم يوفق لتوبة نصوح، ولا لعمل صالح، ولا استدرك ما فات، وأحيا ما أمات، ولا بدل السيئات بالحسنات_فهذا بعيد أن يوفق عند الممات لخاتمة يدخل بها الجنة؛ عقوبة له على عمله؛ فإن الله_سبحانه_يعاقب على السيئة بسيئة أخرى، وتتضاعف عقوبة السيئات بعضها ببعض، كما يثيب على الحسنة بحسنة أخرى+([236]).

وبناء على ما مضى فإنه يجب على من وقع في اللواط أن يتوب إلى الله_عز وجل_سواء كان فاعلاً، أو مفعولاً به، أو معيناً على ذلك، أو داعياً إليه.

ويقال لمن وقع في ذلك الجرم ما يقال لمن وقع في الزنا، من جهة الاستتار، وأنه لا يلزمه أن يسلم نفسه.

بل عليه أن يعزم ويجزم، وأن يُقْبل على ربه، وأن يفكر في عاقبة أمره، وأن يعلم أنه على خطر عظيم إن هو استمر على فعلته، وأنه كالشارب من ماء البحر لا يروى، وكالمصاب بداء الجرب لا يزيده الحكُّ إلا ضراوة واستمراراً.

وليعلم أنه معان من الله إن هو صدق في التوبة.

ومما يعينه على ذلك أن يقطع علاقته بكل ما يذكره بالفاحشة من صور، أو رسائل، أو نحو ذلك، وأن يصبر خصوصاً في بداية أمره.

وإن كان مبتلى بأن تفعل به الفاحشة وخشي إن تاب أن يفضحه رفقة السوء بنشر صوره أو نحو ذلك_فعليه أن يتوكل على ربه، وأن يستعين بمن يهمه أمره من قريب أو داعية أو غيرهما، وليعلم أن هؤلاء السفلة جبناء رعاديد؛ فإذا رأوا منه حزماً وعزماً نفروا منه، وابتعدوا عنه ومن يتوكل على الله فهو حسبه.

هذا وسيأتي في الباب الثاني_إن شاء الله_بيان مفصل للأمور المعينة على التوبة([237]).


                                              

خامســاً: التــوبة مــن العــشـــق([238])

فالعشق مسلك خطر، وموطىء زلق، غوائله لا تؤمن، وضحاياه لا تحصى، وأضراره لا يحاط بها.

وأهل العشق من أشقى الناس، وأذلِّهم، وأشغلهم، وأبعدهم عن ربهم.

قال ابن تيمية×: =فإن الذي يورثه العشق من نقص العقل والعلم، وفساد الدين والخلق، والاشتغال عن مصالح الدين والدنيا أضعاف ما يتضمنه من جنس المحمود.

وأصدقُ شاهدٍ على ذلك ما يعرف من أحوال الأمم، وسماع أخبار الناس في ذلك؛ فهو يغني عن معاينة ذلك وتجربته، ومن جرب ذلك أو عاينه اعتبر بما فيه كفاية؛ فلم يوجد قط عشق إلا وضرره أعظم من منفعته+([239]).

وقال×: =وهؤلاء عشاق الصور من أعظم الناس عذاباً، وأقلهم ثواباً؛ فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقاً بها مستعبداً لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى؛ فدوام تعلق القلب بها أشد ضرراً عليه ممن يفعل ذنباً ثم يتوب، ويزول أثره من قلبه.

وهؤلاء يُشَبَّهون بالسكارى والمجانين كما قيل:

سُكْران: سكر هوى وسكر مدامة

ومتى إفاقةُ من به سكرانِ

 وقيل:

قالو: جننت بمن تهوى فقلت لهم:

العشق أعظم مما بالمجانين

العشق لا يستفيق الدهرَ صاحبُه

وإنما يُصْرَعُ المجنونُ في حين([240])

وقال×متحدثاً عن حقيقة العشق: =قيل: العشق هو فساد الإدراك، والتخيل والمعرفة؛ فإن العاشق يخيل له المعشوق على خلاف ما هو به، حتى يصيبه ما يصيبه من داء العشق.

ولو أدركه على الوجه الصحيح لم يبلغ إلى حد العشق وإن حصل له محبة وعلاقة+([241]).

وقال: =وقيل: إن العشق هو الإفراط في الحب حتى يزيد على القصد الواجب؛ فإذا أفرط فيه كان مذموماً فاسداً مفسداً للقلب والجسم+([242]).

ولقد تظاهرت أقوال أهل العلم، والشعراء، والأدباء، ومن وقعوا في العشق في بيان خطورته، وعظيم ضرره.

 =قالوا: وإذا اقتحم العبد بحر العشق، ولعبت به أمواجه_فهو إلى الهلاك أدنى منه إلى السلامة+([243]).

وقال بعض الحكماء: =الجنون فنون، والعشق من فنونه+([244]).

وقالوا: =وكم من عاشق أتلف في معشوقه ماله، وعرضه، ونفسه، وضيع أهله ومصالح دينه ودنياه+([245]).

وقالوا: =والعشق هو الداء الدوي الذي تذوب معه الأرواح، ولا يقع معه الارتياح، بل هو بحر من ركبه غرق؛ فإنه لا ساحل له، ولا نجاة منه+([246]).

 قال أحدهم:

العشق مشغلة عن كل صالحة

وسكرة العشق تنفي لذة الوسن([247])

 وقال أبو تمام:

أما الهوى فهو العذاب فإن جرت

فيه النوى فأليم كل عذاب([248])

وقال ابن أبي حصينة مبيناً ضرر العشق، غابطاً من لم يقع في أشراكه:

والعشق يجتذب النفوس إلى الردى

بالطبع واحسدي لمن لم يَعْشَق([249])

 وقال عبدالمحسن الصوري:

ما الحب إلا مسلكٌ خَطرٌ

عسر النجاة وموطىء زلق([250])

قالوا: =والعشق يترك الملك مملوكاً، والسلطان عبداً+([251]).

قالوا: =ورأينا الداخل فيه يتمنى منه الخلاص، ولات حين مناص، قال الخرائطي: أنشدني أبو جعفر العبدي:

إنِ اللهُ نجاني من الحب لم أعد

إليه ولم أقبل مقالة عاذلي

ومن لي بمنجاة من الحب بعد ما

رمتني دواعي الحب بين الحبائل([252])

 وقال منصور النمري:

وإنَّ امرءاً أودى الغرامُ بُلُبِّه

لعريان من ثوب الفلاح سليب([253])

قال ابن القيم×مبيناً خطر العشق على الدين: =ومحبة الصور المحرمة وعشقها من موجبات الشرك، وكلما كان العبد أقرب إلى الشرك، وأبعد من الإخلاص كانت محبته بعشق الصور أشد.

وكلما كان أكثر إخلاصاً، وأشد توحيداً كان أبعد من عشق الصور.

ولهذا أصاب امرأة العزيز ما أصابها من العشق؛ لشركها، ونجا منه يوسف الصديق_عليه السلام_بإخلاصه.

قال_تعالى_: [كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ] يوسف: 24 ([254]).

فالسوء: العشق، والفحشاء: الزنا؛ فالمخلص قد خلص حبه لله، فخلَّصه الله من فتنة عشق الصور، والمشرك قلبه متعلق بغير الله، فلم يخلص توحيده وحبه لله_عز وجل_+.

وقال×في موضع آخر: =وهذا داء أعيا الأطباء دواؤه، وعزَّ عليهم شفاؤه، وهو_لعمر الله_الداء العضال، والسم القتال الذي ما علق بقلب إلا وعز على الورى استنقاذه من إساره، ولا اشتعلت ناره إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره.

وهو أقسام؛ تارة يكون كفراً، كمن اتخذ معشوقه ندَّاً يحبه كما يحب الله؛ فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه؟ فهذا عشق لا يغفر لصاحبه؛ فإنه من أعظم الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإنما يغفر بالتوبة الماحية ما دون ذلك.

وعلامة العشق الشركي الكفري أن يقدم رضا معشوقه على رضى ربه، وإذا تعارض عنده حقُّ معشوقه وحظُّه، وحق ربه وطاعته_قدَّم حق معشوقه على حق ربه، وآثر رضاه على رضاه، وبذل لمعشوقه أنفس ما يقدر عليه، وبذل لربه_إن بذل_أردأ ما عنده، واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والتقرب إليه، وجعل لربه_إن أطاعه_الفَضْلَة التي تَفْضُل عن معشوقه من ساعاته؛ فتأمل حال أكثر عشاق الصور تجدها مطابقة لذلك، ثم ضع حالهم في كفة، وتوحيدهم وإيمانهم في كفة، ثم زن وزناً يرضي الله ورسوله ويطابق العدل+([255]).

وقال×متحدثاً عن أضرار العشق: =قالوا: وكم أكبَّت فتنة العشق رؤوساً على مناخرها في الجحيم، وأسلمتهم إلى مقاساة العذاب الأليم، وجرعتهم بين أطباق النار كؤوس الحميم، وكم أخرجت من شاء الله من العلم والدين كخروج الشعرة من العجين، وكم أزالت من نعمة، وأحلَّت من نقمة، وكم أنزلت من معْقل عزِّهِ عزيزاً فإذا هو في الأذلين، ووضعت من شريف رفيع القدر والمنصب فإذا هو في أسفل سافلين، وكم كشفت من عورة، وأحدثت من روعة، وأعقبت من ألم، وأحلت من ندم، وكم أضرمت من نار حسرات أحرقت فيها الأكباد، وأذهبت قدراً كان للعبد عند الله وفي قلوب العباد، وكم جلبت من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء؛ فقلَّ أن يفارقها زوال نعمة، أو فجاءة نقمة، أو تحويل عافية، أو طُروق بلية، أو حدوث رزية؛ فلو سألت النِّعَم ما الذي أزالك؟ والنِّقم ما الذي أدالك؟ والهمومَ والأحزان ما الذي جلبك؟ والعافية ما الذي أبعدك وجنَّبك؟ والستر ما الذي كشفك؟ والوجه ما الذي أذهب نورك وكسفك؟ والحياة ما الذي كدَّرك؟ وشمس الإيمان ما الذي كوَّرك؟ وعزة النفس ما الذي أذلَّك؟ وبالهوان بعد الأكرام بدَّلك_لأجابتك بلسان الحال اعتباراً إن لم تجب بالمقال حواراً.

هذه_والله_بعض جنايات العشق على أصحابه لو كانوا يعقلون، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون+([256]).

وقال×في موضع آخر متحدثاً عن مكايد الشيطان ومصايده: =ومن مكايده ومصايده ما فتن به عشاق الصور.

وتلك_لعمر الله_الفتنة الكبرى، والبلية العظمى التي استعبدت النفوس لغير خلاقها، وملكت القلوب لمن يسومها الهوان من عشاقها، وألقت الحرب بين العشق والتوحيد، ودعت إلى موالاة كل شيطان مريد، فصيَّرت القلب للهوى أسيراً، وجعلته عليه حاكماً وأميراً، فأوسعت القلوب محنة، وملأتها فتنة، وحالت بينها وبين رشدها، وصرفتها عن طريق قصدها، ونادت عليها في سوق الرقيق فباعتها بأبخس الأثمان، وأعاضتها بأخس الحظوظ وأدنى المطالب عن العالي في غرف الجنان، فضلاً عما هو فوق ذلك من القرب من الرحمن؛ فسكنت إلى ذلك المحبوب الخسيس الذي ألََمُها به أضعاف لذتها، ونيلُه والوصول إليه أكبر أسباب مضرتها؛ فما أوشكه حبيباً يستحيل عدواً عن قريب، ويتبرأ منه مُحِبُّه لو أمكنه حتى كأن لم يكن له حبيب، وإن تمتع به في هذه الدار فسوف يجد به أعظم الألم بعد حين لا سيما إذا صار الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين.

إلى أن قال×: =فيا حسرة المحب الذي باع نفسه لغير الحبيب الأول بثمن بخس، وشهوة ذهبت لذتها، وبقيت تبعتها، وانقضت منفعتها، وبقيت مضرتها؛ فذهبت الشهوة، وبقيت الشقوة، وزالت النشوة، وبقيت الحسرة؛ فوارحمتاه لصَبٍّ جُمع له بين الحسرتين: حسرة فوت المحبوب الأعلى والنعيم المقيم، وحسرة ما يقاسيه من النصب في العذاب الأليم.

فهناك يعلم المخدوع أي بضاعة أضاع، وأن مَنْ كان يملك رقه وقلبه لم يكن يصلح أن يكون له من جملة الخدم والأتباع؛ فأي مصيبة أعظم من مصيبة مَلك أُنزل عن سرير ملكه، وجُعل لمن لا يصلح أن يكون مملوكَه أسيراً، وجُعل تحت أوامره ونواهيه مقهوراً؟ فلو رأيته وهو في يد محبوبه لرأيته:

كعصفورة في كف طفل يسومها

حياض الردى والطفل يلهو ويلعب

 ولو شاهدت حاله وعيشه لقلت:

وما في الأرض أشقى من محبٍّ

وإن وجد الهوى حلو المذاق

تراه باكياً في كل حين

مخافة فرقة أو لاشتياق

فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم

ويبكي إن دنو حذر الفراق

ولو شاهدت نومه وراحته لعلمت أن المحبة والمنام تعاهدا أنْ ليس يلتقيان، ولو شاهدت فيض مدامعه، ولهيب النار في أحشائه لقلت:

سبحان ربِّ العرش مُتقنِ صُنْعِهِ

ومؤلف الأضداد دون تعاند

قطْرٌ تولَّد عن لهيب في الحشا

ماء ونار في محل واحد

ولو شاهدت مسلك الحبِّ في القلب، وتغلغله فيه_لعلمت أن الحب ألطف مسلكاً فيه من الأرواح في أبدانها.

فهل يليق بعاقل أن يبيع هذا الملك المطاع لمن يسومه سوء العذاب؟ ويوقع بينه وبين وليه ومولاه الحق الذي لا غناء له عنه، ولا بد له منه أعظم الحجاب؟

فالمحب بمن أحبه قتيل، وهو له عبد خاضع ذليل، إن دعاه لَبَّاه، وإن قيل له: ما تتمنى؟ فهو غاية ما يتمناه، لا يأنس، ولا يسكن إلى سواه؛ فحقيق به ألا يُمَلِّك رقَّه إلا لأجلِّ حبيب، وألا يبيع نصيبه منه بأبخس نصيب+([257]).

ومن الأضرار الناجمة عن العشق_الظلم؛ =فإن الظلم في هذا الباب من أعظم أنواع الظلم، وربما كان أعظم ضرراً على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله؛ فإنه يعرض المعشوق_بهتكه في عشقه_إلى وقوع الناس فيه، وانقسامهم إلى مصدق ومكذب، وأكثر الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة، وإذا قيل: فلان فعل بفلان أو فلانة كذَّبه واحد، وصدقه تسعمائة وتسعة وتسعون+([258]).

ومن أنواع الظلم في هذا الباب_أيضاً_: أن في إظهار المبتلى عشقَ من لا يحل له الاتصال به من ظلمه وأذاه_ما هو عدوان عليه وعلى أهله، وتعريض لتصديق كثير من الناس ظنونهم فيه.

فإن استعان عليه بمن يستميله إليه إما برغبة أو رهبة تعدى الظلم، وانتشر، وصار ذلك الواسطة ديوثاً ظالماً، وكفى بالدياثة إثماً، فيتساعد العاشق والديوث على ظلم المعشوق، وظلم غيره ممن يتوقف حصول غرضه على ظلمه في نفس، أو مال، أو عرض؛ فكثيراً ما يتوقف المطلوب فيه على قتل نفس تكون حياتها مانعة من غرضه، وكم من قتيل أهدر دمه بهذا السبب من زوج، وسيد، وقريب، وكم أُفْسِدَت امرأة على بعلها؛ فإذا كان للمعشوق زوج تضاعف الأذى وازداد؛ فظلم الزوج بإفساد حبيبه، والجناية على فراشه أعظم من ظلمه بأخذ ماله كله؛ ولهذا يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه أخذ ماله، ولا يعدل ذلك عنده حتى سفك دمه.

فإن كان ذلك حقاً لغازٍ في سبيل الله وُقِفَ له الجاني الفاعل يوم القيامة، وقيل له: =خذ من حسناته+.

كما أخبر بذلك رسول الله”ثم قال رسول الله”: =فما ظنكم؟ + ([259]).

أي فما تظنون يبقي له من حسناته؟

فإن انضاف إلى ذلك أن يكون المظلوم جاراً، أو ذا رحم مُحرَّم_تعدد الظلم، فصار ظلماً مؤكداً لقطيعة الرحم، وأذى الجار.

فإن استعان العاشق على وصال معشوقه بشياطين من الجن_إما بسحر، أو استخدام، أو نحو ذلك_ضَمَّ إلى الشرك والظلم كفر السحر.

فإن لم يفعله هو، ورضي به_كان راضياً بالكفر، غير كاره لحصول مقصده به، وهذا ليس ببعيد عن الكفر.

والمقصود أن التعاون في هذا الباب تعاون على الإثم والعدوان.

وفي العشق من ظلم كل واحد من العاشق والمعشوق لصاحبه بمعاونته على الفاحشة، وظلمه لنفسه_ما فيه، وكل منهما ظالم لنفسه وصاحبه، وظلمهما متعد إلى غيرهما كما تقدم.

ثم إن المعشوق قد يُعَرِّض العاشق للتلف؛ حيث يطمعه في نفسه، ويتزين له، ويستميله بكل طريق؛ حتى يستخرج منه ماله، ونفعه.

والعاشق ربما قتل معشوقه؛ ليشفي نفسه منه، ولا سيما إذا جاد بالوصال لغيره.

فكم للعشق من قتيل من الجانبين، وكم أزال من نعمة، وأفقر من غنى، وأسقط من مرتبة، وشتت من شمل.

وكم أفسد من أهل للرجل وولده؛ فإن المرأة إذا رأت زوجها عاشقاً لغيرها_ربما قادها ذلك إلى اتخاذ معشوق لها؛ فيصير الرجل متردداً بين خراب بيته بالطلاق وبين أن يرضى بالدياثة والخنا في أهله([260]).

يقول ابن حزم×: =وكم مصونِ الستر، مسبل القناع، مسدول الغطاء، قد كشف الحبُّ ستره، وأباح حريمه، وأهمل حماه، فصار بعد الصيانة عَلَماً، وبعد السكون مثلاً+([261]).

فكل هذه الآفات، وأضعاف أضعافها تنشأ من عشق الصور، وتحمل على الكفر الصريح؛ فقد تضمن العشق أنواع الظلم كلها.

 =أسباب العشق+:

وبعد أن تبين خطر العشق، وعظيم جنايته، وكثرة الأضرار الناجمة عنه، والمظالم الحاصلة من جرائه، وقبل الدخول في الحديث عن وجوب التوبة منه، وذكر الأسباب المعينة على ذلك_لا بد من الوقوف على الأسباب الحاملة على العشق، والمحركة له؛ ذلك أن العشق ينشأ، ويثور إذا وجدت محركاته ومهيجاته؛ فهناك أسباب تثير العشق، وتبعثه، بل وتسوق إليه سوقاً، وتجر إليه جراً.

وفيما يلي ذكر لبعض تلك الأسباب:

أ_الإعراض عن الله_عز وجل_: ذلك أن في الله عوضاً عن كل شيء، وأن من عرف الله_عز وجل_جمع قلبه عليه، ولم يلتفت إلى محبوب سواه.

ب_الجهل بأضرار العشق: وقد مر شيء من أضراره؛ فمن لم يعرفها أوشك أن يقع في ذلك الداء.

ج_الفراغ: فهو من أعظم الأسباب الحاملة على العشق.

قال ابن عقيل×: =وما كان العشق إلا لأرعنَ بطال، وقلَّ أن يكون في مشغول ولو بصناعة، أو تجارة؛ فكيف بعلوم شرعية، أو حكمية؟ +([262]).

وقال ابن عبدالبر×: =سئل بعض الحكماء عن العشق فقال: =شُغل قلب فارغ+([263]).

وقال أفلاطون: =العشق حركة النفس الفارغة+([264]).

وقال أرسطو: =العشق جهل عارض، صادف قلباً خالياً لا شغل له من تجارة، ولا صناعة+([265]).

وقال غيره: =هو سوء اختيار صادف نفساً فارغة+([266]).

ومن الفراغ_أيضاً_فراغ القلب من محبة الله_عز وجل_.

 قال ابن القيم×: وعشق الصور إنما تبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله_تعالى_المعرضة عنه، والمتعوضة بغيره عنه؛ فإذا امتلأ القلب من محبة الله، والشوق إلى لقائه دفع ذلك عنه مرض عشق الصور+([267]).

د_وسائل الإعلام: سواء كانت مسموعة، أو مرئية، أو مقروءة؛ فوسائل الإعلام لها قدرة كبيرة على الإقناع، وصياغة الأفكار، ولها تأثير بالغ في قيادة الناس إلي الهاوية إذا هي انحرفت؛ فالصحافة تسهم في إذكاء نار العشق من خلال ما تعرضه من الصور الفاتنة، ومن خلال احتفائها بأهل العشق، وتتبع أخبارهم وشذوذاتهم.

وقل مثل ذلك في الكتب التي تتحدث عن الجنس صراحة، وتميط اللثام عن الحياء، والدواوين الشعرية المليئة بشعر الغزل الفاضح الصريح، وقل مثل ذلك في الكتب أو المقالات التي تنشر ذكريات أصحابها، وسيرهم الذاتية؛ حيث يذكر بعضهم بكل وقاحة مغامراته العاطفية، ومراهقاته مع معشوقاته دونما حياء أو أنفة، فيظل يستره الله، ويأبى إلا كشف الستر، فإذا كان ممن يشار إليهم بالبنان كان له تأثير لدى بعض الجهلة ممن يحاولون محاكاته، والسير على منوالة.

وقل مثل ذلك في الأجهزة المرئية؛ فهي الترجمان الناطق عملياً لما تتضمنه القصص والروايات الفاجرة([268]).

هـ_التقليد الأعمى: فمن الناس من يقرأ قصص أهل العشق وأخبارهم، أو يستمع إلى الأغاني المشتملة على ذكر العشق والهيام، والصبابة، أو يقرأ القصائد التي تنسج على منوال أهل العشق.

وربما رأى من حوله يبثون الشكاة واللوعة من العشق عبر الشعر أو الكتابة؛ فترى هذا الغِرَّ يتأثر بما يسمع، وما يرى حوله، فيبدأ بمحاكاة أهل العشق، فيزعم أنه قد وقع بما وقعوا فيه، وأن العشق قد أمضه وأضناه، وربما عبر عن ذلك شعراً.

وما هي إلا مدة حتى يتمادى به الأمر، فيقع في العشق، فيعز خلاصه، ويصعب استنقاذه.

ومما ينسب للمأمون قوله في هذا المعنى:

أول العشقِ مزاحٌ وولع

ثم يزداد فيزداد الطمع

كلُّ مَنْ يهوى وإن عالت به

رتبة الملك لمن يهوى تبع([269])

 وقيل:

تولع بالعشق حتى عشق

فلما استقل به لم يُطِقْ

رأى لُجَّةً ظنها موجةً

فلما تمكَّن منها غرق

ولما رأى أدمعاً تُستهلُّ

وأبصر أحشاءه تحترق

تمنى الإفاقة من سكره

فلم يستطعها ولم يستفق([270])

و_الانحراف في مفهوم الحب والعشق: فمن أعظم أسباب العشق الانحراف في مفهومه؛ حيث يُظن أنْ لا عشق ولا حب إلا ذاك الذي يعمي صاحبه، ويجعله سادراً في غيه، لا يكاد يفيق من سكره.

فيرى أولئك أن الحب هو ذاك فحسب، وأن من وقع فيه نال فضيلة الحب من رقَّةٍ، وظرفٍ، ولطافة، وكرم ونحو ذلك.

ومن لم يعشق ويحب ذلك الحب فهو جامد الطبع، متبلد الإحساس، خالٍ من العواطف، متجرد من الفضائل، كما قال قائلهم:

إذا أنت لم تعشق ولم تدرِ ما الهوى

فكن حجرا من جامد الصخر جلمدا([271])

 وكما قال الآخر:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى

فأنت وعَيْر في الفلاة سواء([272])

 وكما قال الآخر:

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى

فمالك في طيب الحياة نصيب([273])

ولا ريب أن المتجرد من عواطف الحب بليد الطبع، قاسي القلب، متجرد من أسمى الفضائل.

ولكنَّ حصرَ الحبِّ والعشق في زاوية حب الصور المحرمة_جهل وانحراف؛ ذلك أن مفهوم الحب أوسع، ودائرته أعم، وصوره أشمل.

وما عشق الصور المحرمة إلا زاوية ضيقة من زوايا الحب، بل هي أضيقها، وأضرها؛ فلقد غاب عن هؤلاء أن هذا العشق نقطة في بحر الحب، وغاب عنهم حب الوالدين، وحب الأولاد، وحب المساكين، وحب الزوجة، وحب الفضائل، والمكارم، وحب المعالي والمروءات، وحب الطهر، والعفة، والشجاعة، وحب الصداقة، وغاب عنهم حب اللذات العقلية وهي أرقى وأسمى وألذ من اللذات الجسدية، وألذها لذة العلم، وما يتفرع عنه.

بل لقد غاب عنهم أعظم الحب، وأشرفه، وأنفعه، وأجمله، وأجله، وأكمله، وأبهاه، وهو حب الله_عز وجل_فهو أصل المحاب المحمودة، بل وكل محبة محمودة إنما هي متفرعة عن ذلك.

قال ابن القيم×: =فالمحبة النافعة ثلاثة أنواع: محبة الله، ومحبة في الله، ومحبة ما يعين على طاعة الله_تعالى_واجتناب معصيته.

والمحبة الضارة ثلاثة أنواع: المحبة مع الله، ومحبة ما يبغضه الله، ومحبة ما تقطع محبته عن الله_تعالى_أو تنقصها؛ فهذه ستة أنواع عليها مدار محاب الخلق.

فمحبة الله_عز وجل_أصل المحاب، وأصل الإيمان والتوحيد، والنوعان الآخران تبع لها.

و المحبة مع الله أصل الشرك، والمحابِّ المذمومة، والنوعان الآخران تبع لها+([274]).

وقال في موضع آخر متحدثاً عن فضل محبة الله_عز وجل_: =ولهذا كان أعظم صلاح العبد أن يصرف قوى حبه كلها لله_تعالى_وحده، بحيث يحب الله بكل قلبه، وروحه وجوارحه؛ فيوحِّد محبوبه، ويوحِّد حبه.

فتوحيد المحبوب أن لا يتعدد محبوبه، وتوحيد الحب ألا يبقى في قلبه بقيةُ حبٍّ حتى يبذلها له؛ فهذا الحب_وإن سمي عشقاً_فهو غاية صلاح العبد ونعيمه وقرة عينه، وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله؛ فلا يحب إلا لله+([275]).

ولهذا قال النبي_عليه الصلاة والسلام_: =ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار+([276]).

قال ابن القيم×عن هذا الحديث: =فأخبر أن العبد لا يجد حلاوة الإيمان إلا بأن يكون الله أحب إليه مما سواه، ومحبةُ رسوله هي من محبته، ومحبةُ المرء إن كانت لله فهي من محبة الله، وإن كانت لغير الله فهي مُنقصة لمحبة الله، مُضعفة لها، وتَصْدُقُ هذه المحبة بأن يكون كراهته لأبغض الأشياء إلى محبوبه وهو الكفر بمنزلة كراهته لإلقائه في النار أو أشد.

ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة، فإن الإنسان لا يُقَدِّم على محبة نفسه وحياته شيئاً، فإذا قدم محبة الإيمان بالله على نفسه بحيث لو خيِّر بين الكفر وإلقائه في النار لاختار أن يلقى في النار ولا يكفر_كان الله أحبَّ إليه من نفسه.

وهذه المحبة هي فوق ما يجده سائر العشاق والمحبين من محبة محبوبهم، بل لا نظير لهذه المحبة، كما لا مثل لمن تعلق به، وهي محبةٌ تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد، وتقتضي كمال الذل، والخضوع، والتعظيم، والطاعة، والانقياد ظاهراً وباطناً.

وهذا لا نظير له في محبة مخلوق ولو كان المخلوق من كان+([277]).

وقال×: =والعشق إذا تعلق بما يحبه الله ورسوله كان عشقاً ممدوحاً مثاباً عليه، وذلك أنواع:

أحدها: محبة القرآن؛ بحيث يَغْنى بسماعه عن سماع غيره، ويهيم قلبه في معانيه، ومرادِ المتكلم_سبحانه_منه.

وعلى قدر محبة الله تكون محبة كلامه؛ فمن أحب محبوباً أحب كلامه+([278]).

وقال: =وكذلك محبة ذكره_سبحانه وتعالى_من علامة محبته؛ فإن المحب لا يشبع من ذكر محبوبه، بل لا ينساه؛ فيحتاج إلى من يذكِّره.

وكذلك يحب سماع أوصافه وأفعاله وأحكامه؛ فعشق ذلك كله من أنفع العشق، وهو غاية سعادة العاشق.

وكذلك عشق العلم النافع، وعشق أوصاف الكمال من الجود، والعفة، والشجاعة، والصبر، ومكارم الأخلاق.

ولو صور العلم صورة لكان أجمل من صورة الشمس والقمر.

ولكن عشق هذه الصفات إنما يناسب الأنفس الشريفة الزكية، كما أن محبة الله ورسوله وكلامه ودينه إنما تناسب الأرواح العلوية السماوية الزكية، لا الأرواح الأرضية الدنية.

فإذا أردت أن تعرف قيمة العبد وقدره فانظر إلى محبوبه ومراده، واعلم أن العشق المحمود لا يعرض فيه شيء من الآفات المذكورة+([279]).

 وصدق من قال:

ونفاسة الأشياء في غاياتها

فاحمد رماءك إن أصبت نفيسا([280])

ز_الاغترار ببعض الأقوال التي تبيح العشق: فبعض الناس قد يستهين بشأن العشق، بحجة إباحته، وترخُّص بعض العلماء بذكر أقوال العشاق وذكر قصصهم وأخبارهم، أو بحجة أن بعض أهل الفضل قد وقع في أشراك العشق، أو بحجة أن للعشق بعض الفضائل حيث ذكر بعضهم أنه يزيد في رقة الطبع، وترويح النفس، وخفتها، ورياضتها، وحملها على مكارم الأخلاق من نحو الشجاعة، والكرم، والمروءة، ورقة الحاشية، وغير ذلك مما ذكر([281]).

ومن ثم يقع في العشق من يقع، ثم يلاقي ويلاته ومراراته.

والجواب على ما مضى أن تلك الإيرادات والأقوال لا تقوم بها حجة؛ فالقول بإباحته، ونقل ذلك عن السلف قول غير مقبول؛ لأن الناقلين ذلك عنهم اتكأوا على نقولٍ لا تصح، أو نقولٍ لا تدل على ما ذهبوا إليه.

قال ابن القيم×في شأن تلك النقول: =وشبههم التي ذكروها دائرة بين ثلاثة أقسام، أحدها: نقول صحيحة لا حجة لكم فيها.

والثاني: نُقولٌ كاذبة عمن نسبت إليه من وضع الفساق الفجار كما سنبينه.

الثالث: نُقولٌ مجملة محتملة لخلاف ما ذهبوا إليه+([282]).

ثم شرع_رحمه الله_في تفصيل ذلك.

وقد سئل أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني×مسألة عن العشق، وحكم مواصلة العاشق للمعشوق، وكان السؤال شعراً مكتوباً في رقعة، فأجابه أبو الخطاب قائلاً:

يا أيها الشيخ الأديب الذي

قد فاق أهل العصر في شعره

 ثم قال:

من قارف الفتنة ثم ادعى الـ

ـعصمة قد نافق في أمره

ولايجيز الشرعُ أسباب ما

يورِّط المسلمَ في حظره

فانج ودع عنك صداع الهوى

عساك أن تسلم من شره

هذا جواب الكلوذانيِّ قد

جاءك يرجو الله في أجره([283])

وسئل ابن الجوزي×بأبيات عن جواز العشق مطلعها:

يا أيها العالم ماذا ترى

في عاشق ذاب من الوجد

 فأجابه ابن الجوزي قائلاً:

يا ذا الذي ذاب من الوجد

وظلَّ في ضر وفي جهد

اسمع فدتك النفسُ من ناصحٍ

بنصحه يهدي إلى الرشد

 إلى أن قال:

وكل ما تذكر مستفتياً

حرَّمه الله على العبد

 إلا لما حلَّله ربنا

في الشرع بالإبرام والعقد

فَعَدِّ من طُرْق الهوى معرضاً

وقف بباب الواحد الفرد

وسَلْهُ يشفيك ولا يبتلي

قلبك بالتعذيب والصد

وعف في العشق ولا تبده

واصبر وكاتم غاية الجهد

فإن تمت محتسباً صابراً

تَفُزْ غداً في جنة الخلد([284])

وأما من احتج على جواز العشق بترخص بعض العلماء بذكر أقوال العشاق، وذكر قصصهم وأخبارهم_فيقال له: إنما كان ذلك منهم من باب الاستشهاد، وتصوير الحال، ثم بعد ذلك يوقفون القارىء على الحكم في هذه المسألة، كما في صنيع ابن الجوزي في كتابه (ذم الهوى) وابن القيم في (الجواب الكافي)، و (روضة المحبين) وغيرها من كتبه.

بل إن ابن حزم×لما ألف كتابه (طوق الحمامة في الألفة والأُلاَّف) وذكر فيه طرائق أهل العشق قال في آخره: =وأنا أستغفر الله_تعالى_مما يكتب الملكان، ويحصيه الرقيبان من هذا وشبهه_استغفارَ مَنْ يعلم أن كلامه من عمله.

ولكنه إن لم يكن من اللغو الذي لا يؤاخذ به المرء فهو_إن شاء الله_من اللمم المعفو+([285]).

وقال×على سبيل الوعظ:

رأيت الهوى سهل المبادي لذيذَها

وعقباه مر الطعم ضنك المسالك

ومن عرف الرحمن لم يعصِ أمرَه

ولو أنه يعطي جميع الممالك([286])

وأما من ابتلي بالعشق من أهل الفضل فغاية أمره أن يكون ذلك من سعيه المعفو المغفور، لا من سعيه المبرور المشكور.

وإن كان لم يكتم في عشقه كان ذلك منقصة في حقه؛ إذ أعان بذلك على أن يتسلط الناس على عرضه، ويشمتون به([287]).

وليس في ذلك حجة لمن أراد أن يقتدي به، وإن كان لأحد رغبة في الاقتداء بذلك الفاضل فليكن في أي جانب من جوانب فضله، لا في الجانب الذي يعد زراية به.

وأما القول بأن للعشق فضائل كما ذكر قبل قليل فيقال: بأن هذه الفضائل تحصل في العشق بمفهومه الشامل كما ذكر في فقرة سابقة.

ولو فرض أن هذه المنافع تحصل بالعشق المعهود لما أَرْبَتْ على مفاسده ومضاره، وما كان ضرره أكثر من نفعه_فالمتعين تحريمه، وتركه، وتجنب السبل المفضية إليه.

وقد يستدل بعضهم على جواز العشق وإباحته بحديث: =من عشق، فعف، وكتم، وصبر، ثم مات كان شهيداً+.

وهذا الحديث باطل موضوع كما بين ذلك العلماء([288]).

ح_التهتك والتبرج والسفور: فذلك من أعظم محركات العشق؛ فهو سبب للنظرات الغادرة، التي تعمل عملها في القلب.

هذا وقد سبق الحديث عن هذا السبب في فقرة سابقة.

ط_إطلاق البصر: فبداية العشق في الأغلب تكون عند النظر إلى المحاسن.

وسيأتي الكلام على هذه المسألة مفصلاً_إن شاء الله_.

ي_المعاكسات الهاتفية: فهي من أعظم ما يجر إلى العشق؛ فقد تكون الفتاة حَصَاناً رزاناً لا تُزْنُّ بريبة، ولا تحوم حولها شبهة، وهي من بيت طهر وفضيلة، قد جلله العفاف، وأُسْدل عليه الستر.

فما هي إلا أن تتساهل في شأن الهاتف، وتسترسل في محادثة العابثين حتى تقع فيما لا تحمد عقباه؛ فربما وافقت صفيقاً يغْتَرُّها بمعسول الكلام، فَتَعْلَقُه، وتقع في أشراكه؛ ولا يخفى أن الأذن تعشق قبل العين أحياناً.

وربما زاد الأمر عن ذلك، فاستجر الفتاة حتى إذا وافق غرتها مكر بها، وتركها بعد أن يلبسها عارها.

وربما كانت المبادرة من بعض الفتيات؛ حيث تمسك بسماعة الهاتف وتتصل بأحد من الناس إما أن يكون مقصوداً بعينه، وإما أن يكون الاتصال خبط عشواء؛ فتبدأ بالخضوع له بالقول، وإيقاعه في حبائلها.

والحامل على المعاكسات في الغالب تساهل كثير من الناس في شأن الهاتف، أو الجهل بعواقب المعاكسات، أو من باب التقليد الأعمى، أو حب الاستطلاع، أو غير ذلك من الأمور التي يجمعها الجهل، وعدم النظر في العواقب، وقلة المراقبة لله_تعالى_.

والحديث عن المعاكسات الهاتفية وما تجره من فساد يطول ذكره، وليس هذا مجال بسطه.

والمقصود من ذلك الإشارةُ إلى أن المعاكسات الهاتفية من أعظم الأسباب التي تقود إلى العشق والتعلق؛ فَسَدُّ هذا الباب واجب متعين.

هذه_على سبيل الإجمال_هي الأسباب الحاملة على العشق.

 =كيفية التوبة من العشق+:

وبعد أن تبين فيما مضى خطورة العشق وعظيم جنايته_نصل إلى بيت القصيد في هذه المسألة، ألا وهي التوبة من العشق، وكيفية ذلك.

فعلى من وقع في العشق أن يتوب إلى الله_عز وجل_سواء كان عاشقاً، أو معشوقاً، أو معيناً على ذلك.

فتوبة العاشق تكون بترك العشق، والعزم والمجاهدة على ذلك، وبألا يُظْهر أمرَه، ولا من ابتلي بعشقه؛ فلا يذكره، ولا يشبب به، ولا يسير إليه، ولا يمد طرفه إليه، وأن يقطع الصلاتِ المُذَكِّرةَ به، وأن يأخذ بالأسباب المعينة على ذلك، وأن يصبر على ما يلاقيه خصوصاً في بداية أمره.

وعلى المعشوق أن يتوب إلى الله إن كان مشاركاً، أو متسبباً في غواية العاشق، فيتوب إلى الله من استمالة المعشوق والتزين له، والتحبب إليه، واللقاء به، ومحادثته، ومراسلته.

وعلى من أعان على العشق بالتقريب بين العاشقين بالباطل أن يتوب إلى الله، وأن يَدَعَ ما كان يقوم به، وأن يعلم أن ذلك من الإعانة على الإثم والعدوان، وأنه بذلك يذكي أوار العشق، ويسعر نيرانه؛ فهو يفسد أكثر مما يصلح، وسعيه مأزور غير مشكور؛ فعمله ليس من عمل الخير، ولا من ارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما.

بل إن هذه المفسدة تجر إلى هلاك القلب، وفساد الدين، وأي مفسدة أعظم من هذه؟

وغاية ما يقدَّر من مفسدة الإمساك عن ذلك سقم الجسد أو الموت؛ تفادياً عن التعرض للمحرم([289]).

وإلا فالغالب أن العاقبة تكون نجاة وسلامة.

 =الأسباب المعينة على ترك العشق+:

فمع عظم شأن العشق، وصعوبة الخلاص منه إلا أن ذلك ليس متعذراً ولا مستحيلاً؛ فلكل داء دواء، ولكن الدواء لا ينفع إلا إذا صادف محلاً قابلاً؛ فإذا رام المبتلى بهذا الداءِ الشفاءَ، وسعى إليه سعيه_وفق لما يريد، وأعين على بلوغ المقصود.

وإلا استمر على بلائه، بل ربما زاد شقاؤه.

يقول ابن الجوزي×: =إنما يوصف الدواء لمن يقبل؛ فأما المخلِّط فإن الدواء يضيع عنده+([290]).

وفيما يلي ذكر لبعض الأسباب المعينة على ترك العشق على سبيل الإجمال، أما التفصيل في ذلك فستجده في الباب الثاني من هذا الكتاب ضمن الأمور المعينة على التوبة عموماً.

فمن تلك الأسباب ما يلي: ([291])

أ_الدعاء: والتضرع إلى الله_عز وجل_وصدق اللجأ إليه، والإخلاص له، وسؤاله السلوَّ؛ فإن المبتلى بهذا الداء مضطر، والله يجيب المضطر إذا دعاه.

ب_غض البصر: قال ابن الجوزي×: =والواجب على من وقع بصره على مستحسن، فوجد لذةَ تلك النظرة في قلبه أن يصرف بصره؛ فمتى ما تَثَبَّت في تلك النظرة أو عاود وقع في اللوم شرعاً وعقلاً.

فإن قيل: فإن وقع العشق بأول نظرة فأي لوم على الناظر؟

فالجواب: أنه إذا كانت النظرة لمحة لم تكد توجب عشقاً، إنما يوجبه جمود العين على المنظور بقدر ما تثبت فيه، وذلك ممنوع منه، ولو قدَّرنا وجوده باللمحة؛ فأثَّر محبةً سَهُلَ قمعُ ما حصل+([292]).

إلى أن قال: =فإن قيل: فما علاج العشق إذا وقع بأول لمحة؟

قيل: علاجه الإعراض عن النظر؛ فإن النظر مثل الحبة تلقى في الأرض؛ فإذا لم يلتفت إليها يبست، وإن سقيت نبتت؛ فكذلك النظرة إذا ألحقت بمثلها+([293]).

وقال: =فإن جرى تفريط بإتْباع نظرة لنظرة فإن الثانية هي التي تخاف وتحذر؛ فلا ينبغي أن تحقر هذه النظرة؛ فربما أورثت صبابة صبَّت دم الصبِّ+([294]).

وقال ابن القيم×: =فعلى العاقل ألا يحكِّم على نفسه عشق الصور؛ لئلا يؤدِّيه ذلك إلى هذه المفاسد، أو أكثرها، أو بعضها؛ فمن فعل ذلك فهو المفرط بنفسه، المغرور بها؛ فإذا هلكت فهو الذي أهلكها؛ فلولا تكراره النظر إلى وجه معشوقه، وطمعه في وصاله_لم يتمكن عشقُه من قلبه+([295]).

فعلى من يريد السلامة لنفسه أن يغض طرفه عما تشتهيه نفسه من الحرام، وليكن له في ذلك الغضِّ نيةٌ يحتسب بها الأجر، ويكتسب بها الفضل، ويدخل في جملة من نهى النفس عن الهوى.

هذا وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في الباب الثاني_إن شاء الله تعالى_.

ج_التفكر والتذكر: وذلك باب واسع جداً، والمقام لا يتسع إلا لأقل القليل؛ فليتفكر العاشق في خطواته إلى لقاء محبوبه، وأنها_مع ما فيها من ضم جراح إلى جراح_مكتوبة عليه، وهو مطالب بها.

وليتفكر في مكالمته محبوبَه؛ فإنه مسؤول عنها، مع ما فيها من إلهاب نار الحب.

وليتذكرْ هاذم اللذات، وشدة النزع، وليتفكر في حال الموتى الذين حبسوا على أعمال تجاوزوا فيها؛ فليس منهم من يقدر على محو خطيئة؛ ولا على زيادة حسنة؛ فلا تَعْث يا مطلق!.

وليتصور عَرْضَه على ربه، وتخجيله له بمضيض العتاب.

وليتخيل شهادة المكان الذي وقعت فيه المعصية.

وليمثل في نفسه عند بعض زلله كيف يؤمر به إلى النار التي لا طاقة لمخلوق بها.

وليتصور نفاد اللذة، وبقاء العار والعذاب.

وليتذكر أنه لا يرضى لأحد من محارمه أن يكون معشوقاً؛ إذا كان ذا غيرة، فكيف يرضى ذلك المصير لغيره؟

د_البُعد عن المحبوب: فكل بعيد عن البدن يُؤَثِّر بعده في القلب؛ فليصبر على البعد في بداية الأمر صبر المصاب في بداية مصيبته، ثم إن مَرَّ الأيام يهون الأمر.

فليبتعد عن المحبوب، فلا يراه، ولا يسمع كلامه، ولا يرى ما يذكره به.

هـ_الاشتغال بما ينفع: فقد مر، قبل قليل أن من أسباب العشق الفراغَ؛ لذلك فكل ما يشغل القلب من المعاش، والصناعات، والقيام على خدمة الأهل، ونحو ذلك_فإنه يسلي العاشق؛ لأن العشق شغل الفارغ_كما مر_فهو يمثل صورة المعشوق في خلوته؛ لشوقه إليها؛ فيكون تمثيله لها إلقاء في باطنه؛ فإذا تشاغل بما يوجب اشتغال القلب بغير المحبوب_درس الحبُّ، ودثر العشق، وحصل التناسي.

و_الزواج: ولو بغير من عشقها؛ فإن في الزواج كفاية وبركة وسلوة، وإن كان متزوجاً فليكثر من الجماع؛ فإنه دواء =ووجه كونه دواء أنه يقلل الحرارة التي منها ينتشر العشق.

وإذا ضعفت الحرارة الغريزية حصل الفتور، وبرد القلب؛ فخمد لهب العشق+([296]).

فإن كان المعشوق امرأة يمكن الزواج بها فليفعل؛ فذلك من أنفع الدواء؛ لأن النكاح يزيل العشق، وإن تعسر فليلجأ إلى الله في تسهيله، وليعامله بالصبر على ما نهى عنه، فربما عجل مراده.

وإن عجز عن ذلك، أو كان المعشوق لا سبيل إلى تحصيله كذات الزوج_فليلازم الصبر؛ وليسأل الله السلو.

ز_عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وزيارة القبور، والنظر إلى الموتى، والتفكر في الموت وما بعده؛ فإن ذلك يطفىء نيران الهوى كما أن سماع الغناء واللهو يقويه؛ فما هو كالضد يضعفه.

ح_مواصلة مجالس الذكر: ومجالسةُ الزهاد، وسماع أخبار الصالحين.

ط_قطع الطمع باليأس، وقوةُ العزم على قهر الهوى: فإن أول أسباب العشق الاستحسان، سواء تولَّد عن نظر، أو سماع، فإن لم يقارنه طمع في الوصال، وقارنه الإياس من ذلك_لم يحدث له العشق.

فإن اقترن به الطمع، فصرفه عن فكره، ولم يشتغل قلبه به_لم يحدث له ذلك.

فإن أطال مع ذلك الفكرَ في محاسن المعشوق، وقارنه خوفُ ما هو أكبر عنده من لذة وصاله، إما خوف من دخول النار، وغضب الجبار، وادخار الأوزار، وغلب هذا الخوف على هذا الطمع_لم يحدث له العشق.

فإن فاته هذا الخوفُ، فقارنه خوف دنيوي كخوف إتلاف نفسه، أو ماله، أو ذهاب جاهه، وسقوط مرتبته عند الناس، وسقوطه من عين من يعز عليه، وغلب هذا الخوف لداعي العشق_دفعه.

وكذلك إذا خاف من فوات محبوب هو أحب إليه، وأنفع من ذلك المعشوق، وقدم محبته على محبة ذلك المعشوق_اندفع عنه العشق.

ي_المحافظة على الصلاة: وإعطاؤها حقها من الخشوع، والتكميل لها ظاهراً وباطناً.

قال_تعالى_: [إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ] العنكبوت: 45.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =فإن الصلاة فيها دفع مكروه، وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل محبوب وهو ذكر الله+([297]).

ك_زجر الهمة الأبية: عن مواقف الذل، واكتساب الرذائل، وحرمان الفضائل؛ فمن لم تكن له همة أبية لم يكد يتخلص من هذه البلية؛ فإن ذا الهمة يأنف أن يملك رقَّه شيء، وما زال الهوى يذل أهل العز.

وهذا الذل لا يحتمله ذو أنفة؛ فإن أهل الأنفة حملهم طلب علو القدر على قتل النفوس، وإجهاد الأبدان في طلب المعالي، ونحن نرى طالب العلم يسهر ويهجر اللذات؛ أنفة من أن يقال له: جاهل، والمسافر يركب الأخطار؛ لينال ما يرفع قدره من المال؛ حتى إن رُذالة الخَلْق ربما حملوا كثيراً من المشاق؛ ليصير لهم قدر؛ وهذا القائل يقول:

وكل امرىء قاتلٌ نفسَه

على أن يقال له: إنه([298])

فأما من لا يأنف الذل، وينقاد لموافقة هواه_فذاك خارج عن نطاق المتميزين.

ل_التفكر في عيوب المحبوب: فمحبوبك ليس كما في نفسك؛ فأعمل فكرك في عيوبه تَسْلُ.

قال ابن الجوزي×: =فإن الآدمي محشو بالأنجاس والأقذار، وإنما يرى العاشق معشوقه في حال الكمال، ولا يصور له الهوى عيباً؛ لأن الحقائق لا تنكشف إلا مع الاعتدال، وسلطان الهوى حاكم جائر، يغطي المعايب فيرى العاشقُ القبيحَ من معشوقه حسناً+([299]).

وقال: =وقال الحكماء: عين الهوى عوراء.

وبهذا السبب يعرض الإنسان عن زوجته، ويؤثر عليها الأجنبية، وقد تكون الزوجة أحسن.

والسبب في ذلك أن عيوب الأجنبية لم تَبِنْ له، وقد تكشفها المخالطة.

ولهذا إذا خالط هذه المحبوبة الجديدة، وكشفت له المخالطة ما كان مستوراً_ملَّ، وطلب أخرى إلى ما لا نهاية له+([300]).

وقال×: =فاستعمال الفكر في بدن الآدمي، وما يحوي من القذارة، وما تستر الثياب من المستقبح_يهون العشق؛ ولهذا قال ابن مسعود: إذا أعجبت أحدكم امرأة فليذكر مناتنها.

وقال بعض الحكماء: من وجد ريحاً كريهة من محبوبه سلاه، وكفى بالفكر في هذا الأمر دفعاً للعشق+([301]).

قال أبو نصر بن نباتة:

ما كنت أعرف عيبَ من أحببتُه

حتى سلوت فصرت لا أشتاق

وإذا أفاق الوجد واندمل الهوى

رأت القلوب ولم تر الأحداق([302])

ولهذا تجد العاشق يغالي في المعشوق، ويُصَوِّر له في قلبه ما يصور؛ لأن عقله شبه غائب، مع أن أقرب الناس للمعشوق، وأعرفهم به_لا يرون له ذلك الشأن؛ بل ربما رأوه أقل من ذلك بكثير، بل ربما لم يروا له فضلاً البتة.

م_تَصَوُّر فقدِ المحبوب: إما بموته، أو بفراق يحدث عن غير اختيار، أو بنوع ملل، فيزول ما أوجب المحن الزائدة على الحد التي خسر بها المحب جاه الدنيا والدين.

ن_النظر في العاقبة: أفترى يوسف_عليه السلام_لو زلَّ من كان يكون؟ .

فالعاقل_إذاً_هو من وزن ما يحتوي عليه العشق من لذة ونُغْصَة؛ فنُغَصُهُ كثيرة، وأذاه شديد، وغالب لذاته محرم، ثم هي مشوبة بالغموم، والهموم، وخوف الفراق، وفضيحة الدنيا، وحسرات الآخرة؛ فيعلم الموازنُ بين الأمرين، الناظرُ في العاقبة_أن اللذة مغمورة في جنب الأذى.

وأفضل الناس من لم يرتكب سبباً

حتى يفكر ما تجني عواقبه([303])

س_أن يعلم المبتلى أن الابتلاء سبب لظهور جواهر الرجال: فربما ابتلي الإنسان بذلك، فإن صبر ظهر فضله، وكمل سؤدده، ونقل إلى مرتبة أعلى، وربما نال محبة خالقه تلك المحبة التي تملأ قلبه، وتغنيه عن كل محبة.

ف_النظر فيما يُفَوتُه التشاغل بالعشق من الفضائل: فإن أرباب اليقظة عشقُهم للفضائل من العلوم، والعفة، والصيانة، والكرم، وغير ذلك من الخلال المحمودة_أوفى من ميلهم إلى شهوات الحس؛ لأن شهوات الحس حظ النفس، وتلك الخلال حظ العقلِ والنفسُ الناطقة الفاضلة إلى ما يُؤْثر العقلُ أميلُ، وإن جرَّها الطبع إلى الشهوات الحسية.

هذه بعض الأسباب المعينة على علاج العشق، الواقية_بإذن الله_لمن لم يقع فيه.

فحري بمن أخذ بها أن يُعان، ويوفَّق؛ فإن جاهد، وصابر، ثم بقي بعد ذلك في قلبه ما بقي فإنه لا يلام عليه.

 يقول الجنيد×: =الإنسان لا يعاب بما في طبعه، إنما يعاب إذا فعل بما في طبعه+([304]).

قال ابن حزم×: =لا عيب على من مال بطبعه إلى بعض القبائح ولو أنه أشد العيوب وأعظم الرذائل، ما لم يظهره بقول أو فعل.

بل يكاد يكون أحمدَ ممن أعان طبعه على الفضائل.

ولا تكون مغالبة الطبع الفاسد إلا عن قوة عقل فاضل+([305]).

وقال ابن الجوزي×بعد إيراده عدداً من الأدوية النافعة لداء العشق: =فإن قال قائل: فما تقول فيمن صبر عن حبيبه، وبالغ في استعمال الصبر، غير أن خيال الحبيب في القلب لا يزول، ووسواس النفس به لا ينقطع؟ .

فالجواب: أنه إذا كففت جوارحك فقد قطعت موادَّ الماء الجاري، وسنيضب ما حصل في الوادي مع الزمان، خصوصاً إذا طلعت عليه شمسُ صيف الخوف، ومرت به سَمُومُ المراقبة لمن يرى الباطن_فما أعجل ذهابه.

ثم استغث بمن صَبَرْتَ لأجله، وقل: إلهي! فعلتُ ما أطقتُ؛ فاحفظ لي ما لا طاقة لي بحفظه+([306]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية×في معرض حديث له عن العشق، وعلاجه: =وميلُ النفس إلى النساء عام في طبع جميع بني آدم، وقد يبتلى كثير منهم بالميل إلى الذكران كالمردان، وإن لم يكن بفعل الفاحشة الكبرى كان بما هو دون ذلك من المباشرة، وإن لم تكن كان بالنظر، ويحصل للنفس بذلك ما هو معروف عند الناس.

وقد ذكر الناس من أخبار العشاق ما يطول وصفه؛ فإذا ابتلي المسلم ببعض ذلك كان عليه أن يجاهد نفسه في طاعة الله_تعالى_وهو مأمور بهذا الجهاد، وليس هو أمراً حرَّمه على نفسه؛ فيكون في طاعة نفسه وهواه.

بل هو أمر حرَّمه الله ورسوله، ولا حيلة فيه؛ فتكون المجاهدة للنفس في طاعة الله ورسوله+([307]).

وقال في موضع آخر: =وليتخذ ورداً من الأذكار في النهار، ووقت النوم، وليصبر على ما يعرض له من الموانع والصوارف؛ فإنه لا يلبث أن يؤيده الله بروح منه، ويكتب الإيمان في قلبه.

وليحرص على إكمال الفرائض من الصلوات الخمس، باطنة وظاهرة؛ فإنها عمود الدين.

وليكن هِجِّيراه =لا حول ولا قوة إلا بالله+ فإنها بها تحمل الأثقال، وتكابد الأهوال، وينال رفيع الأحوال+([308]).

وقال×: =فأما إذا ابتلي بالعشق وعف وصبر فإنه يثاب على تقوى الله.

وقد روي في الحديث أن =من عشق فعف، وكتم، وصبر، ثم مات كان شهيداً+([309]).

وهو معروف من رواية يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً، وفيه نظر، ولا يحتج بهذا.

لكن من المعلوم بأدلة الشرع أنه إذا عف عن المحرمات نظراً، وقولاً، وعملاً، وكتم ذلك فلم يتكلم به حتى لا يكون في ذلك كلام محرم: إما شكوى إلى المخلوق، وإما إظهار فاحشة، وإما نوع طلب للمعشوق.

 وصبَرَ على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى ما في قلبه من ألم العشق كما يصبر المصاب عن ألم([310]) المصيبة_فإن هذا يكون ممن اتقى الله وصبر+([311]).

وقال×في موضع آخر: =فإن الله أمر بالتقوى والصبر؛ فمن التقوى أن يعف عن كل ما حرم الله، من نظر بعين، ومن لَفْظ بلسان، ومن حركة برجل.

والصبر أن يصبر عن شكوى ما به إلى غير الله؛ فإن هذا هو الصبر الجميل.

وأما الكتمان فيراد به شيئان:

أحدهما: أن يكتم بثَّه وألمه، ولا يشكو إلى غير الله؛ فمتى شكى إلى غير الله نقص صبره.

وهذا أعلى الكتمانين، ولكن هذا لا يصبر عليه كلُّ أحد، بل كثير من الناس يشكو ما به، وهذا على وجهين: فإن شكى إلى طبيب يعرف طبَّ النفوس؛ ليعالج نفسه بعلاج الإيمان؛ فهو بمنزلة المستفتي، وهذا حسن.

وإن شكى إلى من يعينه على المحرم فهذا حرام، وإن شكى إلى غيره؛ لما في الشكوى من الراحة_كما أن المصاب يشكو مصيبته إلى الناس من غير أن يقصد تعلُّم ما ينفعه، ولا الاستعانة على معصيته_فهذا ينقص صبره، لكن لا يأثم مطلقاً إلا إذا اقترن به ما يحرم، كالمصاب الذي يتسخط.

والثاني: أن يكتم ذلك فلا يتحدث به مع الناس؛ لما في ذلك من إظهار السوء والفحشاء؛ فإن النفوس إذا سمعت مثل هذا تحركت، وتشهَّت، وتمنت، وتتيمت.

والإنسان متى رأى، أو سمع، أو تخيَّل من يفعل ما يشتهيه كان ذلك داعياً إلى الفعل+([312]).

هذا وسيأتي مزيد حديث عن العشق في الباب الثاني_إن شاء الله_.


الباب الثاني

الطريق إلى التوبة

وتحته ثلاثة فصول:

الفصل الأول: أمور تعين على التوبة.

الفصل الثاني: التوبة طريق السعادة.

وتحته مبحثان:

 المبحث الأول: الوقوف على سر السعادة

 المبحث الثاني: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.

الفصل الثالث: نماذج من أحوال العصاة، ونماذج من أحوال التائبين.

وتحته مبحثان:

المبحث الأول: نماذج من أحوال العصاة.

المبحث الثاني: نماذج من أحوال التائبين.

الباب الثاني

الطريق إلى التوبة

الفصل الأول


وبعد أن تبين لنا معنى التوبة، وأهميتها، وفضلها، وشيء من أحكامها، ومسائلها، وأخطاء الناس في شأنها_هذه أمور معينة على التوبة؛ عسى الله أن يذكر بها ناسياً، وينبه بها غافلاً؛ فكثير من الناس لا يخفى عليه حرمة ما يفعله أو يتركه، ولا يبحث عن ذلك لعلمه به، وإنما يبحث في السبل المعينة له على الترك أو الفعل.

ولقد مضى ذكر لبعض الأمور المعينة على التوبة من بعض الذنوب على سبيل الإجمال، والحديث في هذا الفصل ذكر لأمور تعين على التوبة عموماً؛ فمن تلك الأمور ما يلي:

1_ الإخلاص لله، والإقبال عليه_عز وجل_: فالإخلاص لله_عز وجل_أنفع الأدوية، فإذا أخلص الإنسان لله، وصدق في طلب التوبة أعانه الله عليها، ويسره لها، وأمده بألطاف لا تخطر بالبال، وصرف عنه الآفات التي تعترض طريقه، وتصده عن توبته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله، والإخلاص له لم يكن عنده شيء قَطُّ أحلى من ذلك، ولا ألذّ، ولا أمتع، ولا أطيب.

والإنسان لا يترك محبوباً إلا بمحبوب آخر يكون أحبَّ إليه، أو خوفاً من مكروه؛ فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح، أو بالخوف من الضرر.

قال الله_تعالى_في حق يوسف: [كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ] يوسف: 24.

فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور، والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله.

ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص له، بحيث تغلبه نفسه على اتباع هواها؛ فإذا ذاق طعم الإخلاص، وقوي في قلبه انقهر بلا علاج+([313]).

وقال×عن يوسف_عليه السلام_: =فأخبر_سبحانه_أنه صرف عن يوسف السوء من العشق، والفحشاء من الفعل بإخلاصه؛ فإن القلب إذا أُخْلِص وأَخْلَص عمله لله_لم يتمكن منه عشق الصور؛ فإنه إنما يتمكن من القلب الفارغ+([314]).

وقال: =وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء، كما قال_تعالى_: [كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ] يوسف: 24.

فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته ما يمنعه من محبة غيره؛ إذ ليس عند القلب السليم أحلى، ولا ألذ، ولا أطيب، ولا أسر، ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاص الدين له.

وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيباً إلى الله، خائفاً منه، راغباً، راهباً+([315]).

وقال: =وإذا كان العبد مخلصاً لله اجتباه ربه، فأحيا قلبه، واجتذبه إليه،؛ فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من ضد ذلك.

بخلاف القلب الذي لم يخلص لله؛ فإن فيه طلباً، وإرادة، وحباً مطلقاً، فيهوي كل ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه كالغصن أي نسيم مرَّ به عطفه، وأمالَهُ؛ فتارة تجتذبه الصور المحرمة وغير المحرمة، فيبقى أسيراً عبداً لمن لو اتخذه هو عبداً له لكان ذلك عيباً ونقصاً وذماً.

وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق.

وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوبَ، والقلوبُ تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع بغير هدى من الله.

ومن لم يكن خالصاً لله، عبداً له، قد صار قلبه معبداً لربه وحده لا شريك له بحيث يكون الله أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلاً له خاضعاً، وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه+([316]).

وقال ابن القيم×: =فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشاً، وأنعمهم بالاً، وأشرحهم صدراً، وأسرهم قلباً، وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة+([317]).

2_ امتلاء القلب من محبة الله_عز وجل_: فالمحبة أعظم محركات القلوب؛ فهي الباعث الأول للأفعال والتروك.

وما أُتي من اسْتُذِل واستعبد لغير الله بمثل ما أُتي من باب المحبة؛ فالقلب إذا خلا من محبة الله تناوشته الأخطار، وتسلطت عليه سائر الرغائب والمحبوبات، فشتَّتته، وفرقته، وذهبت به كل مذهب.

فإذا امتلأ القلب من محبة الله بسبب العلوم النافعة والأعمال الصالحة_كَمُلَ أنسه، وطاب نعيمه، وسلم من التعلق بسائر الشهوات، وهان عليه فعل سائر القربات؛ فمن المتقرر أن في القلب فقراً ذاتياً، وجوعة وشعثاً وتفرقاً.

ولا يغني هذا القلب، ولا يلم شعثه، ولا يسد خلته إلا عبادة الله، و محبته.

فأجدر بمن يريد الإقبال على الله، والإنابة إليه أن يملأ قلبه من محبة الله؛ ففي ذلك سروره، ونعيمه، وأنسه، وفلاحه.

قال ابن تيمية×: =والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة، وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو السعادة.

والضارة هي التي تجلب لصاحبها ما يضره وهو الشقاء+([318]).

وقال: =ففي قلوب بني آدم محبة لما يتألهونه ويعبدونه، وذلك هو قوام قلوبهم، وصلاح نفوسهم.

كما أن فيهم محبةً لما يطعمونه وينكحونه، وبذلك تصلح حياتهم ويدوم شملهم.

وحاجتهم إلى التأله أعظم من حاجتهم إلى الغذاء؛ فإن الغذاء إذا فُقد يفسد الجسم، وبفقد التأله تفسد النفس+([319]).

وقال ابن القيم×: =فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب، وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذة، ولا نعيم، ولا فلاح، ولا حياة إلا بها.

وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورَها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقد شمه، واللسان إذا فقد نطقه؟ !

بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحقِّ أعظم من فساد البدن إذا خلا من الروح.

وهذا الأمر لا يصدق به إلا من فيه حياة، وما لجرح بميت إيلام+([320]).

وقال×عن محبة الله_عز وجل_: =وهي من أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة وسلطانها، وفَرْقٌ بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفُه من سوطه وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبُّه لسيده+([321]).

وقال×: =فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه يرعى قلبه وجوارحه، وعلامة صدق المحبة شهود هذا الرقيب ودوامه.

وههنا لطيفة يجب التنبه لها، وهي أن المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه؛ فإذا قارنها بالإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياء والطاعة.

وإلا فالمحبة الخالية عنهما إنما توجب نوع أنس وانبساط وتذكر واشتياق؛ ولهذا يتخلف عنها أثرها ومُوجبها، ويفتش العبد قلبه فيرى نوع محبة لله، ولكن لا تحمله على ترك معاصيه، وسبب ذلك تجردها عن الإجلال والتعظيم؛ فما عَمَرَ القلبَ شيءٌ كالمحبة المقترنة بإجلاله وتعظيمه، وتلك من أفضل المواهب أو أفضلها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء+([322]).

3_ المجاهدة: فالمجاهدة عظيمة النفع، كثيرة الجدوى؛ معينة على الإقصار عن الشر، دافعة إلى المبادرة إلى الخير؛ ذلك أن النفوس طلعة إلى الشرور، مؤثرة للكسل والبطالة؛ فإذا راضها الإنسان، وجاهدها في ذات الله فليبشر بالخير، والإعانة والهداية.

قال_تعالى_: [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ] العنكبوت: 69.

قال ابن المبارك×:

ومن البلايا للبلاء علامةٌ

ألا يرى لك من هواك نزوع

العبدُ عبدُ النفس في شهواتها

والحر يشبع تارة ويجوع([323])

وقال الآخر:

النفس إن أعطيتها مناها

 فاغرة نحو هواها فاها

وقال الآخر:

إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت

ولم ينهها تاقت إلى كل مطلب

وقال أبو العباس الناشىء:

إذا المرء يحمي نفسه حِلَّ شهوةٍ

لصحة أيام تبيد وتنفد

فما باله لا يحتمي من حرامها

لصحة ما يبقى له ويخلَّدُ([324])

وقيل إن علي بن أبي طالب÷كان ينشد هذين البيتين:

اقدع النفس بالكفاف وإلا

طلبت منك فوق ما يكفيها

إنما أنت طول عُمْرك ما عُمَّرت في الساعة التي أنت فيها([325])

وقال الآخر:

ومن يطعم النفس ما تشتهي

كمن يطعم النارَ جَزْل الحطب([326])

=ويقولون: إن سليمان بن عبدالملك لم يقل بيت شعر قط إلا هذا البيت:

إذا أنت لم تعصِ الهوى قادك الهوى

إلى بعض ما فيه عليك مقال([327])

ولا تعني المجاهدة أن يجاهد المرء نفسه مرة أو مرات، وإنما يجاهدها في ذات الله حتى الممات.

فإذا وطن نفسه على المجاهدة أقبلت عليه الخيرات، وانهالت عليه البركات.

قال ابن عقيل الحنبلي×: =ولو لم يكن من بركات مجاهدة النفس في حقوق الله، والانتهاء عن محارم الله_إلا أنه يعطف عليك، فيسخّرها لك، ويطوّعها لأمرك، حتى تنقاد لك، ويسقط عنك مؤونة النزاع لها، حتى تصير طوع يدك وأمرك، تعاف المستطاب عندها إذا كان عند الله خبيثاً، وتُؤْثر العمل لله وإن كان عندها بالأمس كريهاً، وتستخفه وإن كان عليها ثقيلاً، حتى تصير رقَّاً لك بعد أن كانت تَسْتَرقُّك.

وكذا كل من حقق العبودية لسيده استعبد له من كان يملكه، وألان له ما كان يعجزه+([328]).

إلى أن قال×: =ما أبرك طاعة الله على المطيع؛ قوم سخر لهم الرياح، والمياه، والحيوانات، وقوم أعاق عليهم الحوائج، وكسرها في صدورهم+([329]).

ولو لم يأت الإنسان من مجاهدة النفس، ومخالفة الهوى إلا أن يتحرر من رق الهوى، وسلطان الشهوة.

رب مستور سبته شهوة

فتعرى ستره فانهتكا

 صاحب الشهوة عبد فإذا

غلب الشهوة أضحى ملكا([330])

قال ابن الجوزي×: =وفي قوة قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة؛ ألا ترى إلى كل مغلوب بالهوى كيف يكون ذليلاً؛ لأنه قُهِر، بخلاف غالب الهوى فإنه يكون قوي القلب عزيزاً؛ لأنه قَهَر+([331]).

وقال: =بالله عليك يا مرفوع القدر بالتقوى! لا تبع عزها بذل المعاصي، وصابر عطش الهوى في هجير المشتهى وإن أمَضَّ وأرمض+([332])([333]).

وقال: =بالله عليك تذوَّق حلاوة الكفِّ عن المنهي؛ فإنها شجرة تثمر عز الدنيا وشرف الآخرة.

ومتى اشتد عطشك إلى ما تهوى فابسط أنامل الرجاء إلى من عنده الرِّيُّ الكامل، وقل: قَدْ عِيل صبر([334]) الطبع في سِنِيِّه العجاف؛ فعَجِّلْ لي العام الذي فيه أُغاث، وأعصر+([335]).

وقال×: =إخواني! احذروا لجة هذا البحر، ولا تغتروا بسكونه، وعليكم بالساحل، ولازموا حصن التقوى؛ فالعقوبة مرة، واعلموا أن في ملازمة التقوى مراراتٍ من فقد الأغراض والمُشتهيات، غير أنها في ضرب المثل كالحمية تعقب صحة، والتخليط ربما جلب موت الفجأة+([336]).

4_ قِصَر الأمل، وتَذَكُّر الآخرة: فإذا تذكر المرء قِصَرَ الدنيا، وسرعة زوالها، وأدرك أنها مزرعة للآخرة، وفرصة لكسب الأعمال الصالحة، وتذكر ما في الجنة من النعيم المقيم، وما في النار من النكال والعذاب الأليم_أقصر عن الاسترسال في الشهوات، وانبعث إلى التوبة النصوح وتدارك ما فات بالأعمال الصالحات.

قَصِّر الآمالَ في الدنيا تَفُزْ

فدليل العقل تقصير الأمل([337])

عن ابن عمر_رضي الله عنهما_قال: =أخذ رسول الله”بمنكبي، فقال: =كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل+.

وكان ابن عمر يقول: =إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك+([338]).

قال الإمام ابن رجب×تعليقاً على هذا الحديث: =وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطناً ومسكناً، فيطمئن فيها.

ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يهيىء جهازه للرحيل، وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم+([339]).

قال ابن عقيل×: =ما تصفو الأعمال والأحوال إلا بتقصير الآمال؛ فإن كل من عَدَّ ساعته التي هو فيها كمرض الموت_حَسُنَتْ أعمالُه، فصار عمره كله صافياً+([340]).

وقال ابن الجوزي×: =من تَفَكَّر في عواقب الدنيا أخذ الحذر، ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر+([341]).

وقال×: =أعجب الأشياء اغترار الإنسان بالسلامة، وتأميله الإصلاح فيما بعد.

وليس لهذا الأمل منتهى، ولا للاغترار حَدٌّ؛ فكلما أصبح وأمسى معافى زاد الاغترار وطال الأمل+([342]).

وقال ابن القيم×: =صدق التأهب للقاء الله من أنفع ما للعبد وأبلغه في حصول استقامته؛ فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا، وما فيها ومطالبها، وخمدت من نفسه نيران الشهوات، وأخبت قلبه إلى الله، وعكفت همته على الله، وعلى محبته، وإيثار مرضاته، واستحدثت همة أخرى، وعلوماً أخر، ووُلِد ولادة أخرى تكون نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن أمه، فيولد قلبه ولادة حقيقية كما ولد جسمه حقيقة.

وكما كان بطن أمه حجاباً لجسمه عن هذه الدار فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة؛ فخروج قلبه عن نفسه بارزاً إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزاً إلى هذه الدار+([343]).

إلى أن قال×: =والمقصود أن صدق التأهب هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة، والأحوال الإيمانية، ومقامات السالكين إلى الله، ومنازل السائرين إليه، من اليقظة، والتوبة، والإنابة، والمحبة، والرجاء، أو الخشية، والتفويض، والتسليم، وسائر أعمال القلوب والجوارح؛ فمفتاح ذلك كله صدقُ التأهب والاستعداد للقاء الله، والمفتاح بيد الفتاح العليم، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه+([344]).

وقال×متحدثاً عن الأسباب التي تعين الإنسان على الصبر على المعصية: =السبب الثامن: قصر الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية وهو مُزْمعٌ على الخروج منها، أو كراكب قال في ظل شجرة ثم سار وتركها؛ فهو لعلمه بقلة مقامه وسرعة انتقاله حريص على ترك ما يثقله حمله ويضره ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخير ما بحضرته؛ فليس للعبد أنفع من قصر الأمل، ولا أضر من التسويف وطول الأمل+([345]).

5_ العلم: فالعلم نور يستضاء به، ويُنظر من خلاله إلى الأمور على حقيقتها.

والعلم يَشْغَل صاحبه بكل خير، ويُشْغله عن كل شر؛ فإذا فُقِد العلم فقدت البصيرة، وحل الجهل، وانطمست المعالم أمام الإنسان، واختل ميزان الفضيلة والرذيلة عنده؛ فلم يعد يفرق بين ما يضره وما ينفعه، فيصبح بذلك عبداً للشهوة، أسيراً للهوى؛ فما أتي الإنسان من باب كما يؤتى من باب الجهل؛ فحري بالعاقل الناصح لنفسه ألا يبخس حظه من العلم، وأن ينال ولو قدراً يسيراً منه.

ومن العلم في هذا السياق العلم بعاقبة المعاصي، وقبحها، ورذالتها، ودناءتها، وأن الله إنما حرمها ونهى عنها صيانة وحماية عن الدنايا والرذائل كما يحمي الوالدُ الشفيقُ ولدَه عما يضره.

وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يُُعَلَّقْ عليها وعيدٌ بالعذاب([346]).

ومن العلم_أيضاً_أن يعلم بفضل التوبة والرجوع إلى الله_عز وجل_كما سيأتي في الفقرات التالية.

ثم إن في العلم سلوة، وراحة، ولذة، وأنساً لا يوجد في غيره، فهو أعلى اللذات العقلية، واللذاتُ العقلية أكمل، وأروع، وأنفع من اللذات الجسدية.

ولهذا يجد أهل العلم من اللذة في العلم ما لا يحاط به، أو يقدر على وصفه، يقول الإمام الشافعي×مبيناً عظم اغتباطه بالعلم، ولذته وفرحه به:

سهري لتنقيح العلوم ألذُّ لي

من وصل غانية وطيب عناق

صرير أقلامي على صفحاتها

أحلى من الدوكاء والعشاق

وألذ من نقر الفتاة لدُفِّها

نقري لألقي الرمل عن أوراقي

وتمايلي طرباً لحل عويصةٍ

في الدرس أشهى من مدامة ساقي

وأبيت سهران الدجى وتبيته

نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي([347])

6_ الاشتغال بما ينفع، وتجنب الوحدة والفراغ: ذلك أن الفراغ يأتي على رأس الأسباب المباشرة للانحراف؛ فالقطاع الكبير من الشباب يعاني من فراغ قاتل يؤدي إلى الانحراف والشذوذ، وإدمان المخدرات، ويقود إلى رفقة السوء، وعصابات الإجرام، ويتسبب في تدهور الأخلاق، وضيعة الآداب.

فإذا اشتغل الإنسان بما ينفعه في دينه ودنياه قلَّت بطالته، ولم يجد فرصة للفساد والإفساد.

قال ابن القيم×: =ومن أعظم الأشياء ضرراً على العبد بطالته وفراغه؛ فإن النفس لا تقعد فارغة، بل إن لم يشغلها بما ينفعها شغلته بما يضره ولابد+([348]).

7_ البعد عن المثيرات، وما يذكر بالمعصية: فيبتعد عن كل ما يثير فيه دواعي المعصية، ونوازع الشر، ويبتعد عن كل ما يثير شهوته، ويحرك غريزته من مشاهدة للأفلام الخليعة، وسماع للأغاني الماجنة، وقراءة للكتب السيئة، والمجلات الداعرة.

كما عليه أن يقطع صلته بكل ما يذكره بالمعصية من أماكن الخنا، ومنتديات الرذيلة التي تذكره بالمعصية، وتدعوه إليها؛ فالشيء إذا قطعت أسبابه التي تمده زال واضمحل؛ فالقرب من المثيرات بلاء وشقاء، والبعد عنها جفاء وعزاء؛ فكل بعيد عن البدن يؤثر بعده في القلب؛ فليصبر على مضض الفراق صبر المصاب في بداية المصيبة، ثم إن مر الأيام يهون الأمر، خصوصاً إذا كان ذلك مما يثير العشق والغرام، قال زهير بن الحباب الكلبي:

إذا ما شئت أن تسلو حبيباً

فأكثر دونه عدد الليالي

فما سلى حبيبك غيرُ نأي

ولا أبلى جديدك كابتذال([349])

وقال امرؤ القيس:

وإنك لم تقطع لبانة عاشق

بمثل رواح أو غدوٍّ مأوِّبِ([350])

ومن البعد عن المثيرات أن يبتعد الإنسان عن الفتن؛ لأن البعد عنها نجاة وسلامة، والقرب منها مدعاة للوقوع فيها.

قال ابن الجوزي×: =من قارب الفتنة بعدت عنه السلامة، ومن ادعى الصبر وكل إلى نفسه، وربَّ نظرةٍ لم تناظِر([351]).

وأحق الأشياء بالضبط والقهر_اللسان والعين؛ فإياك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى مع مقاربة الفتنة؛ فإن الهوى مكايد، وكم من شجاع في الحرب اغتيل، فأتاه ما لم يحتسب.

فَتَبَصَّرْ ولا تَشَمْ كلَّ برقٍ

رب برق فيه صواعق حَيْنِ([352])

واغضضِ الطرفَ تَسْتَرح من غرام

تكتسي فيه ثواب ذلٍّ وشين

فبلاء الفتى موافقة النفـ

ـس وبدءُ الهوى طموح العين([353])

وقال×: =ما رأيت أعظم فتنة من مقاربة الفتنة، وقل أن يقاربها إلا من يقع فيها، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه+([354]).

ومن المثيرات التي يجدر بالإنسان تجنبها فضول الطعام، والمنام، ومخالطة الأنام؛ فإن قوة المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضلات؛ فإنها تطلب مَصْرفاً، فيضيق عليها المباح، فتتعداه إلى الحرام([355]).

ومن البعد عن المثيرات البعد عن الكتب التي تحرك نوازع الشر، وتحبب الفساد لقرائها، كما في بعض كتب الأدب التي تحتوي على الكلام البذيء، والأدب المكشوف الذي يستقر في أدمغة الشباب استقرار البارود.

وهل الأدب المكشوف إلا سوءة من سوءات الفكر؟ حتى إن الخمر التي لا ينازع في مفسدتها إلا من غرق بسكرة الجهل والغواية_وجَدتْ من يصفها بأبدع الأوصاف؛ فكثير من الشعراء قد طغى به الإبداع في المقال إلى أن نسقوا في مديحها صفات الخيال، وضربوا للتنويه بشأنها الأمثال، فاستهووا لمعاقرتها عبيد الخيال، والشعراء يتبعهم الغاوون.

وبالجملة_فإن مثلَ النفوس_بما جبلت عليه من ميل للشهوات، وما أودع فيها من غرائز تميل مع الهوى حيثما مال_كمثل البارود، والوقود، وسائر المواد القابلة للاشتعال؛ فإن هذه المواد وما جرى مجراها متى كانت بعيدة عما يُشْعل فتيلها، ويذكي أوارها_بقيت ساكنة لا يخشى خطرها، والعكس بالعكس.

وكذلك النفوس؛ فإنها تظل ساكنة وادعة هادئة، فإذا اقتربت مما يثيرها، ويحرك نوازعها إلى الشرور من مسموع، أو مشموم أو منظور_ثارت كوامنها، وهاجت شرورها، وتحرك داؤها، وطغت أهواؤها.

قال ابن حزم×:

لا تلم مَنْ عَرَّض النفس لما

ليس يرضي غيره عند المحن

لا تقرِّبْ عرفجاً من لهب

ومتى قربته قامت دُخن([356])

وقال:

لا تُتْبِع النفسَ الهوى

ودع التعرض للمحن

إبليسُ حيٌّ لم يمت

والعين بابٌ للفتن([357])

8_ غض البصر: فالعين مرآة القلب، وإطلاق البصر يورث المعاطب، وغض البصر يورث الراحة؛ فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته، وقد مر فيما مضى ذكر لغض البصر وأثره على قلب الإنسان، والحديث في هذه الفقرة إكمال لما مضى.

قال_تعالى_: [قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ] النور: 30.

قال ابن تيمية×: =فجعل_سبحانه_غض البصر وحفظ الفرج هو أقوى تزكية للنفوس.

وزكاةُ النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من الفواحش، والظلم، والشرك، والكذب، وغير ذلك+([358]).

وقال ابن القيم×: =ووقعت مسألةٌ: ما تقول السادة العلماء في رجل نظر إلى امرأة نظرة فعلق حبُّها بقلبه، واشتد عليه الأمر، فقالت له نفسه: هذا كله من أول نظرة فلو أعدت النظر إليها لرأيتها دون ما في نفسك فسلوت عنها؛ فهل يجوز تعمُّد النظر ثانياً لهذا المعنى؟

فكان الجواب: الحمد لله، لا يجوز هذا لعشرة أوجه:

أحدها: أن الله_سبحانه_أمر بِغَضِ البصر ولم يجعل شفاء القلب فيما حرمه على العبد.

الثاني: أن النبي”سئل عن نظر الفجأة، وقد علم أنه يؤثر في القلب، فأمر بمداواته بصرف البصر لا بتكرار النظر.

الثالث: أنه صرح بأن الأولى له، وليست له الثانية، ومُحالٌ أن يكون داؤه مما له، ودواؤه فيما ليس له.

الرابع: أن الظاهر قوة الأمر بالنظرة الثانية لا تناقضه، والتجربة شاهدة به، والظاهر أن الأمر كما رآه أول مرة، فلا تحسن المخاطرة بالإعادة.

الخامس: أنه ربما رأى ما هو فوق الذي في نفسه، فزاد عذابه.

السادس: أن إبليس عند قصده للنظرة الثانية يقوم في ركائبه، فيزين له ما ليس بحسن؛ لتتم البلية.

السابع: أنه لا يعان على بليته إذا أعرض عن امتثال أوامر الشرع، وتداوى بما حرمه عليه، بل هو جدير أن تتخلف عنه المعونة.

الثامن: أن النظرة الأولى سهمٌ مسموم من سهام إبليس، ومعلوم أن الثانية أشد سمَّاً؛ فكيف يتداوى من السم بالسم؟

التاسع: أن صاحب هذا المقام في مقام معاملة الحق_عز وجل_في ترك محبوب_كما زعم_وهو يريد بالنظرة الثانية أن يتبين حال المنظور إليه؛ فإن لم يكن مَرْضِيَّاً تركه؛ فإذاً يكون تركه لأنه لا يلائم([359]) غرضه، لا لله_تعالى_فأين معاملة الله_سبحانه_بترك المحبوب لأجله؟ .

العاشر: يتبين بضرب مَثَلٍ مطابق للحال، وهو أنك إذا ركبت فرساً جديداً فمالت بك إلى درب ضيق لا ينفذ، ولا يمكنها أن تستدير فيه للخروج، فإذا همَّت بالدخول فيه فاكبحها؛ لئلا تدخل، فإذا دخلت خطوة أو خطوتين فصِحْ بها ورُدَّها إلى وراء عاجلاً قبل أن يتمكن دخولها، فإذا رَدَدْتها إلى ورائها سهل الأمر، وإذا توانيت حتى ولجت، وسقتها داخلاً ثم قمت تجذبها بذَنبها عسر عليك أو تعذر خروجها؛ فهل يقول عاقل إن طريق تخليصها سوقُها إلى داخل؟

فكذلك النظرة إذا أثَّرت في القلب، فإن عجل الحازم، وحَسَم المادة من أولها سهل علاجه، وإن كرر النظر، ونقَّب عن محاسن الصور، ونقلها إلى قلب فارغ، فنقشها فيه_تمكنت المحبة، وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة، فلا تزال شجرة الحب تنمي حتى يفسد القلب ويُعْرض عن الفكر فيما أمر به، فيخرج بصاحبه إلى المحن، ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن، ويُلقي القلب في التلف.

والسبب في هذا أن الناظر التذت عينُه بأول نظرة، فطلبت المعاودة، كأكل الطعام الذي إذا تناول منه لقمة، ولو أنه غض أولاً لاستراح قلبه وسلم.

وتأمل قول النبي”: =النظرة سهم مسموم من سهام إبليس+([360]).

فإن السهم شأنه أن يسري في القلب، فيعمل فيه عمل السم الذي يُسقاه المسموم، فإن بادر واستفرغه، وإلا قتله ولابد+([361]).

وقال×: =ولما كان النظر أقرب الوسائل إلى المحرم اقتضت الشريعة تحريمه، وأباحته في موضع الحاجة، وهذا شأن كل ما حُرِّم تحريم الوسائل؛ فإنه يباح للمصلحة الراجحة+([362]).

قال جرير بن عبدالله_رضي الله عنهما_: =سألت رسول الله”عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري+([363]).

قال ابن القيم×: =ونظر الفجأة هي النظرة الأولى التي تقع بغير قصد من الناظر؛ فما لم يعتمدْه([364]) القلب لا يعاقب عليه، فإذا نظر الثانية تعمداً أثِمَ؛ فأمره النبي”عند نظر الفجأة أن يصرف بصره، ولا يستديم النظر؛ فإن استدامته كتكريره.

وأرشد من ابتلي بنظر الفجأة أن يداويه بإتيان امرأته، وقال: =إن معها مثل الذي معها+([365]).

فإن في ذلك التسلي عن المطلوب بجنسه.

والثاني: أن النظر يثير قوة الشهوة فأمره بتنقيصها بإتيان أهله؛ ففتنة النظر أصل كل فتنة كما ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد_رضي الله عنهما_أن النبي”قال: =ما تركت بعدي فتنة هي أضرَّ على الرجال من النساء+([366])([367]).

وقال ابن القيم×مبيناً فوائد غض البصر: =وفي غض البصر عدة فوائد:

أحدها: تخليص القلب من ألم الحسرة؛ فإن من أطلق نظره دامت حسرتُه؛ فأضر شيء على القلب إرسال البصر؛ فإنه يريه ما يشتد طلبه، ولا صبر له عنه، ولا وصول له إليه، وذلك غاية ألمه، وعذابه.

قال الأصمعي: رأيت جارية في الطواف كأنها مهاة؛ فَجَعَلْتُ أنظر إليها، وأملأ عيني من محاسنها، فقالت: يا هذا ما شأنك؟ قلت: وما عليك من النظر؟ فأنشأت تقول:

وكنتَ متى أرسلتَ طرفَك رائداً

لقلبك يوما أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا كله أنت قادر

عليه ولا عن بعضه أنت صابر

والنظرة تفعل في القلب ما يفعله السهم في الرمِيَّة، فإن لم تقتله جرحته، وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس، فإن لم تحرقه كله أحرقت بعضه كما قيل:

كل الحوادث مبداها من النظر

ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرةٍ فتكتْ في قلب صاحبها

فتك السهام بلا قوس ولا وتر

والمرء ما دام ذا عين يقلِّبها

في أعين الغِيْدِ موقوف على الخطر

يسر مقلته ما ضر مهجته

لا مرحباً بسرور عاد بالضرر

والناظر يرمي من نظره بسهام غَرَضُها قلبه وهو لا يشعر.

قال الفرزدق:

تَزَوَّدَ منها نظرةً لم تدع له

فؤاداً ولم يشعر بما قد تزودا

فلم أرَ مقتولاً ولم أرَ قاتلاً

بغير سلاح مثلها حين أقصدا

وقال آخر:

ومن كان يؤتى من عدوٍّ وحاسدٍ

فإني من عيني أُتيْتُ ومن قلبي

هما اعتوراني نظرة ثم فكرة

فما أبقيا لي من رقاد ولا لُبِّ

وقال المتنبي:

وأنا الذي اجتلب المنيةَ طرفُه

فمن المطالبُ والقتيل القاتل

الفائدة الثانية: أنه يورث القلبَ نوراً، وإشراقاً يظهر في العين، وفي الوجه، وفي الجوارح.

كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه؛ ولهذا_والله أعلم_ذكر الله_سبحانه_آية النور في قوله_تعالى_: [اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] النور: 35 عقيب قوله: [قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ] النور: 30.

وجاء الحديث مطابقاً لهذا المعنى حتى كأنه مشتق منه، وهو قوله: =النظرة سهم مسموم من سهام إبليس؛ فمن غض بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه نوراً+([368]) الحديث.

الفائدة الثالثة: أنه يورث صحة الفراسة؛ فإنها من النور وثمراته، وإذا استنار القلب صحت الفراسة؛ لأنه يصير بمنزلة المرآة المجلوَّة تظهر فيها المعلومات كما هي، والنظر بمنزلة التنفس فيها؛ فإذا أطلق العبد نظره تنفَّست نفسه الصعداء في مرآة قلبه، فطمست نورها كما قيل:

مرآةُ قلبك لا تريك صلاحه

والنفس فيها دائما تتنفس

وقال شجاع الكرماني: =من عَمَرَ ظاهرَه باتباع السُّنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغضَّ بصره عن المحارم، وكفَّ نفسه عن الشهوات، وأكل من الحلال_لم تخطىء فراسته+.

وكان شجاع لا تخطىء له فراسة.

والله_سبحانه وتعالى_يجازي العبد على عمله بما هو من جنسه؛ فمن غض بصره عن المحارم عوضه الله إطلاق بصيرته؛ فلما حبس بصره لله أطلق الله نور بصيرته، ومن أطلق بصره في المحارم حبس الله عنه بصيرته.

الفائدة الرابعة: أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه، ويسهل عليه أسبابه، وذلك بسبب نور القلب؛ فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائق المعلومات، وانكشفت له بسرعة، ونفذ من بعضها إلى بعض.

ومن أرسل بصره تكدر عليه قلبه، وأظلم، وانسد عليه باب العلم وطرقه.

الفائدة الخامسة: أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته، فيجعل له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة، وفي الأثر: =إن الذي يخالف هواه يَفْرَقُ الشيطان من ظله+.

ولهذا يوجد في المتبع لهواه من ذل القلب، وضعفه، ومهانة النفس وحقارتها_ما جعله الله لمن آثر هواه على رضاه.

وقال بعض الشيوخ: الناس يطلبون العز بأبواب الملوك، ولا يجدونه إلا في طاعة الله.

الفائدة السادسة: أنه يورث القلب سروراً، وفرحة، وانشراحاً أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر؛ وذلك لِقَهْرِهِ عدوه بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه، وأيضاً فإنه لما كفَّ لذته، وحبس شهوته لله، وفيها مسرة نفسه الأمارة بالسوء أعاضه الله_سبحانه_مسرة ولذة أكمل منها كما قال بعضهم: والله لَلذَّةُ العفة أعظم من لذة الذنب.

ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحاً وسروراً ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى بما لا نسبة بينهما، وها هنا يمتاز العقل من الهوى.

الفائدة السابعة: أنه يخلص القلب من أسر الشهوة؛ فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه؛ فهو، كما قيل:

طليق برأي العين وهو أسير

ومتى أسرت الشهوةُ والهوى القلبَ تمكن منه عدوُّه، فسامه سوء العذاب، وصار:

كعصفورة في كف طفل يسومها

حياض الردى والطفل يلهو ويلعب

الفائدة الثامنة: أنه يسد عنه باباً من أبواب جهنم؛ فإن النظر باب الشهوة الحاملة على مواقعة الفعل، وتحريمُ الرب_تعالى_وشرعه حجاب مانع من الوصول؛ فمتى هتك الحجاب ضريَ([369])، ولم تقف نفسه منه عند غاية؛ فإن النفس لا تقنع بغاية تقف عندها؛ وذلك أن لذَّتها في الشيء الجديد؛ فصاحب الطارف لا يقنعه التليد، وإن كان أحسن منظراً، وأطيب مخبراً؛ فغض البصر يسد هذا الباب الذي عجزت الملوك عن استيفاء أغراضهم فيه.

الفائدة التاسعة: أنه يقوي العقل، ويزيده، ويثبته؛ فإن إطلاق البصر وإرساله لا يحصل إلا من خفة العقل وطيشه، وعدم ملاحظته للعواقب؛ فإن خاصة العقل ملاحظة العواقب، ومُرْسِل النظر لو علم ما تجني عواقبُ نظره عليه لما أطلق بصره، قال الشاعر:

وأعقلُ الناسِ من لم يرتكب سبباً

حتى يفكر ما تجني عواقبه

الفائدة العاشرة: أنه يخلص القلب من سُكْرِ الشهوة، ورقدة الغفلة؛ فإن إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة، ويوقع في سكرة العشق كما قال_تعالى_عن عشاق الصور: [لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ] الحجر: 72.

فالنظرة كأس من خمر، والعشق هو سكر ذلك الشراب، وسكر العشق أعظم من سكر الخمر؛ فإن سَكْرانَ الخمر يُفيق، وسكران العشق قلما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات، كما قيل:

سكْران: سُكْرُ هوىً وسُكر مدامةٍ

ومتى إفاقةُ مَنْ به سكران

وفوائد غض البصر وآفات إرساله أضعافُ أضعاف ما ذكرنا، وإنما نبهنا عليه تنبيهاً+([370]).

فحري بالعاقل اللبيب الذي يريد السلامة لنفسه، ويخشى المعاطب عليها_أن يغض بصره، وأن يجاهد نفسه على ذلك غاية المجاهدة؛ فعصرنا هذا عصر الفتن من مجلات، وقنوات فضائية ونحو ذلك مما يصعب الخلاص منه إلا بتوفيق من الله، وصدق توكل عليه، وقوة إرادة وعزيمة.

9_ مصاحبة الأخيار: فمصاحبة الأخيار تحيي القلب، وتشرح الصدر، وتنير الفكر، وتعين على الطاعة؛ فجليس الخير ينصح لك، ويُبَصّرك بعيوبك، ويعينك على تلافيها.

كما أنه يَدُلُّك على أهل الخير، ويكفك عن أهل المعاصي؛ فقد تتركها حياء منه، ثم تنبعث بعد ذلك إلى تركها بالكلية.

وجليس الخير يذكرك بالله، ويحفظك في حضرتك ومغيبك، ويرفع من قدرك، ويحافظ على سمعتك.

ومجالس الخير تغشاها الرحمة، وتحفها الملائكة، وتتنزل عليها السكينة.

إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم خيارهم

ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي

10_ مجانبة الأشرار: لأن رفقة السوء تحسن القبيح، وتقبح الحسن، وتجر إلى الرذيلة، وتزري بالفضيلة.

ثم إن المرء يتأثر بعادات جليسه؛ فالصاحب ساحب، والطبع استراق.

ولو لم يأت من مجالسة هؤلاء إلا أن الإنسان يقارن أفعاله بأفعالهم، فيتقالّ سيئاته بجانب سيئاتهم؛ فيقوده ذلك إلى الجرأة والإقدام على فعل الموبقات والآثام.

فرفيق السوء يفسد على المرء دينه، ويخفى على صاحبه عيوبه، ويصله بالأشرار، ويقطعه عن الأخيار، ويقوده إلى الفضيحة والخزي والعار.

كما أنه يهون عليه شأن المعاصي، ويجرؤه على ارتكابها.

ثم إن صحبة الأشرار عرضة للزوال في أي لحظة، وعند أدنى خلاف، ولو دامت في هذه الدنيا فسرعان ما تزول في الآخرة.

ثم إن مجانبة الأشرار من أعظم ما يعين على التوبة.

ولهذا جاء في حديث الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً أنه لما أتى إلى الرجل العالم وسأله: =هل له من توبة+؟

 قال له: =نعم ومن يحول بينه وبين التوبة؟

انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء+ الحديث([371]).

قال النووي×في شرح الحديث: =قال العلماء: في هذا استحباب مفارقة التائبِ المواضعَ التي أصاب بها الذنوب، والأخدانَ المساعدين له على ذلك، ومقاطعتهم ما داموا على حالهم، وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح، والعلماء، والمتعبدين الورعين، ومن يقتدى بهم، ويُنتفع بصحبتهم، وتتأكد بذلك+([372]).

فإذا تبين ذلك فما أحرى بذي اللب أن ينأى عن الأشرار، ويفر منهم فراره من الأسد.

ولا ينفع الجرباء قربُ صحيحة

إليها ولكن الصحيحة تجرب

ومما ينبغي التنبه له في مسألةخطر الجليس السوء أن كثيراً من الناس لا يَتَصَور من الجليس السوء إلا من يوقع صاحبه في التدخين، أو الخمر، أو المخدرات، أو نحوها من المعاصي المشهورة المعروفة.

ولا ريب أن هذا جليس سوء تجب مفارقته والبعد عنه.

ولكن هناك جلساء سوء لا يقلون خطراً عن أولئك، بل ربما زادوا عليهم، إنهم المنحرفون في أفكارهم وعقائدهم؛ فهؤلاء يفسدون على المرء عقيدته وفكره.

والانحراف الناشىء عن زيغ العقيدة أشد من الانحراف الناشىء عن طغيان الشهوة وأصعب علاجاً؛ فزائغ العقيدة قد يستهين بشعائر الإسلام، ومحاسن الآداب، فيزعم أنها ليست من الحسن في شيء، ويخرج عن حدود المكارم بدعوى أنها رسمت على غير حكمة.

ثم إن زائغ العقيدة لا يتورع عن المناكر، ولا يؤتمن على المصالح، ولا يأبه أن يلبس الباطل بلبوس الحق؛ فهو ليس عضواً أشلَّ فحسب، بل هو عضو مسموم لا يلبث أن يسري فساده في نفوس جلسائه وسماره؛ لذا كان لزاماً على من يريد السلامة في نفسه ودينه أن يجانب هؤلاء المفسدين.

تعست مقارنةُ اللئيم فإنها

شَرَقُ النفوس ومحنة الكرماء

قد أصبحوا للدهر سبة ناقم

في كل مصدر محنة وبلاء

وأشد ما يلقى الفتى من دهره

فقد الكرام وصحبة اللؤماء([373])

11_ النظر في العواقب: فذلك يوقف الإنسان على حقائق الأشياء، ويريه الأمور كما هي، وبذلك يقصر عما يهوى؛ خشية من سوء العاقبة.

وما أتي أكثر الناس إلا من قبل غفلته وجهله بالعواقب، ولو أوتي حظاً من النظر لما آثر اللذة العاجلة الفانية على اللذات الآجلة الباقية.

قال ابن الجوزي×: =لو ميز العاقل بين قضاء وطره لحظةً، وانقضاء باقي العمر بالحسرة على قضاء ذلك الوطر_لما قرب منه، ولو أعطي الدنيا، غير أن سكرة الهوى تحول بين الفكر وذلك+([374]).

وقال: =تذكرت في سبب دخول جهنم فإذا هو المعاصي، فنظرت في المعاصي فإذا هي حاصلة في طلب اللذات، فنظرت في اللذات فإذا هي خِدعاً ليست بشيء، وفي ضمنها من الأكدار ما يصيرها نغصاً، فتخرج عن كونها لذاتٍ؛ فكيف يتبع العاقل نفسه، ويرضى بجهنم لأجل هذه الأكدار؟ + ([375]).

وقال×: =قد جاء في الأثر: اللهم أرنا الأشياء كما هي.

وهذا كلامٌ حسنٌ غايةً، وأكثر الناس لا يرون الأشياء بعينها؛ فإنهم يرون الفاني كأنه باقٍ، ولا يكادون يتخايلون زوال ما هم فيه_وإن علموا ذلك_إلا أن عين الحس مشغولة بالنظر الحاضر؛ ألا ترى زوال اللذة وبقاء إثمها؟ + ([376]).

وقال: =إنما فَضُل العقلُ بتأمل العواقب؛ فأما القليل العقل فإنه يرى الحال الحاضرة، ولا ينظر إلى عاقبتها؛ فإن اللص يرى أخذ المال، وينسى قطع اليد، والبطَّال يرى لذة الراحة، وينسى ما تجني من فوات العلم، وكسب المال؛ فإذا كبر فسئل عن علم لم يدرِ، وإذا احتاج سأل فذلَّ؛ فقد أربى ما حصل له من التأسف على لذة البطالة، ثم يفوته ثواب الآخرة بترك العمل في الدنيا.

وكذلك شارب الخمر يلتذ تلك الساعة، وينسى ما يجني من الآفات في الدنيا والآخرة([377]).

وكذلك الزنا؛ فإن الإنسان يرى قضاء الشهوة، وينسى ما يجني من فضيحة الدنيا والحد، وربما كان للمرأة زوج، فألحقت الحمل من هذا به، وتسلسل الأمر.

فقس على هذه النبذة، وانتبه للعواقب، ولا تؤثر لذة تفوِّت خيراً كثيراً، وصابر المشقة تُحصِّل ربحاً وآفراً+([378]).

قال الحسين بن مطير:

ونفسك أكر م عن أمور كثيرة

فما لك نفسٌ بعدها تستعيرها

ولا تقرب الأمر الحرام فإنما

حلاوته تفنى ويبقى مريرها([379])

وكان سفيان الثوري×يتمثل بهذين البيتين:

تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها

من الحرام ويبقى الإثم والعار

تبقى عواقب سوء في مغبتها

لا خير في لذة من بعدها النار([380])

وقال اليزيدي: دخلت على هارون الرشيد، فوجدته مُكبَّاً على ورقة ينظر فيها مكتوبة بالذهب، فلما رآني تبسم، فقلت: فائدة أصلح الله أمير المؤمنين، قال: نعم، وجدتُ هذين البيتين في بعض خزائن بني أمية، فاستحسنتهما، فأضفت إليهما ثالثاً فقال ثم أنشدني:

إذا سُدَّ بابٌ عنك من دون حاجة

فدعه لأخرى ينفتح لك بابها

 فإن قُرابَ البطن يكفيك ملأه

ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها

فلا تك مبذالاً لدينك واجتنب

ركوب المعاصي يجتنبك عقابها([381])

هذا وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى فيما بعد.

12_ هجر العوائد: فالعوائد هي السكون إلى الدعة والراحة، وما ألِفَهُ الناسُ واعتادوه من الرسوم، والأوضاع، التي جعلوها بمنزلة الشرع المتبع، بل هي عندهم أعظم من الشرع؛ فإنهم ينكرون على من خرج عنها وخالفها ما لا ينكرون على من خالف صريح الشرع.

والوصول إلى المطلوب موقوف على هجر العوائد؛ لأنها من أعظم الحجب والموانع بين العبد، وبين النفوذ إلى الله ورسوله”([382]).

13_ هجر العلائق: قال ابن القيم×: =وأما العلائق فهي كل ما تعلق به القلب دون الله ورسوله من ملاذِّ الدنيا، وشهواتها، ورياساتها، وصحبة الناس، والتعلق بهم.

ولا سبيل إلى قطع هذه الثلاثة ورفضها إلا بقوة التعلق بالمطلب الأعلى، وإلا فقطعها بدون تعلقه بمطلوبه ممتنع؛ فإن النفس لا تترك مألوفها ومحبوبها إلا لمحبوب هو أحب إليها منه، وآثر عندها منه.

وكلما قوي تعلقه بمطلوبه ضعف تعلقه بغيره وكذا بالعكس.

والتعلق بالمطلوب هو شدة الرغبة فيه، وذلك على قدر معرفته به، وشرفه، وفضله على ما سواه+([383]).

14_ إصلاح الخواطر والأفكار: قال ابن القيم×: =مبدأ كل علم نظري، وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار؛ فإنها توجب التصورات، والتصوراتُ تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوعَ الفعل، وكثرةُ تكراره تعطي العادةَ؛ فصلاحُ هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادُها بفسادها؛ فصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها وإلهها، صاعدةً إليه، دائرةً على مرضاته ومحابِّه؛ فإنه_سبحانه_به كل صلاح، ومن عنده كل هدى، ومن توفيقه كل رشد، ومن تولِّيه لعبده كل حفظ، ومن تولِّيه وإعراضه عنه كل ضلال وشقاء+([384]).

وقال: =واعلم أن الخطراتِ والوساوسَ تؤدي متعلقاتها إلى الفكر، فيأخذها الفكرُ، فيؤديها إلى التذكر، فيأخذها التذكر فيؤديها إلى الإرادة، فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل، فتستحكم فتصير عادة؛ فَرَدُّها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها.

ومعلوم أنه لم يُعْطَ الإنسانُ إماتةَ الخواطر، ولا القوةَ على قطعها؛ فإنها تهجم عليه هجوم النَّفَس، إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها، ورضاه به، ومساكنته له، وعلى دفع أقبحها، وكراهته له، وأنَفَته منه+([385]).

إلى أن قال×: =وقد خلق الله_سبحانه_النفسَ شبيهةً بالرحى الدائرة التي لا تسكن، ولا بد لها من شيء تطحنه؛ فإن وُضع فيها حبٌّ طَحَنَتْهُ، وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته؛ فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحى، ولا تبقى تلك الرحى مُعَطَّلةً قط، بل لا بد لها من شيء يوضع فيها؛ فمن الناس من تطحن رحاه حَبَّاً يخرج دقيقاً ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن رملاً وحصى وتبناً ونحو ذلك؛ فإذا جاء وقت العجن والخبز تبيَّن له حقيقة طحينه+([386]).

وقال×: =فإذا دَفَعْتَ الخاطرَ الواردَ عليك اندفع عنك ما بعده، وإن قَبلْتَهُ صار فكراً جوَّالاً، فاسْتَخْدم الإرادة، فتساعَدَتْ هي والفكر على استخدام الجوارح، فإن تعذر استخدامها رجعا إلى القلب بالتمني والشهوة وتَوجُّهِهِ إلى جهة المراد.

ومن المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار، وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات، وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل، وتداركه أسهل من قطع العوائد.

فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك؛ فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومن فَكَّر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه+([387]).

إلى أن قال: =وإياك أن تُمَكّن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك؛ فإنه يفسدها عليك فساداً يصعب تداركه، ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة، ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك، وأنت الذي أعَنْتَه على نفسك بتمكينه من قلبك، وخواطرك فَمَلَكَها عليك+([388]).

15_ استحضار فوائد ترك المعاصي: قال ابن القيم×: =سبحان الله رب العالمين! لو لم يكن في ترك المعاصي إلا إقامة المروءة، وصون العرض، وحفظ الجاه، وصيانة المال الذي جعله الله قواماً لمصالح الدنيا والآخرة، ومحبة الخلق، وجواز القول بينهم، وصلاح المعاش، وراحة البدن، وقوة القلب، وطيب النفس، ونعيم القلب، وانشراح الصدر، والأمن من مخاوف الفساق والفجار، وقلة الهم والغم والحزن، وعز النفس عن احتمال الذل، وصون نور القلب أن تطفئه ظلمة المعصية، وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار، وتيسير الرزق عليه من حيث لا يحتسب، وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق والمعاصي، وتسهيل الطاعات عليه، وتيسير العلم، والثناء الحسن في الناس، وكثرة الدعاء له، والحلاوة التي يكتسبها وجهه، والمهابة التي تلقى له في قلوب الناس، وانتصارهم وحميتهم له إذا أوذي أو ظلم، وذَبُّهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب، وسرعة إجابة دعائه، وزوال الوحشة التي بينه وبين الله، وقرب الملائكة منه، وبعد شياطين الإنس والجن منه، وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه، وخطبتهم لمودته وصحبته، وعدم خوفه من الموت، بل يفرح به لقدومه على ربه، ولقائه له، ومصيره إليه، وصِغَرُ الدنيا في قلبه، وكِبَرُ الآخرة عنده، وحرصه على الملك الكبير، والفوز العظيم فيها، وذوق حلاوة الطاعة، وَوَجْدُ حلاوة الإيمان، ودعاء حملة العرش ومن حوله من الملائكة له، وفرح الكاتبين به، ودعاؤهم له كل وقت، والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته، وحصول محبة الله له، وإقباله عليه، وفرحه بتوبته، وهكذا يجازيه بفرح وسرور لا نسبة له إلى فرحه وسروره بالمعصية بوجه من الوجوه.

فهذه بعض آثار ترك المعاصي في الدنيا، فإذا مات تَلَقَّتْه الملائكة بالبشرى من ربه بالجنة، وبأنه لا خوف عليه ولا حزن، وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى روضة من رياض الجنة ينعم فيها إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة كان الناس في الحر والعرق، وهو في ظل العرش، فإذا انصرفوا من بين يدي الله أخذ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين، و [ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ] الجمعة: 4 ([389]).

16_ استحضار أن الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة: فإنها إما أن توجب ألماً وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتاً إضاعتُه حسرة وندامة، وإما أن تثلم عرضاً توفيرُه أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تُذْهِب مالاً بقاؤه خير له من ذهابه، وإما أن تضع قدراً وجاهاً قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذّ وأطيبُ من قضاء الشهوة، وإما أن تُطَرّقَ لوضيع إليك طريقاً لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب هماً وغماً وحزناً وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسي علماً ذكره ألذ من نيل الشهوة، وإما أن تشمت عدواً وتحزن وليَّاً، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيباً يبقى صفة لا تزول؛ فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق([390]).

17_ استحضار أضرار الذنوب والمعاصي: فإن للذنوب والمعاصي أضراراً عظيمةً، وعقوباتٍ متنوعةً، سواء في الدنيا أو في الآخرة، على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات.

فمن أضرارها حرمان العلم والرزق، والوحشةُ التي يجدها العاصي في قلبه، وبينه وبين ربه، وبينه وبين الناس.

ومنها تعسير الأمور، وسواد الوجه، ووهن البدن، وحرمان الطاعة، وتقصير العمر، ومحق بركته.

ومنها ظلمة القلب، وضيقه، وحزنه، وألمه، وانحصاره، وشدة قلقه، واضطرابه، وتمزق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعَرِّيه من زينته.

ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها، وتقوي في القلب إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئاً إلى أن تنسلخ إرادة التوبة من القلب بالكلية، فيستمرىء صاحبها المعصية، وينسلخ من استقباحها.

ومنها أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه، وأن شؤمها لا يقتصر على العاصي، بل يعود على غيره من الناس والدواب.

ومنها أن المعصية تورث الذل، وتفسد العقل، وتدخل العبد تحت اللعنة، وتحرمه من دعوة الرسول”ودعوة الملائكة، ودعوة المؤمنين.

كما أنها تطفىء نار الغيرة من القلب، وتذهب الحياء، وتضعف في القلب تعظيم الرب، وتستدعي نسيان الله لعبده، وتَخْليته بينه وبين نفسه وشيطانه.

ومن أضرار المعاصي أنها تنزل الرعب في قلب العاصي، وتزيل أمنه، وتبدله به مخافة؛ فأخوف الناس أشدهم إساءة.

كذلك تخرج العبد من دائرة الإحسان، وتمنعه ثواب المحسنين، وتضعف سير قلبه إلى الله والدار الآخرة، وتصغر نفسه، وتُعمي قلبه، وتسقط منزلته، وتسلبه أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذل والصغار، وتجعله من السفلة بعد أن كان مُهيَّأً لأن يكون من العلية، وتجرىء عليه شياطين الجن والإنس، فيصير في أسرهم بعد أن كانوا يخافونه ويرهبونه.

ومنها وقوع العاصي في بئر الحسرات؛ فلا يزال في حسرة دائمة؛ فكلما نال لذة نازعته نفسه إلى نظيرها إن لم يقض منها وطراً، أو إلى غيرها إن قضى وطره منها، وما يعجز عنه من ذلك أضعافُ أضعاف ما يقدر عليه، وكلما اشتد نزوعُه وعرف عجزَه اشتدت حسرتُه وحزنُه؛ فيا لها ناراً قد عُذِّب بها القلبُ في هذه الدار قبل نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.

ومنها ضياع أعز الأشياء وأنفسها وأغلاها وهو الوقت الذي لا عوض عنه، ولا يعود إليه أبداً.

وبالجملة فالآثار القبيحة للمعاصي أكثر من أن يحيط بها العبد علماً، وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علماً؛ فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصية الله([391]).

18_ الدعاء: فهو من أعظم الأسباب، وأنفع الأدوية، وهو عدو البلاء يدافعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل.

قال_تعالى_: [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] غافر: 60.

وقال: [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي] البقرة: 186.

ومن أعظم ما يُسأل، ويدعى به سؤال الله التوبة؛ وذلك بأن يدعو الإنسان ربه أن يمن عليه بالتوبة النصوح، مهما كانت حاله.

ولهذا كان من دعاء نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل_عليهما السلام_: [رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] البقرة: 128.

وكان من دعاء نبينا محمد”: =رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم+([392]).

وكان من دعاء عباد الله المؤمنين: [رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] آل عمران: 16.

إلى غير ذلك من الأدعية الكثيرة الواردة على هذا النحو.

فحري بمن أراد التوبة أن يسأل ربه أن يرزقه إياها، وأن يلح عليه بذلك، وأن يتحين الأوقات، والأحوال، والأوضاع، التي هي مظان الإجابة، كالدعاء في السجود، وفي آخر الليل، وبين الأذان والإقامة، وفي حال إقبال القلب، واشتداد الإخلاص، والاضطرار إلى غير ذلك.

وعليه_أيضاً_أن يتجنب موانع الإجابة، وألا يستعجل الإجابة، فيدع الدعاء.

ومن كانت هذه حاله كان حريَّاً بأن يجاب دعاؤه([393]).

ما ضاق بالمرء أمر فاستعد له

عبادة الله إلا جاءه الفرج

ولا أناخ بباب الله ذو ألم

 إلا تزحزح عنه الهم والفرج

قال ابن الجوزي×: =أيها المذنب قف بالباب إذا نام الناس، وابسط لسان الاعتذار، ونكس الرأس، وامدد بعد السؤال ولا بأس، وقل ليس عندي سوى الفقر والإفلاس+([394]).

19_ الحياء: فهذا الخلق إذا غَزر في النفس، ونمت عروقه فيها_ازداد رونقها صفاءً، ونفض على ظاهر صاحبها مآثر خَيْراتٍ حِسان.

وإذا انتُزع من شخص فقد فقَدَ المروءة، وثكل الديانةَ التي هي الجناح المبلغ لكل كمال؛ ذلك أن الحياء خلق يبعث على فعل الجميل وترك القبيح، وهو عبارة عن انقباض النفس عما تذم عليه، وثمرته ارتداعها عما تنزع إليه الشهوة من القبائح.

فإذا تمزق ستر هذه الفضيلة بغلبة الشهوة على النفس اختلت هيئة الإنسان بالضرورة، وبقي صاحبها سائماً في مراتع البغي والفسوق، وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان.

وبالجملة فالحياء كله خير، والحياء لا يأتي إلا بخير، والحياء خلق الإسلام، وشعبة من شعب الإيمان.

قال النبي”=الحياء لا يأتي إلا بخير+([395]).

وقال: =إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء+([396]).

وقال: =والحياء شعبة من الإيمان+([397]).

وقال: =إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت+([398]).

قال ابن حبان×: =فالواجب على العاقل لزوم الحياء؛ لأنه أصل العقل، وبذر الخير، وتركه أصل الجهل، وبذر الشر+([399]).

هذا وإن أعظم الحياء أن يستحي العبد من ربه_جل وعلا_وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؛ فإن العبد متى علم بنظره إليه، ومقامه عليه، وأنه بمرأى ومسمع منه، وكان حيياً استحيى من ربه أن يتعرض لمساخطه.

ومن الحياء الحياءُ من الناس بترك المجاهرة بالقبيح أمامهم.

ومن الحياء_أيضاً_حياء الإنسان من نفسه بأن لا يرضى لها بمراتب الدون، وهذا حياء أهل النفوس الأبية.

ولئن كان الحياء جبلياً فإنه يزيد ويتأتى بالأخذ بالأسباب، ومن ذلك مطالعة أخلاق الكمل، واستحضار مراقبة الله؛ فمن ذلك يتولد الحياء؛ إذ كيف يتقلب في نعمه ويستعين بها على معصيته؟ فإذا شعر العاقل بذلك استحيى من الله.

ومن ذلك تذكر الآثار الطيبة للحياء، والآثار القبيحة للقحة والصفاقة.

ومن ذلك مجاهدة النفس، وتدريبها على اكتساب الحياء.

فإذا اتصف المرء بالحياء قرب من الكمال، ونأى بنفسه عن النقائص([400]).

20_ شرف النفس، وزكاؤها، وأنفتها وحميتها: فذلك يوجب أن تنأى عن الأسباب التي تحطها، وتضع قدرها، وتحفض منزلتها، وتحقرها، وتسوي بينها وبين السفلة([401]).

وإنما تعلو قيمة المرء، وتسمو مكانته بقدر نصيبه من بُعد الهمة، وشرف النفس.

وإذا علمت نفسٌ طاب عنصرها، وشرُف وجدانها أن مطمح الهمم إنما هي غاية، وحياة وراء حياتها الطبيعية لم تقف بسعيها عند حد غذاء يقوتها، وكساء يسترها، ومسكن تأوي إليه.

بل لا تستفيق جهدها، ولا يطمئن بها قرارها إلا إذا بلغت مجداً يصعد بها إلى أن تختلط بكواكب الجوزاء.

ولا ريب أن أعلى المطالب، وأشرف المكاسب_ما كان لله، وفي سبيل الله.

فأين هذا الذي يطلق العنان لشهواته، ويرسف في أغلال رغائبه ولذاته من الإمام الشافعي إذ يقول: =لو علمت أن الماء البارد يثلم مروءتي لما شربته+([402]).

فشريف النفس يأبى أن يملك رقَّه شيء، خصوصاً ما كان في أمر العشق والتعلق؛ فمن لم تكن له همة أبية لم يكد يتخلص من هذه البلية؛ فإن ذا الهمة يأنف الذل، وما زال الهوى يذل أهل العز([403]).

قال الأعشى:

أرى سفهاً للمرء تعليق قلبه

بغانية خود متى تدنُ تبعد([404])

وقال أبو فراس الحمداني مفتخراً بشرف نفسه، وعلو همته، عائباً على من سفلت همته، واسترقه هواه:

لقد ضلَّ من تحوي هواه خَريدة

وقد ذل من تقضي عليه كعابُ

ولكنني والحمد لله حازم

أعز إذا ذلت لهن رقابُ

ولا تملك الحسناء قلبي كلَّه

ولو شمَّلَتها رقةٌ وشبابُ([405])

وهذا أبو علي الشبل يقول:

وآنف أن تعتاق قلبي خريدةٌ

بلحظ وأن يروى صداي رضاب

وللقلب مني زاجر من مروءة

يجنِّبه طُرْق الهوى فيجاب([406])

وهذا منصور الهروي يقول:

خُلِقْتُ أبيَّ النفس لا أتبع الهوى

ولا أستقي إلا من المشرب الأصفى

ولا أحمل الأثقال في طلب العلا

ولا أبتغي معروف من سامني خسفاًَََ

 ولا أتحرى العزَّ فيما يُذلُّني

ولا أخطب الأعمال كي لا أرى صرفا

ولست على طبع الذباب متى يُذَدْ

عن الشيء يسقط فيه وهو يرى الحتفا([407])

فلا يكون_إذاً_من وراء الشهوة إلا إذلال النفس، وموت الشرف، والضعة والتسفل؛ أوليس من الذل أن تكون حياة الإنسان معلقة بغيره، وسعادته بيد سواه، فهو مضطر إليه، وهو لعبة في يديه، إن أقبل سعد، وإن أعرض شقي، وإن مال إلى غيره اسودت الدنيا في عينيه؟

هذا_والله_الصغار بعينه، وهذا هو الذل الذي لا ينفع معه المال الكثير، ولا الجاه العريض.

أليست هذه هي حقيقة الحب والعشق الذي ألهه الشعراء؟ أليست هذه هي حال من غاية طموحه أن تواصله امرأة بكلمة أو إشارة، أو ما هو أعلى من ذلك؟

بلى، ولكن هل سيسعد بهذا؟ وهل يكفيه ذلك الوصال؟ لا، بل كل ما واصل واحدة زاده الوصال نهماً، كشارب الماء المالح لا يزداد إلا عطشاً.

ولو أنه عرف من النساء آلافاً ثم رأى أخرى معرضة عنه لرغب فيها وحدها، وأحس من الألم لفقدها مثل الذي يحسه من لم يعرف امرأة قط.

ثم هب أن الإنسان وجد منهن كل ما يريد، ووسعه السلطان والمال؛ فهل يسعه الجسد، وهل تقوى الصحة على حمل مطالب الشهوة، ودون ذلك تنهار أقوى الأجساد، وكم من رجال كانوا أعاجيب في القوة، فما هي إلا أن استجابوا لشهواتهم، وانقادوا إلى غرائزهم حتى أصبحوا حطاماً.

وإن من عجائب حكمة الله أن جعل مع الفضيلة ثوابها؛ من الصحة والنشاط، وجعل مع الرذيلة عقابها؛ من الانحطاط والمرض.

ولَرُبَّ رجلٍ ما جاوز الثلاثين يبدو مما جار على نفسه كابن ستين، وابن ستين يبدو من العفاف كشاب دون الثلاثين([408]).

قال ابن المقفع: =اعلم أن من أوقع الأمور في الدين، وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال، وأقتلها للعقل، وأزراها للمروءة، وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار_الغرامَ بالنساء.

ومن البلاء على المغرم بهن أنه لا ينفك يأجم([409]) ما عنده، وتطمح عيناه إلى ما ليس عنده منهن.

وإنما النساء أشباه، وما يتزين في العيون والقلوب من فضل مجهولات على معروفات_باطل وخدعة، بل كثير مما يرغب عنه الراغب مما عنده أفضل مما تتوق إليه نفسه منهن.

وإنما المرتغب عما في رحله منهن إلى ما في رحال الناس كالمرتغب عن طعام بيته إلى ما في بيوت الناس.

بل النساء بالنساء أشبه من الطعام بالطعام، وما في رحال الناس من الأطعمة أشد تفاضلاً وتفاوتاً مما في رحالهم من النساء+([410]).

وقال: =ومن العجب أن الرجل الذي لا بأس بلُبِّه ورأيه يرى المرأة من بعيد متلففة في ثيابها، فيصور لها في قلبه الحسن والجمال حتى تعلق بها نفسُه من غير رؤية، ولا خبر مُخبر، ثم لعله يهجم منها على أدمِّ الدمامة، فلا يَعظُه ذلك، ولا يقطعه عن أمثالها، ولا يزال مشغوفاً بما لم يَذُقْ حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة لظن أن لها شأناً غير شأن ما ذاق، وهذا هو الحمق، والشقاء، والسفه+([411]).

وبالجملة فشرف النفس وزكاؤها يقود إلى التسامي، والعفة؛ ذلك أن المرء بين عاطفة تخدعه، وشهوة تتغلب عليه؛ فمتى لم يجد من عقله سائساً، ومن دينه وازعاً يقاومان الضعف، ويصارعان الميول والأهواء_وقع في الخطايا وانغمس في الشرور والرذائل.

وإن قوي على عصيان الهوى، والشيطان، والنفس، والشهوة، وثبت في مواقف هذا الصراع الهائل_كان في عداد المجاهدين، وترتب على انتصاره وفوزه جميع المكارم والفضائل التي تنتهي به إلى خيري الدنيا والآخرة؛ فمن شرف النفس أن يأنف الإنسان لنفسه أن يكون تحت قهر عدوه؛ فإن الشيطان إذا رأى من العبد ضعفَ عزيمةٍ وهمةٍ، وميلاً إلى هواه طمع فيه، وصرعه، وألجمه بلجام الهوى، وساقه حيث أراد.

 ومتى أحس منه بقوة عزم، وشرف نفس، وعلو همة لم يطمع فيه إلا اختلاساً وسرقة؛ فأغزر الناس مروءة أشدهم مخالفة لهواه([412]).

21_ عرض الحال على من يعين: فمن الأدوية الناجعة النافعة أن يعرض المبتلى حاله على أهل العلم، والدعوة، والإصلاح، والتربية؛ فإنه سيجد_بإذن الله_منهم إعانة على البر، ودلالة على الخير، وإجابة عن الأسئلة، وسعياً في حل المشكلات.

هذا وسيأتي مزيد بيان للأمور المعينة على التوبة في الصفحات التالية_إن شاء الله_.


الفصل الثاني

التوبة طريق السعادة

المبحث الأول


لا ريب أن الوقوف على سر السعادة ومعناها الحقيقي من أعظم الدوافع للتوبة النصوح، والإقبال على الله_عز وجل_ذلك أن من أعظم الدوافع لفعل المعاصي وترك الطاعات هو البحث عن السعادة والراحة؛ فالعالم بأسره مؤمنه وكافره، وبره وفاجره يبتغي السعادة ويروم طرد الهم والقلق.

ولكن ما أقل من يهتدي إلى ذلك السبيل، وما أكثر من يحيد عنه يمنة ويسرة.

كل من في الوجود يطلب صيداً

غير أن الشباك مختلفات

فأكثر الناس عشيت بصائرهم أو عميت عن حقيقة السعادة وسرها الأعظم؛ فلا سعادة عندهم إلا سعادة المشاهير من أهل الفن، والمال، والرياضة، والوجاهة، والرياسة وغير ذلك من الأمور التي تأخذ بالألباب.

ولا يعرفون السعادة إلا بإطلاق الشهوات، والتمتع بسائر الملذات، وإذا فاتهم ذلك قالوا: على الدنيا العفاء.

هذه نظرة هؤلاء للسعادة؛ فهل تلك النظرة صائبة؟ وهل أهل الفن، والمال، والرياضة، والوجاهة، والرياسة سعداء حقَّاً؟ وهل المجتمعات التي أطلقت لنفسها الشهوات، وتمتعت بسائر الملذات سعيدة حقَّاً؟

والجواب عن ذلك إنما يكون بالنظر إلى أحوال أولئك وأقوالهم؛ لتستبين حقيقة الأمر؛ فإليك نبذة عن أحوال أولئك مع السعادة فيما يلي من أسطر:

أولاً: حال أهل الفن مع السعادة: إن أهل الفن أنفسهم من مغنين وممثلين يعرفون بأن السعادة في وادٍ وهم في وادٍ، آخر؛ فالشقاء، والتعاسة، والحرمان، والحسد، والعذاب النفسي، والخوف من السقوط، والحذر من فقدان الحظوة عند الجمهور، كل ذلك طابع حياتهم باعترافاتهم أنفسهم.

وإليك هذه النماذج من أحوال أهل الفن:

1_ أسمهان: هذا هو الاسم الفني الذي اشتهرت به المطربة الفنانة السورية آمال الأطرش، تلك المرأة التي تربت عند أهلها في جبل الدروز، وبدأت حياتها الفنية وهي شابة في الغناء، فذاع صيتها واشتهرت وسط المعجبين والحاسدين.

وكانت مبهورة بالغرب لكنها لم تستطع في بداية أمرها أن تعيش مثل الغربيين؛ لأنها تربت في مجتمع محدود.

ثم انتقلت_وهي صغيرة_إلى مجتمع أكثر انفتاحاً وهو مجتمع القاهرة في الأربعينات الميلادية، وكانت تملك قدرة نادرة على الإغراء، وكانت طبقات صوتها توائم مختلف الطبقات الموسيقية مما جعلها منافساً قوياً لأم كلثوم.

هذه المرأة عاشت حياة الشقاء، فلقد تزوجت زواجاً تعيساً، ثم انفصلت عن زوجها وابنتها وعملت لحساب الإنجليز، وكانت تطمح بهوليود.

وقصة هذه المرأة يطول ذكرها، فلقد كثر الجدال في شأنها وكتب حولها كتابات عديدة، وآخر أمرها أنها وجدت غريقة داخل سيارتها الرولس رويس في قناة متفرعة عن نهر النيل في الدلتا شمال القاهرة، وكان عمرها آنذاك اثنتين وثلاثين سنة، ولا تزال ملابسات موتها غامضة إلى يومنا هذا([413]).

2_ أم كلثوم: تلك المرأة التي سموها كوكب الشرق، وقالوا: إنها ظاهرة فنية عجيبة، وقالوا: إن حبَّ العرب لها يوازي حبهم لفلسطين، وقالوا: إنها ريحانة العصر.

تلك المرأة التي طارت شهرتها في الغناء، ونظم لها الكتاب والشعراء القصائد الطوال المليئة بالهيام والغرام؛ ليسهر معها الناس حتى تباشير الصبح.

حتى لقد بلغ الأمر أن قال المذيع أحمد سعيد خلال حرب حزيران يخاطب الشعوب العربية_وكأنهم أغنام، والمعركة على أشدها مع إسرائيل_: بشرى يا عرب، بشرى يا عرب، فتصور الناس أن نصراً حاسماً قد حققوه.

ولكن الصدمة كانت موجعة حين سمعوا بشارته تقول: أم كلثوم معكم في المعركة.

مسخوا الحق والحقيقة لما

صار صوت الإعلام فيهم =سعيد+

يزرع البحر والهواء وعوداً

لا يبالي ألا يكون حصيدُ

شرعهُ الزور والضلال =مذيعا ً+

إن يوم الهوان والذل عيدُ

وبعد نكبة حزيران غنتنا =كوكب شرقنا+ أغنية بعنوان =ليلتي وحلم حياتي+.

وقد سهرت معها شعوب من أمتنا طول الليلة حتى ثملت، وتخدرت، سهرت معها وجرح النكبة راعف ينزف، وذل الهزيمة من فوق رؤوسنا يَنْصَبُّ.

وكوكبنا تغني ولسان حالها يقول: =هذه ليلتي+ التي أرقبها وأتمناها، =هذه ليلتي+ التي ضاع فيها ما كان باقياً من فلسطين، وأسر فيها الأقصى، واحتلت فيها قدس الإسلام.

لقد وقفت =كوكب الشرق+ تغني للمترفين_والدمُ البريء يسيل على كل رابية، والعار الأسود يُجلِّلُ جباه المخدرين ممن راحت تصفع وجوههم وهم لا يشعرون: =هذه ليلتي وحلم حياتي+.

إن مما يؤلم النفس، ويفتت الكبد أن الكثير من شبابنا اتخذوا من هذه الأغاني ملاذاً ومهرباً مما يلاقون من ضنك وشدة في حياتهم_مَرَدُّه بعدهم عن الله_فظنوا أن ذلك ينسيهم الشقاء؛ فرددوا أغاني الفنانين والفنانات، فازدادوا شقاء فوق شقاء؛ فالسعادة التي توهموها ما هي إلا سعادة قشور، سعادة لذة عابرة مخدرة تخفي وراءها الآلام والهموم.

ثم إن فاقد الشيء لا يعطيه؛ فها هي =كوكب الشرق+ تعيش التعاسة والشقاء، والحرمان([414]).

يقول الكاتب مصطفى أمين: =رأيت أم كلثوم بعد أن كونت ثروة ضخمة وهي تقول: إنها مستعدة أن تدفع نصف ما تملك؛ لتأكل بيضة واحدة مرة كل يوم؛ فقد منعها الأطباء سنوات طويلة من أكل البيض الذي كانت تعشقه وتهواه.

وأذكر دائماً أن أم كلثوم كانت تقول لي دائماً: إن أيام فقرها الشديد في قريتها كانت أسعد أيامها عندها+([415]).

أما موت هذه المرأة فقد كان عبرة للمعتبرين؛ فقد أماتها الله عضواً عضواً ولأيام؛ علَّ أدعياء الفن الخنوعين يعتبرون([416]).

ويا ليت هذه المسكينة لما ماتت دفنت معها سيئاتها، وإنما هي تبعث بصورة مستمرة إما عن طريق الإذاعات ووسائل الإعلام، أو عن طريق المعجبين الذين يقتنون أغانيها.

ولقد أحسن الشاعر يوسف العظم حين قال في قصيدة عنوانها: خدريهم يا كوكب الشرق:

كوكب الشرق لا تذوبي غراماً

ودلالاً وحرقة وهُياما

لا ولا تنفثي الضياع قصيداً

عبقرياً أو ترسلي الأنغاما

فدماء الأحباب في كل بيت

تتنزى وتبعث الآلآما

وجراح الأقصى جراح الثكالى

ودموع الأقصى دموع اليتامى

لم تغَنّي يوم التشرد حزناً

لا ولم تدخلي علينا الخياما

أو تغني لشعبنا يرقب الفجر ويغري براحتيه الظلاما

لا تغني الخيام يا كوكب الشر

ق وتسقي من راحتيه المداما

ففلسطين لا تحب السكارى

وربى القدس لا تريد النياما

كوكب الشرق ضاع قومي لما

تاه في حبك القطيع وهاما

لو دعوتِ العربيد للزهد لبَّى

أو دعوت الزنديق للنسك صاما

منحوك الإعجاب يا ويح قومي

وعلى الصدر علقوك الوساما

ناوليهم من راحتيك كؤوساً

وامنحيهم من ناظريك ابتساما

واجعلي الفن ردةً وضياعاً

لا أحاسيس أمة تتسامى

ودَعيهم في كل واد يهيمو

ن سكارى ونكِّسي الأعلاما

خدريهم باللحن يا كوكب الشر

ق وصوغي من لحنك استسلاما([417])

3_ عبدالحليم حافظ: الفنان المصري الذي اشتهر بهذا الاسم، واسمه عبدالحليم شبانة، وإنما سمي بذلك، لأن مكتشفه اسمه حافظ عبدالوهاب.

هذا الفنان الذي بلغ أوج مجده في الستينات والسبعينات الميلادية، حيث حفلت به وسائل الإعلام، ورفعت من شأنه، ولقبته بألقاب كثيرة، ومن أشهرها =العندليب الأسمر+.

فما حال ذلك الإنسان الذي ترى الجماهير أنه يسعدها، ويزيل همومها؟ .

إنه قطعة من التعاسة والشقاء؛ فهو لم يتزوج طيلة حياته، وهو مصاب بمرض البلهارسيا الذي لازمه أغلب فترات حياته حتى مات.

هذا الرجل الذي يراجع المستشفيات والأطباء كثيراً حتى لقد كان يأتي أحياناً لتجارب أغانيه يقاد بالعربة؛ حيث لا يستطيع السير على قدميه.

هذا الرجل الذي كان يسيطر عليه الحزن، حتى إنه لما سألته صحفية فرنسية عن سبب الحزن في أغانيه قال: إن الحزن عصير حياتنا.

يقول الكاتب مصطفى أمين: =ورأيت عبد الحليم حافظ وهو يلعب بالذهب رأيته شقياً تعيساً معذباً محسوراً محروماً؛ لأنه لا يستطيع أن يمد يده إلى طبق الطعمية ويقول لي هامساً: من يعطيني هذه ويأخذ كل أموالي+([418]).

هذه نبذة عن هذا الرجل الذي تعلق به الملايين من الناس حتى إن منهم من انتحر لما توفي.

والأمثلة من هذه القبيل كثيرة جداً، وسيأتي ذكر لبعض النماذج في الفصل الثالث.

ثانياً: حال أهل المال مع السعادة: هناك وهْمٌ يسيطر على كثير من الناس؛ حيث يظنون أن السعادة قائمة على المال والغنى.

والحقيقة الماثلة للعيان تقول غير ذلك؛ فالمال وحده لا يوجد السعادة وإن كان يعين على تحققها إن كانت موجودة في الأصل؛ فإن لم تكن موجودة نابعة من أعماق النفس بسبب الرضا، والقناعة، والإيمان، وحسن التدبير_فإن المال لا يوجدها؛ فالسعادة تنبع من داخل النفس أكثر مما تنبع من الظروف الخارجية من مال ونحوه.

بل إن كثيراً من الأغنياء يشقون مع أنهم مغرقون في النعيم إلى الأذقان، وكثيراً من الفقراء يسعدون غاية السعادة مع ما هم فيه من شظف العيش، وقلة ذات اليد.

وذلك كثير مشاهد؛ فماذا يغني المال وحده؟

 ثم إن المال عرضة للزوال؛ فكم من الأغنياء من أصبحوا فقراء بين عشية وضحاها، وكم من الفقراء من أصبحوا أغنياء ما بين طرفة عين وانتباهتها؛ فما بُني على ما يتبدل فهو عرضة للزوال.

فلا يدري الفقير متى غناه

ولا يدري الغني متى يعيل

أضف إلى ذلك ما يلقاه الغني من الغم والهم في جمع المال، وخوف الخسارة، وكثرة الترحال، ونحو ذلك.

وسيأتي نماذج لذلك في الفصل الثالث.

ثالثاً: حال أهل الوجاهة مع السعادة: إذا كانت الوجاهة داعية لسخاوة الإنسان بجاهه، بحيث يبذل الجاه في سبيل الخير من نحو الشفاعات الحسنة، من إحقاق حق، ونصرة مظلوم، وإعانة الضعيف_فتلك وجاهة نافعة جالبة للسعادة.

قال _ تعالى_: [مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا] النساء: 85.

وقال النبي”: =اشفعوا تؤجروا+([419]).

أما إذا كانت الوجاهة؛ للرياء والسمعة، ولأجل أن يتردد الذكر على الألسنة وفي المجالس، أو الصحف_فإنها شقاء أيما شقاء؛ فأهلها يعانون من تبعاتها، ويلاقون الأمرَّين من ويلاتها؛ فهذه أموال تبذل فيما لا طائل تحته، ولا فائدة من ورائه، وهذه مجاملات تأخذ نصيبها من وقت الوجيه وصحته وسعادته الحقة.

ثم ما حال الوجيه إذا زلت به القدم، ونزلت به المكانة؟

إنها الحسرة والندامة إن لم يكن ذا نفس كريمة وإيمان وصبر.

رابعاً: حال أهل الرياسة مع السعادة: وإذا أتيت إلى أهل الرياسات، وذوي المناصب العالية، والرتب الرفيعة_لم تجد السعادة الحقة عندهم إلا في القليل النادر، وعند القليل منهم؛ ذلك لأنهم رؤوس، والرأس كثير الأذى، ولأن الرياسة هَمٌّ في الدنيا، وحسرة وندامة في الآخرة إن لم يقم صاحبها بحقها.

ثم إن صاحب المنصب والرياسة قلما يفارقه الهم؛ خوفاً على رياسته أن تزول، وإذا زالت بقي محسوراً معذباً يقرع سنه، ويقلب كفيه ما لم يكن ذا مروءة صادقة، وديانة حقة؛ فذلك لا تطيش به الولاية في زهو، ولا ينزل به العزل في حسرة.

وكثير من أهل الرياسة يعربون عن مدى ما يعانون، وعن قلة نصيبهم من السعادة الحقة؛ فها هو الملك حسين بن طلال الذي تربع على عرش الأردن مدة تزيد على خمس وأربعين سنة، قضى معظمها في ريعان شبابه؛ حيث تولى الملك وعمره ست عشرة سنة، وتوفي في الثالثة والستين من عمره بعد صراع مرير مع مرض السرطان، ها هو يقول في الفصل الأخير من كتابه =مهنتي كملك+ الذي روى فيه ذكرياته، والأحداث التي مرت به في حياته حتى مرحلة السبعينات الميلادية:

 =إنني أعتقد بأن من العسير جداً إدراك السعادة في هذه الدنيا سواء كان المرء ملكاً أم إنساناً عادياً؛ ما هي السعادة بالنسبة للأغلبية العظمى من الناس؟ إنها الحصول على عمل مغرٍ ممتع، وعلى راتب جيد، وأسرة لطيفة تستعذبها النفس، والقيام بالرحلات من وقت إلى آخر، وأن يكون للمرء بعض الأصدقاء، وأن يساعد الناس، ويساعدوه.

لقد نلت كل ذلك، وما زال كل ذلك في متناول يدي، ولكن هل يعني هذا حقاً أنني سعيد؟

لا أعتقد ذلك، نعم لقد كانت حياتي خصبة مليئة_كما قلت_ولربما لم يعرف مثلها إلا القليل من الناس، لقد عرفت السراء والضراء، ولعل الضراء رجحت على السراء، وعانيت لحظات في غاية الشدة، ومرت بي فترات في أقصى درجات الضيق، ومرت بي أوقات كنت أشعر فيها بأنني في منتهي العزلة، وعرفت الحداد والأحزان، والنادر من الفرح، والقليل من السعادة، لقد عرفت كل ما يمكن أن يعرفه كائن بشري: الجوع، والعطش، والإذلال، والهزيمة، والنادر من اليسار والبحبوحة، والقليل من السلام والراحة والابتهاج+.

إلى أن قال: =إن حياتي الخاصة والعائلية غير منظمة؛ فأعباء الدولة تحول بيني وبين أن أكون لهذه الكائنات الإنسانية العزيزة الغالية بالقدر الذي أرغب وأتوق إليه، وطالما اضطررت أن أخيب آمالهم في الوقت الذي ينتظرونني فيه؛ لتناول طعام الغداء معي، فأحتبس نفسي مع زائر أجنبي، أو سياسي أردني، ثم في حوالي الساعة الرابعة أو الخامسة بعد الظهر أطلب إحضار بعض الشطائر لآكلها وأنا منهمك في عملي.

أما في المساء فإنني أغادر مائدة العمل في الساعة الثامنة أو التاسعة، ويكون أولادي عندها قد استسلموا إلى الرقاد، وتبقى في انتظاري زوجتي وأولادي ليمنحوني الحرارة التي افتقدتها، والتي أشعر بأنني في مسيس الحاجة إليها+([420]).

ثم إن المنصب قد يكون سبباً في هلاك صاحبه، أو تشرده، وشماتة الأعداء به؛ فها هو شاه إيران الذي كان يتبختر كالطاووس كبراً وتيهاً، والذي كان يتقلب في الترف والنعيم، والذي أقام حفلاً ليعيد فيه ذكرى مرور ألفين وخمسمائة سنة على قيام الدولة الفارسية، وأراد من ذلك مسخ الإسلام، وبسط سلطانه على الخليج، ومن ثم العالم العربي؛ ليلتقي مع اليهود، كيف كانت نهايته؟

لقد أزيح عن سلطانه، وجُرد من كافة امتيازاته، وبعد ذلك تشرد، وطرد، ولم يجد بلداً يؤيه، وظل على هذه الحال حتى مات شريداً طريداً بعيداً عن وطنه بعد أن أضناه الهم، وفتك به السرطان.

أما أولاده، وأهله، وحاشيته فقد أصبحوا شذر مذر، متفرقين في عدة قارات!!.

وهذا رئيس الفلبين السابق فيرديناند ماركوس الذي بلغ الغاية في الترف، والنعيم، والتجبر؛ ماذا كانت نهايته؟ .

لقد أذاقه الله ألواناً من العذاب، والتعاسة، والشقاء؛ حيث انقلبت حاله رأساً على عقب؛ حيث سلب منه منصبه، وتنكر له أسياده، وأصحابه، فصار شريداً طريداً لا يملك الرجوع إلي بلده الذي كان يتربع على عرشه، حتى إذا جاءته الوفاة لم يستطع الحصول على أشبار قليلة في بلده؛ ليوارى فيها بعد موته([421]).

وقبل أولئك ماذا كان من أمر زعيم النازية أدولف هتلر؟ ذلك المستبد العاتي المتجبر، الذي كان يهذي ويحلم بإنشاء امبراطورية تضم جميع أنحاء العالم، والذي تسبب في مقتل 35 مليوناً في سبيل الوصول إلى غايته المنشودة، والذي كان يزهو بنفسه ويتلاعب بعواطف الجماهير، ويحركها كيف يشاء، والذي كاد أن يسيطر على العالم في أوائل العقد الخامس من القرن العشرين الميلادي؛ فماذا كانت حياته؟ وكيف كانت نهايته؟

أما حياته فقد كانت مزيجاً من الشقاء، والمرض، والحرمان العاطفي، والألم العقلي.

وتفاصيل حياته غريبة ومثيرة، وليس هذا مجال بسطها([422]).

أما نهايته فكانت في 30 نيسان أبريل عام 1945م، عندما أطلق الرصاص على نفسه؛ خوفاً من سقوطه على أيدى الحلفاء، وتوفي وعمره 56 سنة، وقبل أن يقدم على الانتحار وفي أيامه الأخيرة مرت به لحظات حرجة مريرة.

يقول (ألبرت سبير) وزير التسليح في حكومة هتلر النازية عن تلك الأيام: =في الأسابيع الأخيرة من حياته بدا هتلر منهاراً، وقد سحقته قسوة الأحداث التي قهرته تدريجياً خلال السنوات السابقة، كذلك أصبح أكثر تقبلاً وتحملاً للمعارضة+([423]).

ويقول: =كان هتلر في هذه اللحظات يعطي الانطباع بأنه رجل تحطمت كافة أهدافه وآماله، رجل أصبح يدور في مداره الراسخ بسبب الطاقة المخزونة في داخله فقط.

بل إنه كان في الواقع قد تخلى عن كل سلطاته، واستسلم لما قد يأتي به القدر.

وكان في ذلك الوقت يذوي ويذبل مثل رجل عجوز، كانت شفتاه ترتجفان، وكان يسير منحنياً، ويجر ساقيه جراً، حتى صوته أصبح متهدجاً، وفقد براعته، واستبداديته القديمة، وقد اختفت قوة صوته، ليحل محلها صوت متلعثم بلا أيَّة نبرة مميزة، وكانت لا تزال تنتابه نوبات من العناد، لكنها نوبات عناد مؤقتة وعابرة.

وقد أصبح مظهره العام شاحباً، ووجهه متورماً، وملابسه التي كانت تبدو أنيقة في الماضي أصبحت عرضة للإهمال في فترة حياته الأخيرة، وقد لُطِّخت ببقايا الطعام الذي كان يتناوله بيد مرتعشة+([424]).

وبعد هذا كله أقدم على الانتحار_كما مر قبل قليل_فذهب غير مأسوف عليه، بل كلما ذكر ذكر معه الإجرام، والتسلط، والجبروت.

خامساً: حال أهل الرياضة مع السعادة: الرياضة_وخصوصاً كرة القدم_معشوقة الجماهير، ومحط أنظارهم.

ونجوم الرياضة لهم القدْحُ المعلى من الشهرة وبُعْد الصيت في هذا العصر.

وكثير من الناس يظن أن نجوم الرياضة أسعد الناس؛ لما ينعمون به من الشهرة، وحب الجماهير، وربما طغيان الغنى.

والحقيقة المُبْصَرَةُ تقول غير هذا؛ فلو كشفت عن سالفة هؤلاء، وتبينت حقيقة أمرهم_لعلمت أنهم في واد والسعادة الحقة في واد؛ ولأدركت أن ما هم فيه من إظهار للسرور والبهجة أنها سعادة عابرة مؤقتة تخفي وراءها الآلام، والمتاعب والأتراح؛ ذلك أن اللاعب ينتقل من معسكر إلى معسكر، ومن استعداد لمباراة إلى استعداد لأخرى، ومن سفر إلى بلد إلى سفر آخر.

وهذه إصابة تقض مضجعه وتؤرق جفنه، وتلك صحافة تقذع في نقده، وتبالغ في سبه، أو التعريض به، وهذه اضطرابات تصيبه قبل كل مباراة، وتلك كآبة تخيم عليه عند كل هزيمة، وذلك جمهور لا يرحمه إذا لم يقم بدوره كما ينبغي، وهؤلاء حسدة يكيدون له ويتربصون به الدوائر، وذاك خوف وقلق من فقدان مكانته.

ثم ما حال ذلك النجم اللامع إذا انخفض مستواه، وما حاله إذا اعتزل أو اضطر إلى ذلك؟

إنه يلاقي كل كنود وجحود حتى من أقرب الأقربين إليه.

ثم كم يحرم من الأنس بأهله؟ وكم يحرم أهله منه؟

إذاً فليست السعادة عند هؤلاء، وإن تظاهروا بها، وظن بعض الناس أنهم أحقُّ الناس وأهلُها، وإن كانوا_أيضاً_متفاوتين في الشقاء وقلة السعادة.

ولنأخذ مثالاً واحداً على مدى ما يعانيه نجوم الرياضة؛ ألا وهو اللاعب الأرجنتيني دييجو مارادونا الذي يعد أشهر لاعب في تاريخ كرة القدم العالمية تقريباً؛ فما حال ذلك الإنسان مع السعادة؟

إنه_مع شهرته وغناه_قطعة من التعاسة والضياع، فمنذ أن تسلطت عليه الأضواء وهو ينتقل من شقاء إلى شقاء؛ فلقد كان يلعب في ناديه بوكاجونيورز الأرجنتيني، ثم انتقل إلى نادي برشلونة الأسباني، وهناك أصيب إصابة بالغة نغَّصت عليه حياته، واستمر علاجه مدة طويلة، ثم انتقل بعد ذلك إلى نادي نابولي الإيطالي، وبعد ذلك توالت عليه المشكلات والإصابات، وصار خلاف بينه وبين عشيقته، ثم لجأ إلى المخدرات، وترك الرياضة، ثم رجع إليها مرة أخرى، وفي إحدى مباريات كأس العالم اكتشف أنه قد تعاطى المنشطات فحرم من اللعب، وها هو إلى يومنا هذا من هوة إلى هوة.

والأمثلة من هذا القبيل كثيرة، والمجال لا يتسع لأكثر من ذلك.

سادساً: حال المجتمعات البعيدة عن الله مع السعادة: هناك من يرى أن السعادة لا تتحقق إلا بإتباع النفوس هواها، وإرسالها مع كافة رغائبها وشهواتها؛ بحيث لا يبقى عليها حسيب ولا رقيب، ولا يقف في طريقها دين، أو عرف، أو نحو ذلك؛ فهذا سر السعادة، وتلك جنة الفردوس عند أولئك.

ولهذا ترى نفراً غير قليل من هؤلاء يدعو إلى الإباحية، وإلى فتح أبواب الحرية؛ لتتخلص المجتمعات من كبتها وعقدها، ولتنعم بالسعادة كما يزعمون!

فهل هذا الكلام صحيح؟ وهل تلك المجتمعات الكافرة تنعم بالسعادة حقاً؟

والجواب ما تراه وتسمعه؛ فها هي أمم الكفر قد فتحت أبواب الحرية على مصاريعها؛ فلم يَعُدْ يَرْدَعُها دين، أو يَزُمُّها ورعٌ، أو يحميها حياء؛ فمن كفر وإلحاد إلى مجون، وخلاعة وإباحية مطلقة، ومن خمور ومخدرات إلى زناً، ولواط، وشذوذ بكافة أنواعه مما يخطر بالبال، ومما لا يخطر؛ فكيف تعيش تلك الأمم؟ وهل وصلت للسعادة المنشودة؟

والجواب: لا؛ فما زادهم ذلك إلا شقاء وحسرة؛ فسنة الله_عز وجل_في الأمم هي سنته في الأفراد؛ فمتى أعرضت عن دينه القويم أصابها ما أصابها بقدر بعدها وإعراضها.

ولهذا تعيش تلك الأمم حياة شقية تعيسة صعبة معقدة؛ حيث يشيع فيها القلق، والاضطراب، والتفكك، والقتل، والسرقة، والشذوذ، والاغتصاب، والمخدرات، وأمراض الجنس، وتفقد فيها الطمأنينة، والراحة، والمحبة، والبر، والصلة، والتعاطف، والتكافل إلى غير ذلك من المعاني الجميلة.

قال_تعالى_: [وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى] طه: 124.

كيف تسعد تلك الأمم وفي داخل كل إنسان منها أسئلة محيرة؟ من خلق الحياة؟ وما بدايتها؟ وما نهايتها؟ وما سر تلك الروح التي لو خرجت لأصبح الإنسان جماداً؟

إن هذه الأسئلة قد تهدأ في بعض الأحيان؛ بسبب مشاغل الحياة، ولكنها لا تلبث أن تعود مرة أخرى.

وكيف لا تحرم تلك الأمم السعادة وهي تعيش بلا دين يزكي نفوسها، ويضبط عواطفها، ويردعها عن التمادي في باطلها، ويسد جوعتها بالتوجه إلى فاطرها؟

إن الكنيسة بتعاليمها المحرفة لا تستطيع أن تجيب عن الأسئلة الماضية بدقة ووضوح، ولا تملك منهجاً يزكي النفوس، ويقنع العقول، وتسير عليه أمور الناس بانتظام.

ولقد زاد هذا الأمر ضراوة بعد أن تراجعت الكنيسة أمام ضربات الإلحاد.

فما أغنت الحرية المزعومة والإباحية المطلقة عن تلك المجتمعات فتيلاً أو قطميراً، ولا جلبت لها السعادة الحقة، ولا الحياة الكريمة.

ولهذا يبحث الناس هناك عما يريحهم من هذا العناء والشقاء؛ فمنهم من يلجأ إلى المخدرات والمهدئات التي تضاعف البلاء، وتزيد في الشقاء([425]).

ومنهم من يروي غليله بالشذوذ الجنسي، حتى يفقد إنسانيته وصحته؛ ويكون عرضة للإصابة بأمراض الشذوذ المتنوعة كالزهري([426])، والسيلان([427])، والهربس([428])، والإيدز([429])، وما يسمى بـ =فيروس الحب+([430])، وما يصاحب هذه الأمراض من ضيق وتكدر.

ومنهم من يروي غلته بالسطو، والسرقة؛ حتى إن الناس هناك لا يكادون يأمنون على أموالهم، وممتلكاتهم؛ بل لقد أصبحت السرقة تعتمد على الدراسة والتكنولوجيا الحديثة؛ المجهزة بأحدث الوسائل والأساليب، القائمة على أحدث المبتكرات والتخطيط لكل عملية سطو([431]).

ومنهم من يسلك طريق القتل ليتشفى من المجتمع، ويطفىء نار حقده، فتراه يتحين الفرص، وينتهز الغرة؛ ليهجم على ضحية يفقدها الحياة، ثم يبحث عن ضحية أخرى، بل لقد أصبح القتل عند بعضهم متعة، ونوعاً من اللذة، وكثيراً ما يكون القتل لأتفه الأسباب، حتى إن الواحد قد يقتل أقرب الأقربين([432]) إليه.

ومنهم من يبلغ به الشقاء والهم غايته؛ فلا يجد ما يسعده، أو يريحه من همومه وغمومه، ولا يرى ما ينفس به كربته، أو يعينه على تحمل أعباء حياته؛ فيلجأ حينئذ إلى الانتحار؛ رغبة في التخلص من الحياة بالكلية.

ولقد أصبح الانتحار سمة بارزة في تلك المجتمعات، وصارت نسبته تتزايد وتهدد الحضارة الغربية بأكملها.

ولقد أقلق كثرة الانتحار علماء الاجتماع في تلك البلاد؛ حيث أصبح عدد المنتحرين يفوق عدد القتلى في الحروب، وفي حوادث السيارات.

أما طرق الانتحار فتأخذ أساليب متنوعة؛ فهذا ينتحر بالغرق، وذاك بالحرق، وهذا بابتلاع السموم، وذاك بالشنق، وهذا بإطلاق الرصاص على نفسه، وذاك بالتردي من شاهق، وهكذا([433]).

أما أسباب الانتحار فمعظمها تافهة حقيرة، لا تستدعي سوى التغافل، وغض الطرف عنها؛ فهذا ينتحر بسبب الإخفاق في امتحان الدراسة أو الوظيفة، وذاك بسبب وفاة المطرب الذي يحبه، أو هزيمة الفريق الذي يميل إليه، وهذا ينتحر بسبب وفاة عشيقته، وهذه تنتحر بسبب تخلي عشيقها عنها، بل ومنهم من انتحر بعدما توفي كلبه كما فعل (جاك أشورت) وكان عمره 46 سنة([434]).

بل إن هناك من ينتحر بلا سبب ظاهر، ويبقى السبب الأول للانتحار وهو الكفر بالله، وما يستتبعه من الضنك، والشدة، وقلة التفكير في المصير.

والغريب في الأمر أن نسبة كبيرة من المنتحرين ليسوا من الفقراء؛ حتى يقال: إنهم انتحروا بسبب قلة ذات اليد، وإنما هم من الطبقات المغرقة في النعيم والبعيدة الصيت والشهرة، والرفيعة الجاه والمنصب، بل وينتشر في طبقات المثقفين([435]).

ومما يلفت النظر أن أشد البلاد انحلالاً أكثرها انتحاراً([436]).

ومن الأشياء التي استحدثوها لمحاربة التخفيف من الانتحارات المتزايدة_إنشاء مركز يتلقى مكالمات المقدمين على الانتحار، أو من لديهم مشكلة عاطفية، أو الذين يعانون من ضيق الصدر.

وهذه الخدمات تقدم ليلاً ونهاراً وبالمجان([437]).

والعجيب في الأمر أن يكون للانتحار مؤيدون وأنصار، حيث تكونت في بريطانيا جمعية للمنتحرين، وأصدرت كُتَيِّباً وأخذت توزعه على أعضائها الذين يحبذون ويؤيدون حق المرضى بالانتحار عندما يتألمون، وعندما يقرر الطبيب أن حالتهم ميؤوس منها.

وقد نَص الكتيب على الوسائل السريعة والفعالة وغير المؤلمة التي يمكن أن تساعد الساعين إلى الانتحار على تنفيذ رغبتهم! ([438]).

فلماذا ينتحر هؤلاء؟ ولماذا يستبد بهم الألم، ويذهب بهم كل مذهب؟

والجواب: أنهم فقدوا السبب الأعظم للسعادة، ألا وهو الإيمان بالله_عز وجل_فلم تغن عنهم حريتهم شيئاً، ولم يجدوا ما يطفىء لفح الحياة وهجيرها وصخبها؛ فلا يكادون يحتملون أدنى مصيبة تنزل بهم([439]).

فهل اطلع على تلك الحال من يريدون أن تكون بلاد الإسلام كتلك البلاد تهتكاً، وتوقحاً، ودعارة، وفساداً؟

وهل يريدون أن يكون مصير بلاد الإسلام كذلك المصير؟

إن كانوا لم يطلعوا فتلك مصيبة، وإن كانوا مطلعين فالمصيبة أعظم.

 =تنبيه حول معنى السعادة+

وبعد أن تبين من خلال ما مضى حال أكثر الناس مع السعادة فهل يعني ذلك أن يتخلى الناس عن دنياهم، وجميع ملذاتهم، ووجاهاتهم، ورياساتهم؟

وهل يفهم من ذلك أن يعيش الواحد منهم مجانباً للزينة، ميت الإرادة عن التعلق بشهواته على الإطلاق؟

والجواب: لا؛ ليس الأمر كذلك؛ فلا بد للناس من دنياهم؛ فالإسلام أذن في اكتساب الأموال، وحث على العمل، ونعى البطالة، ولم يَحْرم الناس أن يستمتعوا بحياتهم، وأن يروحوا الخاطر بنعيمها؛ شريطة الاقتصاد.

قال_تعالى_: [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ] الأعراف: 32.

وقال في الآية التي قبلها: [يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] الأعراف: 31.

فلا ينافي السعادة أن يستمتع الإنسان بما أباح الله له، وليس من شرط السعادة أن يتخلى الإنسان عن جميع شهواته.

وليس من شرطها_كذلك_أن يتخلى الإنسان عن دينه، ويطلق العنان لنزواته وشهواته.

بل إن شرط السعادة الأعظم أن يكون الإنسان متمسكاً بدينه، عاضاً عليه بالنواجذ؛ فذلك سر السعادة، وينبوعها الأعظم.

وحينئذ تكون الشهرة، والمال، والجاه، والرياسة أسباباً للسعادة، ومكملات لها؛ لأنها اعتمدت على ركن ثابت لا يتغير، ولا يحول؛ فلا يلام الإنسان بعد ذلك أن يكون ذا شهرة، أو مال، أو وجاهة أو رياسة.

وإذا اطلعت على أثر يقتضي البعد عن الوجاهة_فإنه مصروف إلى الحرص في طلبها، والتصنع لإحراز سمعة في المجامع الحافلة، والبلاد القاصية.

أما إذا اندفعت همة الرجل إلى المكارم؛ بجاذب ابتغاء الفضيلة، وطفق ذكره يتسع على حسب مساعيه الحميدة_فذلك خير من العزلة، والاختباء في زوايا الخمول.

بل لا يلام الإنسان إذا سعى للرياسة إذا كان يرى من نفسه الكفاءة والقدرة، ولا يريد أن يتخذ من رياسته حبالة لا يتعدى نفعها إلى الأمة، وإنما يريد نشر الخير، وبسط العدل، ورفع الظلم؛ فذلك موعود بالتسديد والإعانة في الدنيا، وبالإظلال في ظل عرش الرحمن في الآخرة يوم لا ظل إلا ظله.

ثم إن الآيات الواردةَ في سياق التزهيد والحط من متاع الحياة الدنيا لا يقصد منها ترغيب الإنسان؛ ليعيش مجانباً للزينة، ميت الإرادة عن التعلق بشهواته على الإطلاق.

وإنما يقصد منها حكم أخرى، كتسلية الفقراء الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض، ومنْ قَصُرت أيديهم عن تناولها، لئلا تضيق صدورهم على آثارها أسفاً.

ومنها تعديل الأنفس الشاردة، وانتزاع ما في طبيعتها من الشَّرَه والطمع؛ لئلا يخرجا بها عن قصد السبيل، ويتَطَوَّحا بها في الاكتساب إلى طرق غير لائقة؛ فاستصغار متاع الدنيا، وتحقير لذائذها في نفوس الناس يرفعهم عن الاستغراق فيها، ويُكْبرُ بهممهم عن جعلها قبلة يولون وجوههم شطرها أينما كانوا.

ومتى عكف الإنسان على ملاذِّ الحياة، ولم يصْحُ قلبُه عن اللهو بزخارفها_ماتت عواطفه، ونسي أو تناسى من أين تؤتى المكارم والمروءة، ودخل مع الأنعام في حياتها السافلة.

وبالجملة فإن تقوى الله_عز وجل_والإقبال عليه بالكلية_هو أصل السعادة، وسرها، وكل سعادة بدون ذلك فهي مبتورة أو وهمية، وإن اجتمعت حولها أسباب السعادة الأخرى؛ فالسعادة ينبوع يتفجر من القلب لا غيث يهطل من السماء، والنفس الكريمة الراضية التقية الطاهرة من أدران الرذائل وأقذارها سعيدة حيثما حلت، وأنى وجدت: في القصر وفي الكوخ، في المدينة وفي القرية، في الأنس وفي الوحشة، في المجتمع وفي العزلة، بين القصور والدور وبين الآكام والصخور؛ فمن أراد السعادة الحقة فلا يسأل عنها المال والحسبَ، والفضة والذهب، والقصور والبساتين، والأرواح والرياحين.

بل يسأل عنها نفسه التي بين جنبيه؛ فهي ينبوع سعادته وهنائه إن شاء، ومصدر شقائه وبلائه إن أراد [قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا] الشمس: 9_10.

وما هذه الابتسامات التي تُرى متلألأة من أفواه الفقراء والمساكين، والمحزونين والمتألمين؛ لأنهم سعداء في عيشهم، بل لأنهم سعداء في أنفسهم.

وما هذه الزفرات التي تُسمع متصاعدة من صدور الأغنياء والأثرياء وأصحاب العظمة والجاه؛ لأنهم أشقياء في عيشهم، بل لأنهم أشقياء في أنفسهم.

وما كدَّر صفاء هذه النفوس، وأزعج سكونها وقرارها، وسلبها راحتها وهناءها_مثلُ البعد عن الله_عز وجل_.

ولا أنار صفحتها، ولا جلَّى ظلمتها، ولا كشف غَمَّاءها كالإقبال على الله_تبارك وتعالى_([440]).

فمن أراد السعادة العظمى فليقبل على ربه بكلِّيَّته، حبَّاً، وذكراً، وإنابة، وخوفاً، ورجاء، ونحو ذلك من سائر العبوديات.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية+([441]).

وقال×: =فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه، ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله_سبحانه_.

ومن عبد غير الله_وإن أحبه، وحصل به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة_فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ أكل الطعام المسموم+([442]).

وقال: =فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاح لها إلا بالهها الله الذي لا إله إلا هو؛ فلا تطمئن بالدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحاً فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه.

ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله_فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت، وفي بعض الأحوال، وتارة يكون ذلك الذي يتنعم به والتذ غير مُنعم ولا ملتذ له، بل قد يؤذيه اتصاله به، ووجوده عنده.

أما إلهه الحق فلا بد له منه في كل حال، وكل وقت، وأينما كان فهو معه+([443]).

وقال ابن حزم×: =تطلبت غرضاً يستوي الناس كلهم في استحسانه وفي طلبه فلم أجده إلا واحداً، وهو طرد الهم.

فلما تدبرته علمت أن الناس كلهم لم يستووا في استحسانه فقط، ولا في طلبه فقط، ولكن رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم وتباين هممهم وإراداتهم لا يتحركون حركة أصلاً إلا فيما يرجون به طرد الهم، ولا ينطقون بكلمة أصلاً إلا فيما يعانون به إزاحته عن أنفسهم؛ فمن مخطىء وجْهَ سبيله، ومن مقارب للخطأ، ومن مصيب_وهو الأقل من الناس_في الأقل من أموره+([444]).

إلى أن قال×=وليس في العالم مذ كان إلى أن يتناهى_أحد يستحسن الهم، ولا يريد طرده عن نفسه، فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع، وانكشف لي هذا السر العجيب، وأنار الله_تعالى_لفكري هذا الكنز العظيم_بحثت عن سبيل موصلة_على الحقيقة_إلى طرد الهم الذي هو المطلوب للنفس الذي اتفق عليه جميع أنواع الإنسان_الجاهل منهم والعالم، والصالح والطالح_على السعي له، فلم أجدها([445]) التوجه إلى الله_عز وجل_بالعمل للآخرة.

وإلا فإنما طلب المال طلابُه؛ ليطردوا به همَّ الفقر عن أنفسهم، وإنما طلب الصوت([446]) من طلبه؛ ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها، وإنما طلب اللذات من طلبها؛ ليطرد بها عن نفسه هم فوتها، وإنما طلب العلم من طلبه؛ ليطرد به عن نفسه هم الجهل، وإنما هش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس من يطلب ذلك؛ ليطرد بها عن نفسه همَّ التوحد، ومغيب أحوال العالم منه، وإنما أكل من أكل، وشرب من شرب، ونكح من نكح، ولبس من لبس، ولعب من لعب، واكتن([447]) من اكتن، وركب من ركب، ومشى من مشى، وتودع من تودع؛ ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال، وسائر الهموم.

وفي كل ما ذكرنا_لمن تدبره_هموم حادثة لابد لها من عوارض تعرض في خلالها، وتعَذُّر ما يتعذر منها، وذهاب ما يوجد منها، والعجز عنه لبعض الآفات الكائنة، وأيضاً نتائج سوء تنتج بالحصول على ما حصل عليه من كل ذلك من خوف منافس، أو طعن حاسد، أو اختلاس راغب، أو اقتناء عدوِّ مع الذم والإثم وغير ذلك.

ووجدت العمل للآخرة_سالماً من كل عيب، خالياً من كل كدر_موصلاً إلى طرد الهم على الحقيقة، ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم، بل يُسر؛ إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال به عون له على ما يطلب، وزايد في الغرض الذي إياه يقصد، ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم؛ إذ ليس مؤاخذاً بذلك، فهو غير مؤثر فيما يطلب، ورأيته إن قُصد بالأذى سُرَّ، وإن نكبته نكبة سُرَّ، وإن تعب فيما سلك فيه سُرَّ؛ فهو في سرور أبداً، وغيره بخلاف ذلك أبداً؛ فاعلم أنه مطلوب واحد، وهو طرد الهم، وليس إليه إلا طريق واحد، وهو العمل لله_تعالى_فما عدا هذا فضلال وسخف+([448]).

هذا وسيأتي مزيد بيان لحقيقة السعادة في الصفحات التالية_إن شاء الله_.


المبحث الثاني


لا ريب أن للشهوات سلطاناً على النفوس، واستيلاءً وتمكناً في القلوب؛ فتركها عزيز، والخلاص منها شاق عسير، ولكن من اتقى الله كفاه، ومن استعان به أعانه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.

وكلما ازدادت الرغبة في المحرم، وتاقت النفس إلى فعله، وكثرت الدواعي إلى الوقوع فيه_عظم الأجر في تركه، وتضاعفت المثوبة في مجاهدة النفس على الخلاص منه.

وإنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله.

وأما من تركها مخلصاً لله فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا أول وهلة؛ ليمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب؛ فإن صبر على تلك المشقة قليلاً استحالت لذة، فمن ذاق طعم الاستقامة فلن يبغى بها بدلاً، ولا عنها حولاً.

ألا ترى إلى الصبي الذي اعتاد ثدي أمه كيف سكوتُه بذلك الثدي، وكيف حنينه إليه إذا فقده، وكيف فرحه به إذا هو وجده؟

فكذلك النفس الشهوانية؛ فإذا فطم الصبي انفطم حتى لا يلتفت إلى الثدي بعد ذلك؛ لأنه وجد طعم ألوان الأطعمة؛ فلا يحن إلى لبن أمه.

وكذلك النفس إذا وجدت لذة العبادة، وذاقت طعم الإيمان، وبرد اليقين، واستشعرت رَوْح قرب الله، وجميل نظره_لم تَحنَّ إلى تلك الشهوات([449]).

من ذاق طعم نعيم القوم يدريه

ومن دراه غدا بالروح يشريه

=وكل هذا محسوس مجرب، وإنما يقع غلط أكثر الناس أنه قد أحس بظاهر من لذات أهل الفجور وذاقها، ولم يذق لذات أهل البر، ولم يخبرها+([450]).

ثم إن من ترك لله شيئاً عوَّضه الله خيراً منه، والعوضُ من الله أنواع مختلفة، وأجل ما يُعَوَّض به الإنسان أن يأنس بالله، وأن يرزق محبته_عز وجل_وطمأنينة القلب بذكره، ورضاه عن ربه_تبارك وتعالى_مع ما يلقاه من جزاء في هذه الدنيا، وما ينتظره من الجزاء الأوفى في العقبى([451]).

وفيما يلي ذكر لنماذج تؤكد هذا المعنى.


 


1_ من ترك مسألة الناس، ورجاءهم، وإراقة ماء الوجه أمامهم، وعلق رجاءه بالله دون من سواه_عَوَّضَه خيراً مما ترك، فرزقه حرية القلب، وعزة النفس، والاستغناء عن الخلق =ومن يستعفف يعفه الله+([452]).

2_ ومن ترك الاعتراض على قدر الله، فسلَّم لربه في جميع أمره_رزقه الله الرضا واليقين، وأراه من حسن العاقبة ما لا يخطر له ببال.

3_ ومن ترك الذهاب للعرافين والسحرة رزقه الله الصبر، وصدق التوكل، وتَحَقُّقَ التوحيد.

4_ ومن ترك التكالب على الدنيا جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة.

5_ ومن ترك الخوف من غير الله، وأفرد الله وحده بالخوف، وسلَّم له نفسه_سَلِمَ من الأوهام، وأمَّنه الله من كل شيء، فصارت مخاوفه أمناً وبرداً وسلاماً، ولم يبق لخوف المخلوقين في قلبه موضع؛ لأنه سلم نفسه لربه، وأودعها عنده، وأحرزها في حرزه، وجعلها تحت كنفه، حيث لا تنالها يدُ عدوٍّ عاد، ولا بغيُ باغ عات.

6_ ومن ترك الكذب، ولزم الصدق فيما يأتي، وما يذر_هُدي إلى البر، وكان عند الله صديقاً، ورزق لسان صدق بين الناس، فسوَّدوه، وأكرموه، وأصاخوا السمع لقوله.

7_ ومن ترك المراء_وإن كان مُحقَّاً_ضُمن له بيت في ربض الجنة، وسلم من شر اللجاج والخصومة، وحافظ على صفاء قلبه، وأمن من كشف عيوبه.

8_ ومن ترك الغش في البيع والشراء زادت ثقة الناس به، وكثر إقبالهم عليه، ونال رضا ربه.

9_ ومن ترك الربا، وكسب الخبيث بارك الله له في رزقه، وفتح له أبواب الخيرات.

10_ ومن ترك النظر إلى المحرم عوَّضه الله فراسة صادقة، ونوراً وجلاءً، ولذة يجد حلاوتها في قلبه، وسلم_في الوقت نفسه_من تبعات إطلاق البصر.

11_ ومن ترك البخل، وآثر التكرم والسخاء أحبه الناس، واقترب من الله ومن الجنة، وسلم من الهم، والغم، وضيق الصدر، وترقى في مراتب الكمال، ومدارج الفضيلة [وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] الحشر: 9.

12_ ومن ترك الكبر، ولزم التواضع_كمل سؤدده، وعلا قدره، وتناهى فضله =وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله+([453]).

وأحسن أخلاق الفتى وأتمها

تواضعه للناس وهو رفيع([454])

13_ ومن ترك المنام ودفأه ولذته، وقام للصلاة_عوضه الله فرحاً، ونوراً، ونشاطاً، وأنساً.

14_ ومن ترك التدخين، وكافة المسكرات، والمخدرات_أعانه الله، وأمده بألطاف من عنده، وعوضه صحة وسعادة حقيقية لا تلك السعادة العابرة الوهمية.

15_ ومن ترك العشق، وقطع أسبابه التي تمده، وتجرع غصص الهجر ونار البعاد في بداية أمره، وأقبل على الله بكُلّيته_رُزِق السلوَّ، وعزة النفس، وسلم من اللوعة، والذلة، والأسر، ومُلىء قلبه حرية ومحبة لله_عز وجل_تلك المحبة التي تلم شعث القلب، وتسد خلته، وتشبع جوعته، وتغنيه من فقره؛ فالقلب لا يسر ولا يفلح، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه، وحبه، والإنابة إليه.

16_ ومن ترك الانتقام والتشفي مع قدرته على ذلك_عوضه الله انشراحاً في الصدر، وفرحاً في القلب؛ ففي العفو من الطمأنينة، والسكينة، والحلاوة، وشرف النفس، وعزها، وترفعها_ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام، =وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً+([455]).

17_ ومن ترك صحبة السوء التي يظن أن بها منتهى أنسه، وغايةَ سروره_عوضه الله أصحاباً أبراراً، يجد عندهم المتعة والفائدة، وينال من جراء مصاحبتهم خيري الدنيا والآخرة.

18_ ومن ترك كثرة الطعام سلم من البطنة، وسائر الأمراض، وضياع الأوقات؛ لأن من أكل كثيراً شرب كثيراً، فنام كثيراً، فخسر كثيراً.

19_ ومن ترك المماطلة بالدَّين يسر الله أمره، وسدد عنه، وكان في عونه.

20_ ومن ترك الغضب حفظ على نفسه عزتها وكرامتها، ونأى بها عن ذل الاعتذار ومغبة الندم، ودخل في زمرة المتقين =الكاظمين الغيظ+.

21_ ومن ترك الوقيعة في أعراض الناس، والتعرض لعيوبهم ومغامزهم_عُوِّض بالسلامة من شرهم، ورزق التبصر في عيوب نفسه.

المرء إن كان مؤمناً ورعاً

أشغله عن عيوب الورى ورعه

كما السقيم العليل أشغله

عن وجع الناس كلهم وجعه([456])

22_ ومن ترك مجاراة السفهاء، وأعرض عن الجاهلين_حمى عرضه، وأراح نفسه، وسلم من سماع ما يؤذيه [خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ] الأعراف: 199.

23_ ومن ترك الحسد سلم من أضراره المتنوعة؛ فالحسد داء عضال، وسم قتَّال ومسلك شائن، وخلق لئيم، ومن لؤمه أنه موكل بالأدنى فالأدنى من الأقارب، والأكفاء، والخلطاء، والمعارف، والإخوان.

24_ ومن ترك سوء الظن بالناس سلم من تشوش القلب، واشتغال الفكر، ومعاداة الناس؛ فإساءة الظن تجلب الكدر، وتعكر الصفو، وتفسد المودة.

25_ ومن اطَّرح الدعة والكسل، وأقبل على الجد والعمل_علت همته، وبورك له في وقته، فنال الخير الكثير في الزمن اليسير.

فمن هجر اللذات نال المنى ومن

أكبَّ على اللذات عضَّ على اليد([457])

26_ ومن ترك قطيعة أرحامه، فواصلهم، وتودد إليهم، وقابل إساءتهم بالإحسان إليهم_بسط له الله في رزقه، ونَسَأ له في أثره، ولا يزال معه ظهير من الله ما دام على تلك الصلة.

27_ ومن ترك العقوق، فكان بَرَّاً بوالديه÷، وأدخله الجنة، ورزقه الله الأولاد البررة في الدنيا.

28_ ومن ترك تطلُّب الشهرة، وحبَّ الظهور رفع الله ذكره، ونشر فضله، وأتته الشهرة تجرر أذيالها.

29_ ومن ترك العبوس والتقطيب، واتصف بالبشر والطلاقة لانت عريكته، ورقَّت حواشيه، وكثر محبوه، وقلَّ شانؤوه.

30_ وبالجملة فمن ترك لله شيئاً عوضه الله خيراً منه؛ فالجزاء من جنس العمل [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه] الزلزلة: 7.


 


المثال الأول: نبي الله يوسف_عليه السلام_:

لقد قص علينا القرآن العظيم ما وقع ليوسف_عليه السلام_مع امرأة العزيز؛ وما لو اجتمع كله أو بعضه لغيره لربما أجاب الداعي.

بل إن من الناس من يذهب بنفسه إلى مواقع الفتن، ويسعى لحتفه بظلفه، ثم يبوء بعد ذلك بالخسران المبين في الدنيا والآخرة إن لم يتداركه الله برحمته.

لقد أخبرنا الله_عز وجل_عن عشق امرأة العزيز ليوسف_عليه السلام_وما راودته، وكادته به.

وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف، بصبره وعفته، وتقواه، مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبَّره الله؛ فإن مواقعة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع، وكان الداعي ههنا في غاية القوة، وذلك من وجوه: ([458])

أحدها_ما ركبه الله_سبحانه_في طبع الرجل من ميله إلى المرأة، كما يميل العطشان إلى الماء، والجائع إلى الطعام، حتى إن كثيراً من الناس قد يصبر عن الطعام والشراب، ولا يصبر عن النساء.

وهذا لا يذم إذا صادف حِلاً، بل يحمد.

الثاني_أن يوسف عليه السلام_كان شاباً، وشهوة الشاب، وحدَّته أقوى.

الثالث_أنه كان عزباً، ليس له زوجة ولا سُرِّية تعوضه، وتكسر ثورة الشهوة.

الرابع_أنه كان في الظاهر مملوكاً لها في الدار؛ فقد اشتري بثمن بخس دراهم معدودة، والمملوك لا يتصرف في أمر نفسه، وليس وازعه كوازع الحر، والمملوك كذلك يدخل، ويخرج، ويحضر معها، ولا يُنكر عليه؛ فكان الأنس سابقاً على الطلب، وهو من أقوى الدواعي.

الخامس_أنه كان غريباً، وفي بلاد غربة، والغريب يتأتَّى له في بلد غربته من قضاء الوطر ما لا يتأتى له في وطنه، وبين أهله ومعارفه.

السادس_أن المرأة كانت ذات منصب وجمال؛ بحيث إن كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى مواقعتها.

السابع_أنها غير ممتنعة ولا أبيَّة؛ فإن كثيراً من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها؛ لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها.

الثامن_أنها طلبت، وأرادت، وراودت، وبذلت الجهد، فكَفَتْه مؤنة الطلب، وذل الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه.

وكثير من الناس يداخله الزهو إذا أشارت إليه المرأة باليد أو بطرف العين.

التاسع_أنه في دارها، وتحت سلطانها وقهرها؛ بحيث يخشى_إن لم يطاوعْها_أن تؤذيه؛ فاجتمع له داعي الرغبة والرهبة.

العاشر_أنه في مأمن من الفضيحة؛ فلا يخشى أن تنم عليه هي ولا أحد من جهتها؛ فإنها هي الطالبة الراغبة، وقد غلّقت الأبواب، وغيبت الرقباء.

الحادي عشر_أنها قد أخذت كامل زينتها، وتهيأت غاية ما يمكن، وقالت: (هيت لك) وفي قراءة =هئت لك+.

 الثاني عشر_أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، وهن النسوة التي أرته إياهن؛ حيث شكت حالها إليهن، لتستعين بهن عليه، فاستعان هو بالله عليهن فقال: [وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ] يوسف:33.

الثالث عشر_أنها توعدته بالسجن والصغار، وهذا نوع إكراه؛ إذ هو تهديدُ مَنْ يغلب على الظن وقوع ما هدد به؛ فيجتمع داعي الشهوة وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار.

الرابع عشر_أن الزوج لم يظهر من الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما، ويبعد كلاً منهما عن صاحبه.

بل غاية ما قابلها به أن قال ليوسف: [يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا] يوسف: 29، وللمرأة: [وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ] يوسف: 29.

وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع، وهذا لم يظهر منه غيرةٌ.

ومع هذه الدواعي كلها صبر يوسف اختياراً وإيثاراً لما عند الله، فآثر مرضاة الله، وخوفه، وحمله حبُّه لله أن اختار السجن على الزنا [قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ] يوسف: 33.

وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربَّه_تعالى_إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن_صبا إليهن بطبعه، وكان من الجاهلين.

وهذا من كمال معرفته بربه، وبنفسه.

فماذا كانت العاقبة؟

لقد نال العز والسلطان، ونال الذكر الحسن، والثناء الجميل.

هذا في الدنيا، وإن له في الآخرة للجنة.

المثال الثاني: امرأة فرعون:

لما رفضت أبهة الملك، وآثرت الإيمان بالله_عز وجل_على ما يدعو إليه فرعون_بنى لها الله بيتاً في الجنة، ونجاها من فرعون وعمله، ونجاها من القوم الظالمين.

المثال الثالث: مؤمن آل ياسين:

لما ترك ما عليه قومه من الضلال المبين، وقال لهم: [إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ] يس: 25_27.


الفصل الثالث

نماذج من أحوال العصاة، ونماذج من أحوال التائبين

المبحث الأول


أولاً: صورة عامة لأحوال العصاة:

النظر في حال العصاة يُقْصِر عن التمادي في الذنوب، ويقود العاقل إلى المبادرة إلى التوبة النصوح؛ فللعصاة نصيب غير منقوص من الذلة، والهوان، والصغار، والضنك، والشدة، والشقاء، والعذاب؛ فالمعصية تورث ذلك ولا بد؛ فإن العز كل العز، والسعادة كل السعادة إنما تكون بطاعة الله_عز وجل_.

قال_تعالى_: [مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً] فاطر: 10.

أي فليطلبها من الله؛ فإنه لا يجدها إلا في طاعته([459]).

قال ابن الجوزي×في حال من يتطلع، ويمد طرفه إلى أرباب الدنيا: =فإياك أن تنظر إلى صورة نعيمهم؛ فإنك تستطيبه؛ لبعده عنك، ولو قد بلغته كرهته، ثم في ضمنه من محن الدنيا والآخرة ما لا يوصف؛ فعليك بالقناعة مهما أمكن ففيها سلامة الدنيا والدين.

وقد قيل لبعض الزهاد_وعنده خبز يابس_: كيف تشتهي هذا؟ فقال: =أتركه حتى أشتهيه+([460]).

قال الحسن×في العصاة: =إنهم_وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين_إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم؛ أبى الله إلا أن يُذلَّ من عصاه+([461]).

فأهل المعصية يجدون في أنفسهم الذلة، والشقاء، والخوف، حتى وإن رآهم الناس بخلاف ذلك، ولو تظاهروا بالسعادة والسرور، ولو كانوا من الشهرة وبعد الصيت بمكان عال، ولو كانت الدنيا طوع أيمانهم وشمائلهم؛ فالذل والضنك لا يفارقهم، بل يزيد كلما زادوا بعداً عن ربهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية×: =ولهذا تجد القوم الظالمين أعظم الناس فجوراً، وفساداً، وطلباً لما يروِّحون به أنفسهم من مسموع، ومنظور، ومشموم، ومأكول، ومشروب.

ومع هذا فلا تطمئن قلوبهم بشيء من ذلك.

هذا فيما ينالونه من اللذة، وأما ما يخافونه من الأعداء فهم أعظم الناس خوفاً، ولا عيشة لخائف.

وأما العاجز منهم فهو في عذاب عظيم، لا يزال في أسف على ما فاته، وعلى ما أصابه.

أما المؤمن فهو مع مقدرته له من الإرادة الصالحة، والعلوم النافعة ما يوجب طمأنينة قلبه، وانشراح صدره بما يفعله من الأعمال الصالحة، وله من الطمأنينة وقرة العين ما لا يمكن وصفه.

وهو مع عجزه_أيضاً_له من أنواع الإرادات الصالحة، والعلوم النافعة التي يتنعم بها_ما لا يمكن وصفه+([462]).

وقال ابن القيم×متحدثاً عن أضرار المعاصي: =ومنها المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ، والعذابُ في الآخرة.

قال_تعالى_: [وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى] طه: 124.

وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، ولا ريب أنه من المعيشة الضنك، والآية تتناول ما هو أعم منه، وإن كانت نكرة في سياق الإثبات؛ فإن عمومها من حيث المعنى؛ فإنه_سبحانه_رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره.

فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم؛ ففي قلبه من الوحشة، والذل والحسرات التي تقطِّع القلوب، والأماني الباطلة، والعذاب الحاضر ما فيه، وإنما يواريه عنه سكراتُ الشهوات والعشق، وحب الدنيا والرياسة، وإن لم يَنْضمَّ إلى ذلك سكر الخمر؛ فسُكْرُ هذه الأمور أعظم من سكر الخمر؛ فإنه يفيق صاحبه ويصحو، وسكر الهوى وحبِّ الدنيا لا يصحو صاحبه إلا إذا كان صاحبه في عسكر الأموات.

فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله”في دنياه، وفي البرزخ، ويوم معاده+([463]).

ولقد عبر عن ذلك المعنى فريق كبير من الذين انحرف بهم المسار عن دين الله، ولو ذهبنا نستعرض أقوالهم لطال بنا المقام، وفيما يلي ذكر لبعض أولئك من المُحْدَثين، ممن طارت شهرتهم، وبَعُدَ صيتهم، أو طغى غناهم وتَرَفُهم، سواء من الفلاسفة والمفكرين، أو من الفنانين والمطربين، أو غيرهم.

فأقوال هؤلاء وأحوالهم تنبيك عما في دخائل نفوسهم مع أن الناظر في أحوالهم بادىء الرأي يظن أنهم والسعادة رضيعا لبان، فإليك نماذج لبعض أولئك في الفقرة التالية: ([464])

ثانياً: نماذج لبعض أحوال العصاة:

1_ الفيلسوف الألماني المشهور (فريدريك نيتشه):

بعد أن ألغى من فكره عقيدة الإيمان بالله، وحكمة الابتلاء في هذه الحياة، وأن وراء هذه الحياة حياة أخرى هي دار الخلود، والجزاء والحساب_ها هو يعرب عن دخيلة نفسه، وما يعانيه من شقاء وعذاب، فيقول: =إنني أعلم جيداً لماذا كان الإنسان هو الوحيد الذي يضحك؛ لأنه الذي يعاني أشد العناء؛ فاضطره ذلك أن يخترع الضحك+([465]).

2_ الفيلسوف الإنجليزي (هربارت سبنسر):

ذلك الرجل الذي تدرس نظرياته التربوية في معظم بلاد العالم.

 =لما دنا من الموت نظر وراءه يستعرض حياته، فإذا هي في نظره أيام تنقضي كلها في كسب الشهرة الأدبية دون أن يتمتع بشيء من الحياة نفسها؛ فضحك من نفسه، وسخر، وتمنى لو أنه قضى أيامه الدابرة في حياة بسيطة سعيدة.

 ولما حضرته الوفاة كان على يقين بأنه لم يعمل في حياته إلا عبثاً+([466]).

3_ الفيلسوف (أرثر شوبنهور):

فيلسوف التشاؤم الألماني الملحد، عندما عزل عن تصوره مسألة الإيمان بالله، واليوم الآخر، ورفض حكمة الابتلاء نظر إلى الحياة نظرة ملؤها التشاؤم، ورأى أن طيبات الحياة كلها عبث، وأن مقاصد الناس تسير إلى الإخفاق، ومن أقواله في ذلك: =إننا لو تأملنا الحياة المصطخبة لرأينا الناس جميعاً يشتغلون بما تتطلبه من حاجة وشقاء، ويستنفذون كل قواهم؛ لكي يرضوا حاجات الدنيا التي لا تنتهي، ولكي يمحوا أحزانها الكثيرة+([467]).

4_ جان بول سارتر:

الفيلسوف الفرنسي الملحد الوجودي، عندما كفر بالله، واليوم الآخر أصبح ينظر إلى الحياة من منظوره الوجودي المادي، فلا يرى الوجود كله إلا من دوائر القلق، والمتاعب، والغثيان، والآلام.

وكتب في ذلك جملة قصص ومسرحيات ضَمَّنها آراءه الفلسفية الوجودية التي تتقيأ المكاره، والتي أبرز فيها الحياة تافهة حقيرة مخيفة مملوءة بالشقاء، مشحونة بالآلام، مع أنه دعا إلى التحلل والإباحة والانطلاق من جميع القيود.

 =وحين حضره الموت سأله من كان عنده: ترى إلى أين قادك مذهبك؟ فأجاب في أسىً عميق ملؤه الندم: إلى هزيمة كاملة+([468]).

5_ بريجيت باردو:

الممثلة الفرنسية المشهورة، قال لها صحفي: لقد كنتِ في يوم من الأيام رمزاً للتحرر والفساد.

فأجابته قائلة: هذا صحيح كنت كذلك، كنت غارقة في الفساد الذي أصبحت في يوم ما رمزاً له.

لكن المفارقة أن الناس أحبوني عارية، ورجموني عندما تبت([469])، عندما أشاهد الآن أحد أفلامي السابقة فإنني أبصق على نفسي، وأقفل الجهاز فوراً، كم كنت سافلة، ثم تواصل قائلة: قمة السعادة للإنسان الزواج، وإذا رأيتُ امرأة مع رجل، ومعهما أولاد أتساءل في سري: لماذا أنا محرومة من مثل هذه النعمة؟ ([470]).

6_ مارلين مونرو:

ممثلة الإغراء الأمريكية التي تعد أشهر ممثلة في تاريخ هوليود، والتي يقولون عنها: إنها =أسطورة هوليود التي لا يخبو نورها، ولا ينطفىء وهجها، ولا ينقطع الحديث عنها+([471]).

هذه المرأة تركت الدنيا منذ سبعة وثلاثين عاماً، حيث توفيت في الخامس من أغسطس عام 1962م في ظروف غامضة؛ فماذا كانت حياة تلك المشهورة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس في حياتها وبعد وفاتها، والتي تركت الدنيا في أوج شهرتها، وعزِّ بريقها، وشرخ شبابها، والتي لا يزال الحديث مستمر اً عنها؟

هل هي سعيدة في حياتها؟ وهل أغنت عنها شهرتها؟

لعل حديثها عن نفسها يكون أبلغ وأوقع، تقول عن نفسها: =إنها نشأت في جو يخيم عليه الحزن، وتحاصره الكآبة، فلم تعرف لها أباً، ولم تجد لها أمَّاً حنوناً، ولم يُرَبِّتْ أحد على كتفها ليقول لها_كما يقال للصغار_: أنت طفلة جميلة.

وتعترف بأن الرجل الذي كتب اسمه في شهادة ميلادها على أنه أبوها_هو أحد عشاق أمِّها الذي ربما اختارته بطريقة عشوائية كأب للمولودة الجديدة+([472]).

وتقول مارلين: =إن الملجأ كان مأواها في سن مبكرة بعد إصابة أمها باضطرابات عقلية شديدة، وبعد الملجأ تلقتها أسر كثيرة لرعايتها، حتى استقرت في النهاية عند سيدة عجوز تدعى (آنالودور) ظلت معها حتى الدراسة الثانوية، واكتشفت العجوز أن الفتاة كبرت، وأصبحت رائعة الجمال بطريقة جعلت الشباب في مدينة لوس أنجلوس يلاحقونها أينما ذهبت، فدبرت زواجها من شاب يدعى (جيم دوجرتي) ولكنها لم تحبه، ولم تشعر بالسعادة معه، وهنا بدأت العمل في السينما، وشعر الزوج بالغيرة، وانتهى الأمر بالطلاق، وبدأت مارلين تصعد أول درجات الشهرة كممثلة+([473]).

ثم بعد ذلك وصلت إلى قمة الشهرة، فاشتعلت الغيرة والحقد_كما تقول مارلين_في نفوس كثيرين، ولم تشعر_كما تقول_بدفء المشاعر، وصدق النوايا.

وتقول: إنها تتمنى أن تخرج مع أناس لا يتوقعون منها شيئاً، وإنما يخرجون معها كنوع من الحب.

وتعترف مارلين أنها لم تحب أياً من أزواجها الثلاثة (جيم دوجرتي، وجوتي هايد، وجود يبمابيوم) وأن الرجل الوحيد الذي أحبته هو الكاتب المسرحي الأمريكي آثر ميلر، ولكن الزواج كما تقول أفسد هذا الحب، فقررا الانفصال، والطلاق، والاحتفاظ بالصداقة.

وتؤكد مارلين أن أسوأ شيء في حياتها هو محاولة الكثيرين استغلالها، حتى أقرب الأقربين+([474]).

الجدير بالذكر أن حياة تلك المرأة كانت سلسلة من الفضائح التي كانت مسؤولة عن بعضها، ولا يد لها في بعضها الآخر.

وأشهر ما كان من ذلك علاقتها بالرئيس الأمريكي جون كنيدي، ثم تخليه عنها لما تولى الرئاسة، ثم علاقتها بأخيه روبرت كنيدي.

ولقد سببت لها تلك العلاقات متاعب كثيرة، بل لقد قيل: إن لآل كنيدي يداً في موتها([475]).

وأخيراً كيف كانت نهاية تلك المرأة؟

لقد وجدوها جثة هامدة في منزلها، واكتشف المحقق الذي تناول قضيتها أنها ماتت منتحرة، ووجد رسالة محفوظة في صندوق الأمانات في مانهاتن في نيويورك، وهذه الرسالة ألقت بعض الضوء على انتحار مارلين مونرو؛ إذ وجد على غلافها كلمة تطلب عدم فتح الرسالة قبل وفاتها.

ولما فتح المحقق الرسالة، وجدها مكتوبة بخط مارلين مونرو بالذات، وهي موجهة إلى فتاة تطلب نصيحة مارلين عن الطريق إلى التمثيل.

قالت مارلين في رسالتها إلى الفتاة، وإلى كل من ترغب العمل في السينما: =احذري المجد، احذري كل من يخدعك بالأضواء؛ إني أتعس امرأة على هذه الأرض؛ لم أستطع أن أكون أماً، إني أفَضِّل البيت، والحياة العائلية الشريفةَ على كل شيء، إن سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة، بل إن هذه الحياة العائلية لهي رمز سعادة المرأة، بل الإنسانية.

وتقول في النهاية: لقد ظلمني الناس، وإن العمل في السينما يجعل المرأة سلعة رخيصة تافهة مهما نالت من المجد والشهرة الزائفة.

إني أنصح الفتيات بعدم العمل في السينما وفي التمثيل؛ إن نهايتهن إذا كن عاقلات كنهايتي+([476]).

هذه هي حال تلك المرأة، وهذه نصائحها المجانية تقدمها في نهاية مطافها؛ فما أكثر العبر، وما أقل المعتبر؛ فهل من مدكر؟

7_ كريستينا أوناسيس:

تلك الفتاة اليونانية، ابنة التاجر الكبير الشهير =أوناسيس+ الذي يملك الأموال الطائلة، والجزر، والأساطيل.

هذه الفتاة مات أبوها، وقبل ذلك ماتت أمها، وبينهما مات أخوها؛ فبقيت هي الوريثة الوحيدة مع زوجة أبيها لتلك الثروات الهائلة.

لقد ورثت عن أبيها ما يزيد على خمسة آلاف مليون ريال، وتملك أسطولاً بحرياً ضخماً، وجزراً كاملة، وشركات طيران.

أليست المقاييس لدى كثير من الناس تقول: إنها أسعد امرأة في العالم؟ !

بلى، ولكن الحقيقة تقول غير ذلك، والدليل على ذلك تفاصيل حياتها وما مر بها من بؤس، وتعاسة، وشقاء.

ومما مرت به من ذلك إخفاقها في الزواج أربع مرات، حيث تزوجت أربعة رجال من أربع دول، فلقد تزوجت برجل أمريكي ثم انفصلت عنه بعد شهور، ثم تزوجت برجل يوناني، ثم انفصلت عنه بعد عدة شهور، ثم انتظرت طويلاً تبحث عن السعادة، ثم تزوجت برجل شيوعي، وعندما سألها الناس والصحفيون: أنت تمثلين الرأسمالية؛ فكيف تتزوجين بشيوعي؟

قالت: أبحث عن السعادة.

وبعد الزواج ذهبت معه إلى روسيا، وبما أن النظام هناك لا يسمح بامتلاك أكثر من غرفتين، ولا يسمح بخادمة فقد جلست تخدم نفسها في غرفتيها، فجاءها الصحفيون_وهم يتابعونها في كل مكان_فسألوها: كيف يكون هذا؟ قالت: أبحث عن السعادة!

وعاش معها زوجها سنة ثم انفصلت عنه.

وبعد ذلك أقيمت حفلة في فرنسا، وسألها الصحفيون: هل أنت أغنى امرأة في العالم؟

قالت: نعم أنا أغنى امرأة، ولكني أشقى امرأة!

وآخر فصل من فصول قصتها أنها تزوجت برجل فرنسي، وبعد فترة يسيرة أنجبت منه بنتاً ثم انفصلت عنه، وعاشت بقية حياتها في تعاسة وهمّ.وأخيراً وجدوها جثة هامدة في شاليه في الأرجنتين، وذلك في 19/11/1988م، وكان عمرها آنذاك 37 سنة، ولا يُعْلم أماتت مِيتَةً طبيعية، أم أنها قتلت، أم انتحرت، حتى إن الطبيب الأرجنتيني أمر بتشريح جثتها ثم دفنت في جزيرة أبيها.

فهل أغنى عن هذه مالها؟ وهل وجدت السعادة؟ ([477]).

فماذا لو كانت مؤمنة بالله، واليوم الآخر، عاملة بما يرضي الله_عز وجل_مسلطة مالها على هلكته بالحق، أتراها تشقى بمالها؟

الجواب: لا، بل سيكون ذلك من أعظم أسباب سعادتها.

8_ الفنانة الإيطالية العالمية داليدا:

التي وصلت مبيعات أغانيها إلى 85 مليون اسطوانة، والتي غنت 400 أغنية بالفرنسية، و 200 أغنية بالإيطالية، و 20 أغنية بلغات مختلفة منها الألمانية، والأسبانية، واليابانية، والعربية.

داليدا التي حققت في إحدى عشرة سنة إعجازاً فنياً جعلها تحصل على:

 أ_جائزة الأوسكار العالمي للأسطوانة عام 1974م.

ب_الأسطوانة البلاتينية لشركة بني لوكس عام 1975م.

جـ_جائزة أكاديمية الأسطوانة بفرنسا عام 1975م.

د_جائزة برافو عام 1985م.

هـ_جائزة الأوسكار التي حصلت عليها 5 مرات من إذاعة مونت كارلو.

و_عدة جوائز من إذاعة لوكسمبرج بدأتها في عام 1970م.

ز_في عام 1968م منحت ميدالية باريس، وميدالية رئاسة الجمهورية الفرنسية التي قدمها لها الرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديجول، والتي لم يحصل عليها أي فنان من قبل.

داليدا التي تركت للدنيا أغاني كثيرة، خلفت ثروة تقدر بأكثر من 30 مليون فرنك فرنسي.

فماذا كانت حياتها_في الحقيقة_؟ وهل وجدت السعادة والراحة والاستقرار؟

الجواب، لا؛ فلقد عاشت حياة تعيسة، فلم تؤسس أسرة، ولم تنجب طفلاً، أو طفلة، مع أن الإنجاب كان حلم حياتها.

ولقد كانت مدمنة للمخدرات، التي تلجأ إليها للخلاص من الاكتئاب، والوحدة، والعذاب النفسي_كما قال ذلك أحد أقاربها_.

ولهذا حاولت الانتحار عام 1967م، محاولة اللحاق بحبيبها (لويفي تانكر) الذي قتل نفسه بمسدسه، فلم تطق العيش بدونه، فجرعت مواد سامة؛ رغبة في الانتحار، ولكن محاولتها باءت بالإخفاق.

وذات ليلة دخلت خادمتها إلى غرفتها، وخيل إليها أنها نائمة في فراشها، فاقتربت منها؛ لكي توقظها، نادت فلم يأتها الرد، فنادتها أخرى، فلم يأتها الرد، أخيراً هزت كتفها، وابتعدت عنها، وصرخت: سيدتي ماتت.

بعد ذلك نظرت الخادمة إلى يدي داليدا، فوجدت في إحداهما ورقة، فانتزعتها من بين أصابعها، فقرأت ما فيها وإذا بها قد كتبت:

 =الحياة لا تحتمل، سامحوني؛ الحياة أصبحت بالنسبة لي مستحيلة+.

نظرت الخادمة إلى يدها الأخرى، فوجدتها تقبض على كأس فارغ، اتضح فيما بعد أن السيدة المنتحرة كانت ترتوي من هذه الكأس؛ لعلمها أن الخمر تساعد على سرعة سريان المفعول للحبوب المخدرة التي تعاطتها بكثرة؛ كي تنهي حياتها في لحظة.

حدث هذا في اليوم الثالث من شهر مايو من عام 1987م، وعمرها أربع وخمسون سنة([478]).

تُرى لو أن هذه المرأة تعرف رَبَّاً تلجأ إليه، وصلاة تفزع إليها، وديناً يضبط تصرفاتها وعواطفها، ترى هل تكون هذه نهايتها؟ .

9_ الليدي ديانا سبنسر:

تلك المرأة الإنجليزية التي نالت من الشهرة ما لم تنله امرأة في القرن العشرين، حيث تزوجت بولي عهد بريطانيا الأمير تشارلز عام 1980م_1400هـ، وأقيم حفل الزواج الكبير في قصر بكنجهام، وشاهد العالم ذلك الحفل عبر شاشات التلفاز.

ومنذ ذلك الحين والإعلام العالمي بكافة وسائله لا يفتأ يذكر اسمها، ويتابع أخبارها، وينشر صورها.

وظل الناس يتابعون كل دقيقة وجليلة من أمرها، حتى أصبح كثير من نساء العالم يقلدنها في شتى أحوالها، حتى في مشيتها، وتسريحة شعرها، وطريقة ابتسامتها، ونوع ملبوسها، ونحو ذلك من شؤونها.

وعلى مدى سنوات طويلة كان لدى الشعب البريطاني، وسائر شعوب العالم اعتقاد بأن ديانا وتشارلز هما أسعد زوجين على وجه الأرض، كيف لا وقد امتلكا جميع مباهج الحياة_في نظر الأكثرين_؟

فالشهرة، والمجد، والثراء، والنفوذ، والمستقبل الذي ينتظر الذرية كل هذه الأمور نصب أعين الزوجين.

ولكن هذا الاعتقاد لم يكن صائباً، وكل القصص والحكايات الوردية التي صنعها خيال الناس لم يكن لها أي نصيب من الواقع؛ فلقد استيقظ العالم ذات صباح من شهر مايو 1992م على فضيحة مدوية عصفت بتلك الخيالات، وطوحت بها مكاناً قصياً؛ فقد ظهر كتاب جديد في بريطانيا تحت عنوان (ديانا القصة الحقيقية).

وهذا الكتاب يروي قصة إخفاق ذلك الزواج التاريخي، ويكشف تعاسة ديانا وشقاءها، ومحاولتها الانتحار في عام 1989م بعد أن يئست من حياتها.

ويذكر الكتاب أحد المواقف التي زلزلت كيان الأميرة، وجعلتها تحيا أسوأ أيامها؛ فعندما رآها تشارلز تبكي لوفاة والدها، وعدم وجوده بجانبها عنَّفها، ووبخها، وقال لها بمنتهى القسوة: اخرجي من أحزانك بسرعة؛ فلا وقت لدينا لهذه الأحاسيس.

ولم يكن هذا الموقف هو الأخير؛ فقد توالت عبارات الأمير تشارلز، وإهاناته البالغة لديانا، حتى قررت التخلص من حياتها، خاصة بعد الأنباء التي أشارت إلى وجود علاقة غرامية بين الأمير وبين سيدة أخرى تدعى كاميلا فلورز، ومن ثم ابتلعت ديانا كل ما لديها من حبوب مهدئة؛ رغبة في التخلص من حياتها، إلا أن قدرها لم يحن بعد، فنجت من الموت.

ولم يكن صدور ذلك الكتاب نهاية المطاف؛ فقد بدأت الصحف تكشف جوانب أخرى، وأسراراً جديدة تعكس إخفاق الزوجين في تجاوز خلافاتهما، واستعادة ما كان بينهما من صفاء في بداية حياتهما الزوجية.

وكشفت صحيفة صنداي إكسبرس النقاب عن أن الأميرة ديانا تعاني من كوابيس مرعبة، وأحلام مخيفة تداهمها ليلاً في نومها؛ لتحيل حياتها إلى عذاب لا يتوقف، وشقاء لا ينقطع.

وأضافت الصحيفة أن ديانا تتلقى العلاج؛ للتخلص من هذه الكوابيس والأحلام المزعجة التي يرى الطبيب المعالج أنها تعكس مدى ما تعانيه الأميرة في حياتها من مصاعب، وما تعجز عن تحقيقه من رغبات مكبوتة.

وقالت: إن الأميرة التعسة بلغت درجة من الشقاء والضيق الشديد اضطرت معها إلى اللجوء إلى طبيب نفسي كي يعالجها.

وأكدت الصحيفة أن الأميرة أسرعت عقب تدهور صحتها؛ بسبب الكوابيس والأحلام المزعجة إلى الطبيب النفساني الشهير آلان ماكجلاشان.

وتقول الصحيفة: إن ديانا ترى في نومها وحوشاً غريبة تثير الرعب والهلع، وترى مشاهد بحرية مخيفة تزلزل كيانها، وترتعد لها فرائصها.

وأكدت بأن الأمير تشارلز نفسه بدأ يشعر بالقلق إزاء ما يجري لزوجته التي أصبحت تقطع نومها؛ لتنهض مذعورة لما تراه.

وبعد ذلك زادت المشكلات بينها وبين زوجها، وحاولت والدة تشارلز الملكة إليزابيث تهدئة الأمر، وحث الزوجين على تجاوز خلافاتهما، والتوقف عند هذا الحد.

ورغم ذلك فقد اتفق الطرفان على أن حياتهما على هذا النمط أصبحت مستحيلة، ولكن الطلاق ثقيل، خصوصاً على نفس تشارلز؛ لأنه سيؤدي إلى فقدانه وفقدان أبنائه من بعده حق الجلوس على العرش؛ حيث لا يجوز دستورياً أن يكون الملك مطلقاً.

ولأن الأمير عَيْنُه على العرش، وليس لديه أية فكرة للتنازل عنه_فقد قرر ألا يطلق.

أما الأميرة التعيسة فلم يعد لديها سوى ولديها هاري وويليام يملآن الفراغ والوحدة التي تقاسيها، ولا تريد أن تُطَلَّق؛ حتى لا يفقدا حق الجلوس على عرش بريطانيا في المستقبل ومن أجل هذا قررا الانفصال دون طلاق؛ ليبدأ كل منهما حياته بالطريقة التي يحبها([479]).

وبعد هذا اعترف الزوجان بالخيانة الزوجية، وأصبحت ديانا تترامى من أحضان عشيق إلى عشيق، إلى أن آل بها الأمر إلى آخر واحد منهم وهو عماد الفايد.

وآخر فصل من فصول حياة تلك المرأة هو تلك النهاية المؤلمة التي أودت بحياتها عندما كانت في فرنسا بصحبة عشيقها عماد الفايد، حيث ركبا في السيارة التي خرجت بهما من الفندق الذي كانا يقيمان فيه، فلما خرجا إذا بعدسات المصورين تضيق عليهما الطريق، فأسرع السائق هروباً من المصورين، فوقع الحادث الذي أودى بحياة ديانا وعماد الفايد.

فماذا أغنى الثراء؟ وماذا أغنت الشهرة؟ وماذا أغنى الجاه؟

10_ مادونا:

تلك الفنانة الأمريكية الشهيرة، التي نالت من المال والشهرة والانطلاق ما جعلها أشهر فنانة في هذا العصر تقريباً.

فشهرتها قد طبقت الخافقين؛ لأن وسائل الإعلام تحفل بها وأمثالها.وثرواتها تقدر بـ 130 مليون دولار، ولديها تعاقدات كثيرة للعمل خلال السنوات الخمس القادمة ربما درت عليها أكثر من 90 مليون دولار؛ فهل هي سعيدة بذلك؟ وهل وجدت الراحة والاستقرار؟

إن مادونا نفسها تعترف بصراحة أن كل ذلك لم يحقق لها السعادة أبداً، بل على العكس من ذلك؛ فهي الآن تعيش حالة اكتئاب عميق، وذلك بعد أن اكتشفت أنه لم يبق بينها وبين سن الأربعين سوى ثلاث سنوات، ذلك السن المتعارف عليه لدى الأطباء بأنه آخر فرصة للإنجاب بالنسبة للمرأة دون مشكلات.

ولقد صرحت مؤخراً لمجلة نمساوية بأنها نادمة ندماً شديداً على السنوات التي أضاعتها وراء الغناء هنا وهناك دون أن تفكر أن تتزوج من جديد بعد زواجها الأول الذي لم يستمر، ودون أن تفكر في إنجاب طفل أو أكثر يملأون عليها حياتها بعد أن تنصرف عنها الأضواء.

وتقول: إنها تخشى أن تقضي بقية حياتها لا تعيش إلا مع الحيوانات الأليفة، أو مع أناس تستأجرهم؛ ليكونوا حولها دون أن يكونوا من دمها ولحمها، وليس من بينهم زوج يحبها وتحبه بإخلاص.

وتضيف مادونا بأنها تملك المال الوفير ولكنه لن يسعدها بقدر ما سيسعدها أن تجد زوجاً مناسباً.

فهذه اعترافات واحدة من شهيرات نساء هذا العصر، وليتها عرفت أن البديل لشقاء الحياة المادية يوجد في الإسلام الذي كفل السعادة لمعتنقيه بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى([480]).

11_ مايكل جاكسون:

ملك البوب، المغني الأمريكي الراقص، الذي يعد أشهر مغنٍّ في العالم، والذي يملك الملايين، ويحوز النصيب الأوفى من الحضور الجماهيري.

ذلك الرجل الذي تملأ شهرته الآفاق، وتنتشر أغانيه المسموعة والمرئية في أنحاء العالم.

ذلك الرجل الذي يقلده_ومع بالغ الأسف_فئام من شباب المسلمين، يقلدونه في حركاته، ورقصاته، وقصات شعره، ونوع ملابسه.

فما حال ذلك الإنسان؟

الذي يبدو للعيان أول وهلة أن ذلك الإنسان يعيش في أعلى درجات السعادة؛ لأن أسبابها_في نظر كثيرين_متوافرة فيه، مجتمعة له.

ولكن الحقيقة تقول غير ذلك، حيث جاء في جريدة الرياض عدد، 11321 وتاريخ 9_3_1420هـ تقرير يحمل العنوان التالي:

 =يصرخ كطفل، وفكر في الانتحار مايكل جاكسون يعاني من حالة اكتئاب شديدة+

وتحت هذا العنوان جاء مايلي:

 =يعاني مايكل جاكسون من حالة اكتئاب شديدة، لدرجة أن والدته تقول لأصدقائه: إنه بدأ ينهار، وقد أقنعته في النهاية بأن يبدأ سراً علاجاً نفسانياً بالمنزل.

وكشف مصدر مقرب أن مايكل منزعج بشدة من مجموعة أشياء تركته في حالة انهيار؛ فهو لا يستطيع أن يتخلص من صورة أنه يسيء معاملة الأطفال، كما أن حياته العملية تبدو مجمدة، وهو في حالة شجار مع إخوته بعدما حنث بوعده في الانضمام مجدداً من أجل جولة لفرقة =جاكسون فايف+.

وهو يعاني من المشاكل الشخصية الأخرى التي يحاول معالجتها، ووالدته كاثرين في حالة انزعاج شديد عليه؛ فهي تطلبه هاتفياً يومياً؛ للتأكد من أنه على ما يرام، وأنه لا يحاول القيام بشيء أحمق؛ حيث إنها تخشى من لجوئه للانتحار.

وكان المغني البالغ من العمر أربعين عاماً اعترف في مقابلة أنه قد فكر في الانتحار.

وكانت والدته قد اندفعت إلى منزله عدة مرات مؤخراً، وجلست بجواره طوال الليل؛ خوفاً من أن يقتل نفسه+.

وتضيف الصحيفة قائلة: =والآن أقنعته والدته بمراجعة طبيب نفساني؛ لأنها تعتقد أن ذلك ينقذ حياته.

وذكرت والدته لأحد أصدقائه أن مايكل يصرخ كالطفل، وهو في حاجة إلى مساعدة مهنية متخصصة، وقد وعدني أخيراً بأنه سيراجع طبيباً نفسانياً، ولكنه يريد أن يتم ذلك بصورة سرية جداً؛ حتى لا يعتقد الناس أنه مصاب بالجنون+.

ترى هل سيخرجه الطبيب النفساني من حالته الكئيبة؟ لا أظن ذلك؛ لأن الطبيب نفسه يريد من يخرجه من حالته إلا إذا كان مسلماً مؤمناً بالله_عز وجل_.

والمقصود من ذكر هذه النماذج إنما هو أخذ العبرة والعظة ليس إلا.

وإلا فهم سيفضون إلى ما قدموا، وسيقفون أمام حكم عدل.

ثم إن نزول البلايا والمصائب لا يختص به أحد دون أحد؛ فقد تنزل بالبر والفاجر، والمسلم والكافر.

ولكنْ فرقٌ بين نزولها على البر المؤمن، وبين نزولها على الفاجر أو الكافر؛ فالمؤمن البر يستقبلها برضا وسرور؛ فترتفع بها درجاته في الدنيا والآخرة.

وكلما زيد في بلاء المؤمن فصبر واحتسب ورضي_أعانه الله، ولطف به، وأنزل عليه من السكينة والرضا، واليقين، والقوة ما لا يخطر ببال.

أما الفاجر والكافر، فيستقبلها بهلع، وجزع، فتزداد مصائبه، وتكون من عاجل العقوبة له.

فأين أحوال أولئك العصاة مِنْ أحوال مَن اعتصموا بالله، وهُدوا إلى صراطه المستقيم؟

فهذا عمر بن عبدالعزيز×يقول: =أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر+([481]).

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية×يقول لما أودع غياهب السجن: =ما يصنع بي أعدائي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني؛ أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة+([482]).

ويقول: =إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة+([483]).

ويقول×: =الإنسان في الدنيا يجد في قلبه بذكر الله، وذكر محامده، وآلائه وعبادته_من اللذة_ما لا يجده بشيء آخر+([484]).

وكما قال أحد العباد عن حاله: =إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب+([485]).

وقال آخر: =إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طرباً بأنسه بالله، وحبه له+([486]).

وقال آخر: =مساكين أهل الغفلة؛ خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها+([487]).

وقال آخر: =لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف+([488]).

وقال إبراهيم بن أدهم×: =نحن والله الملوك الأغنياء، نحن الذين قد تعجلنا الراحة في الدنيا، لا نبالي على أي حال أصبحنا وأمسينا إذا أطعنا الله_عز وجل_+([489]).

وقال مالك بن دينار×: =ما تنعم المتنعمون بمثل ذكر الله+([490]).

وقال ابن القيم متحدثاً عن شيخه ابن تيمية_رحمهما الله_: =وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا إلي فيه من الخير ونحو هذا.وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك، ما شاء الله.

وقال لي مرة: المحبوس من حُبس قلبه عن ربه_تعالى_والمأسور من أسره هواه.

ولما دخل القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه، وقال: [فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ] الحديد: 31.

ويواصل ابن القيم حديثه عن ابن تيمية فيقول: =وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس، والتهديد، والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرِّهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه.

وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض_أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً، وقوة، ويقيناً، وطمأنينة؛ فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها، ونسيمها، وطيبها_ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليها+([491]).


المبحث الثاني


التوبة طريق السعادة، وعنوان الفلاح، وعلامة التوفيق.

وأحوال التائبين تبين لك ذلك، وتبرهن عليه، وإليك فيما يلي نماذج من أحوال بعض التائبين([492]):

1_ الزعيم الشيوعي تروتسكي:

وهو من أبرز الشخصيات في الحزب الشيوعي، ومن كبار منظري الشيوعية، ويعد الرجل الثاني بعد لينين، وقد تولى الشؤون الخارجية بعد الثورة، وأسندت إليه شؤون الحرب، وكان يهودياً، واسمه الحقيقي بروستالين، ولد سنة 1879م، واغتيل سنة 1940م.

ومع أن هذا الرجل له شهرته الواسعة، ومع كثرة ما كتب عنه إلا أنه_ومع بالغ الأسف_قل أن يذكر خبر اعتناقه للإسلام.

جاء في مجلة الهداية الإسلامية الجزء السابع من المجلد الأول ما نصه: =تروتسكي يعتنق الإسلام في بيئة تجهل الإسلام+.

وتحت هذا العنوان كتبت:

 =نقلت الصحف خبر اعتناق تروتسكي الزعيم البولشفي للإسلام وهو منفي في تركيا، وجاء في حديث إسلامه أنه على إثر شفائه من مرضه في الأستانة دعا مفتي الأستانة فأجاب دعوته، وشهد اجتماعهما مندوب جريدة وقت التركية، فقال تروتسكي: كنت يهودياً غير أن مبادئي لم ترق لبعض الحاخامين فحرموني من ديانتي، ولكني لم أُعِرْ حرماني هذا اهتماماً كثيراً؛ لأن مبادىء الدين الإسرائيلي لم تكن لتروقني فلم أحْتَجَّ، ولم أعارض.

وأما الآن وأنا أتقدم في السن فإني أشعر كغيري من الناس بأني في حاجة إلى إيمان ودين سماوي، ففكرت في وقت ما أن أصبح مسيحياً غير أني عدلت عن ذلك؛ لكراهيتي اعتناق دين القياصرة المستبدين وراسبوتين الراهب الشرّير؛ فلم يبقَ أمامي غير الدين الإسلامي الذي دققت في البحث في شرائعه فوجدت فيه مزايا حسنة، منها أنه يحض على المناقشة والمباحثة في أصوله، ولذا سأعتنق الإسلام، وسيتناول فضيلة المفتي العشاء معي، ثم يبدأ بتلقيني الشرائع الإسلامية+([493]).

وبعد إيراد هذا الخبر علق صاحب مجلة الهداية الإسلامية الشيخ محمد الخضر حسين×على هذا الخبر قائلاً: =يحدثنا تروتسكي أنه اعتنق الإسلام بعد أن دقق البحث في حقائق شريعته الغراء.

ومن نظر إلى أن تروتسكي نشأ في منبت غير إسلامي، وأُشْرِب مذهباً ذا مبادىء لا تلائم طبيعة الدين الحنيف، ثم وقع في بيئة أخذ مترفوها يفسقون عن الإسلام_وثق بأن مثل تروتسكي إنما يسلم على سلطان من الحجة مبين.

ولا عجب أن يهتدي تروتسكي للإسلام، ويزيغ عنه نفر ترددوا على معاهد شريعته بضع سنين؛ فإن هؤلاء النفر لم ينظروا في حقائقه نظر الباحث النبيه، وما كانت تعاليمه إلا كالصور تقع على ظاهر قلوبهم دون أن تخالط سرائرها؛ فما هم من أولئك الذين يتجافون عنه بجهالة مطلقة ببعيد.

ولنا الأمل في أن تُصلح طرق التأليف والتعليم، فيسهل على كل ناشىء يدرس حقائق الشريعة أن يصل إلى لبابها، وينفذ إلى بالغ حكمتها.

ولو عُني القائمون على شؤون الدين بترجمة محفوفة بالاستدلال وبيان الحكمة_لأصبح عدد المعتنقين للإسلام من أمثال تروتسكي غير قليل+([494]).

2_ المغني البريطاني =كات ستيفنز+:

هذا الرجل_كما يروي عن نفسه_ولد في لندن قلب العالم الغربي، وتعلم في مدرسة كاثوليكية علمته مفهوم النصرانية للحياة والعقيدة، وما يفترض أن يعرفه عن الله، وعن المسيح_عليه السلام_وعن القدر، والخير، والشر.

كانت الحياة حول هذا الرجل مادية كلها، فكانت أجهزة الإعلام تعلم الناس بأن الغنى هو الثروة الحقيقية، وأن الفقر هو الضياع الحقيقي؛ فما كان منه إلا أن اختار طريق الغنى، فالتمس الغنى بالغناء، فبلغ قمة الشهرة، وأصبحت الأموال طوع يمينه وشماله، حينئذ بدأ القلق ينتابه خشية السقوط؛ فلجأ إلى الخمر، وبدأ يكره الحياة، واعتزل الناس، وأصيب بالسل، ونقل إلى المستشفى ثم بدأ يفكر في ما هو عليه، فلم يقتنع تماماً بتعاليم الدين النصراني، وبدأ يبحث عن السعادة التي لم يجدها في الغنى ولا في الشهرة، ولا في الكنيسة، فطرق باب البوذية، والفلسفة الصينية، فلم يجد السعادة، ثم انتقل إلى الشيوعية، ولكنه شعر بأنها لا تتفق مع الفطرة، فاتجه إلى العقاقير المهدئة؛ ليقطع هذه السلسلة القاسية من الحيرة، ثم رجع مرة أخرى إلى عالم الغناء.

وفي عام 1975م أهداه شقيقه الأكبر نسخة من القرآن، ثم بحث عن ترجمة لمعاني القرآن؛ ففكر في الإسلام الذي يعد في الغرب_زوراً وبهتاناً_رمزاً للعنصرية والعرقية.

يقول كات ستيفنز: =ومن أول وهلة شعرت أن القرآن يبدأ بـ: (بسم الله) وليس باسم غير الله، وعبارة (بسم الله الرحمن الرحيم) كانت مؤثرة في نفسي، ثم تستمر الفاتحة فاتحة الكتاب: (الحمد لله رب العالمين) الحمد لله خالق العالمين+([495]).

ثم بعد ذلك تبين له أن القرآن يدعو إلى عبادة الله والإيمان باليوم الآخر، ويبين حقيقة الإنسان، وبدايته ونهايته، وتبين له الفارق بين القرآن وبين الإنجيل الذي كتب على أيدي مؤلفين مختلفين.

ولقد حاول أن يبحث عن أخطاء في القرآن ولكنه لم يجد، ومن هنا بدأ يعرف ما هو الإسلام حقيقة.

يقول: =لقد أجاب القرآن على كل تساؤلاتي، وبذلك شعرت بالسعادة؛ سعادة العثور على الحقيقة.

وبعد قراءة القرآن الكريم كله خلال عام كامل بدأت أطبق الأفكار التي قرأتها فيه فشعرت بذلك أنني المسلم الوحيد في العالم.

ثم فكرت كيف أكون مسلماً حقيقياً، فاتجهت إلى مسجد لندن، وأشهرت إسلامي وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله.

حين ذلك أيقنت أن الإسلام الذي اعتنقته رسالة ثقيلة، وليس عملاً سهلاً ينتهي بالشهادتين+([496]).

ثم يواصل حديثه قائلاً: =لقد ولدت، وعرفت إلى أين أسير مع إخواني من عباد الله المسلمين، ولم أقابل أحداً منهم من قبل، ولو قابلت مسلماً يحاول أن يدعوني للإسلام لرفضت دعوته بسبب أحوال المسلمين المزرية، وما تشوهه أجهزة إعلامنا في الغرب، بل حتى أجهزة الإعلام الإسلامية كثيراً ما تشوه الحقائق الإسلامية، وكثيراً ما تقف وتؤيد افتراءات أعداء الإسلام العاجزين عن إصلاح شعوبهم التي تدمرها الآن الأمراض الأخلاقية، والاجتماعية وغيرها.

لقد اتجهت للإسلام من أفضل مصادره، وهو القرآن الكريم، ثم بدأت أدرس سيرة الرسول”وكيف أنه بسلوكه وسننه علم المسلمين الإسلام، فأدركت الثروة الهائلة في حياة الرسول”وسنته، لقد نسيت الموسيقى، وسألت إخواني: هل أستمر؟ فنصحوني بالتوقف، فالموسيقى تشغل عن ذكر الله، وهذا خطر عظيم.

لقد رأيت شباباً يهجرون أهلهم، ويعيشون في جو الأغاني والموسيقى، وهذا لا يرضاه الإسلام الذي يحث على بناء الرجال.

وأما الملايين التي كسبتها في عملي السابق وهو الغناء فوهبتها كلها للدعوة الإسلامية+([497]).

هذه هي خلاصة قصة المغني البريطاني المشهور كات ستيفنز الذي رفض الشهرة والملايين، بعد أن هداه الله إلى طريق الحق.

وبعد أن أسلم سمى نفسه (يوسف إسلام) وأصبح همه الأول نصرة الدين والدعوة إليه، ولقد أطلق لحيته حتى إنها تكاد تكسو صدره، ولقد سمعته يتلو آيات مباركات من سورة البقرة من آخر الجزء الأول وبداية الجزء الثاني بصوت عذب شجي، فنسأل الله أن يثبته على دين الحق.

3_ الممثلة هناء ثروت:

الممثلة المصرية المشهورة، التي عاشت في عالم الفن فترة من الزمن، حتى منَّ الله عليها بالتوبة.

هذه الممثلة روت قصتها بنفسها، وأفادت بأن هناك أسباباً دفعتها إلى الدخول في عالم الفن؛ حيث لم يقم والداها بتربيتها كما ينبغي؛ إذ كانا مشغولين بأعمالهما؛ فلم تجد الرعاية التامة؛ حيث تلقفتها دور الحضانة قبل أن تبلغ الثالثة من عمرها.

تقول: =كنت أعيش في قلق، وتوتُّر، وخوف من كل شيء؛ فانعكس ذلك على تصرفاتي الفوضوية الثائرة في المرحلة الابتدائية في محاولة لجذب الانتباه إلى شخصي المهمل أسرياً، بيد أن شيئاً ما أخذ يلفت الأنظار إليَّ بشكل متزايد.

أجل؛ فقد حباني الله جمالاً، ورشاقة، وحنجرة غرّيدة جعلت معلمة الموسيقى تلازمني بصفة شبه دائمة تستعيدني الأدوار الغنائية الراقصة منها والاستعراضية التي أشاهدها في التلفاز، حتى غدوت أفضل من تقوم بها في الحفلات المدرسية.

ولا أزال أحتفظ في ذاكرتي بأحداث يوم كُرّمْتُ فيه، لتفوقي في الغناء والرقص والتمثيل على مستوى المدارس الابتدائية في بلدي.

احتضنتني (الأم ليليان) مديرة مدرستي ذات الهوية الأجنبية، وغمرتني بقبلاتها قائلة لزميلة لها: لقد نجحنا في مهمتنا!

إنها_وأشارت إليَّ_من نتاجنا، وسنعرف كيف نحافظ عليها؛ لتكمل رسالتنا!

لقد صور لي خيالي الساذج آنذاك أني سأبقى دائماً مع تلك المعلمة، وهذه المديرة، وأسعدني أن أجد بعضاً من حنان افتقدته، وإن كنت قد لاحظت أن عطفهما من نوع غريب، تَكَشَّفَتْ لي أبعاده ومراميه بعدئذ، وأفقت على حقيقة هذا الاهتمام المستورد+.

وبعد ذلك تدرجت في عالم الفن حتى أصبحت ممن يشار إليهم بالبنان.

تقول عن نفسها في تلك المرحلة: =كانت تمتلكني نشوة مسكرة وأنا أرفل في الأزياء الفاخرة، والمجوهرات النفيسة، والسيارات الفارهة، كانت تطربني المقابلات والتعليقات الصحفية، ورؤية صوري الملونة وهي تحتل أغلفة المجلات، وواجهات المحلات، حتى وصل الأمر بي إلى أن تعاقد معي متعهدو الإعلانات والدعايات؛ لاستخدام اسمي_اسمي فقط_لترويج مستحضراتهم وبضائعهم.

كانت حياتي بعمومها موضع الإعجاب والتقليد في أوساط المراهقات، وغير المراهقات على السواء.

وبالمقابل كان تألقي هذا موطن الحسد والغيرة التي شب أوارها في نفوس زميلات المهنة+([498]).

إلى أن تقول: =قد تتساءل صغيرتي: وهل كنت سعيدة حقاً يا أمي؟ !

ابنتي الحبيبة لا تدري بأني قطعة من الشقاء والألم؛ فقد عرفت وعشت كل ما يحمل قاموس البؤس والمعاناة من معان وأحداث+.

وتضيف قائلة: =بات مألوفاً رؤيتي ساهمة واجمة، وقد أصبحت دمية يلهو بها أصحاب المدارس الفكرية_على اختلاف انتماءاتها العقائدية_لترويج أغراضهم ومراميهم عن طريق أمثالي من المخدوعين والمخدوعات، واستبدالنا بمن هم أكثر إخلاصاً، أو إذا شئت (عمالة) في هذا الوسط الخطر، والمسؤول عن الكثير من توجهات الناس الفكرية.

وجدت نفسي شيئاً فشيئاً أسقط في عزلة نفسية قائظة، زاد عليها نفوري من أجواء الوسط الفني_كما يُدعى_معرضة عن جلساته، وسهراته الصاخبة التي يرتكب فيها الكثير من التفاهات والحماقات باسم الفن أو الزمالة.

لم يحدث أن أبطلت التعامل مع عقلي في ساعات خلوتي لنفسي وأنا أحاول تحديد الجهة المسؤولة عن ضياعي وشقائي، أهي التربية الأسرية الخاطئة؟ أم التوجيه المدرسي المنحرف؟ أم هي جنايات وسائل الإعلام؟ أم كل ذلك معاً؟ .

لقد توصلت_أيامها_إلى تصميم وعزم يقتضي تجنيب أولادي

_مستقبلاً_ما ألقاه من تعاسة مهما كان الثمن غالياً؛ إذ يكفي المجتمع أني قُدّمت ضحية على مذبح الإهمال والتآمر والشهوات+([499]).

وبعد ذلك تزوجت بالممثل محمد العربي الذي كان متململاً من حياة الفن، حريصاً على تطليق الشهرة التي حصل عليها من جراء الفن.

وبعد زواجهما قاما بزيارة للأراضي المقدسة، وطلقا حياة الفن والتعاسة إلى غير رجعة، فالتزمت هناء ثروت الحجاب، وكرست جهدها لرعاية زوجها وأولادها.

أما زوجها فقد أكرمه الله_كما تقول_بحسن التفقه في دينه، وتعليم الناس في المسجد.

وتقول: =أولادي الأحباء لم يعرفوا بعد أن أباهم في عمامته، وأمهم في جلبابها كانا ضالين فهداهما الله، وأذاقهما حلاوة التوبة والإيمان+([500]).

وبعد أن منَّ الله عليها بالتوبة والهداية توالت الأقلام المسعورة، والحملات الضارية محاولة ردها عن دينها، وفتنتها في توبتها، وذلك بعرض أفلامها السافرة، والكتابة عنها، وتشويه سمعتها، إلا أنها_وبتوفيق من الله_صمدت أمام ذلك كله.

تقول_ثبتها الله_: =ومن المضحك أن أحد المنتجين عرض على زوجي أن أقوم بتمثيل أفلام وغناء أشعار يلصقون بها مسمى دينية، ولا يعلم هؤلاء المساكين أن إسلامي يربأ بي عن مزاولة ما يخدش كرامتي، أو ينافي عقيدتي.

نعم لقد كانت هجرتي لله، وإلى الله+([501]).

4_ الممثل محسن محيي الدين وزوجته الممثلة نسرين:

لقد من الله على هذين بالتوبة من الفن، فوجدا الحياة السعيدة الآمنة.

يقول محسن محيي الدين بعد اتخاذه قرار ترك الفن: =هذا القرار_إن شاء الله_لا رجعة فيه؛ لأني اتخذته بكامل اقتناعي وإرادتي، وندمت لأني تأخرت فيه حتى الآن؛ فالأضواء ليست غالية حتى أحن إليها مرة أخرى؛ فالشهرة والمال والأضواء لا تساوي ركعتين لله+([502]).

ثم يضيف: =إننا اعتزلنا ونحن في القمة الزائفة؛ فقد كان قرارنا بعد مهرجان القاهرة السينمائي الذي أقيم في العام الماضي، وبعد النجاح الكبير الذي حققناه، وليس لأننا لم نجد أدواراً نمثلها كما يقول البعض.

وقد أدركنا الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع وهي أن الإنسان مهما طال عمره فمصيره إلى القبر، ولا ينفعه في الآخرة إلا عمله الصالح+([503]).

وتقول زوجته نسرين: =الحمد لله، كان يومي يضيع دون إحساس بالسعادة، ودون أن أشعر بالسلام، والآن ليس لدي وقتٌ كاف؛ لأن هناك أموراً كثيرة نافعة يجب اللحاق بها، لقد وجدت السلام الداخلي+([504]).

هذه نماذج لبعض أحوال التائبين، وما وجدوه من الأنس والنعيم والطمأنينة لما أقبلوا على الله، وآثروا محابه_عز وجل_.

ولا عجب في ذلك؛ لأنه لا نعيم ولا أنس إلا بالله، وبمحبته، والإقبال عليه.

قال ابن القيم×: =وأما محبة الرب_سبحانه_فشأنها غير الشأن؛ فإنه لا شيء أحب إلى القلوب من خالقها وفاطرها؛ فهو إلهها، ومعبودها، ووليها، ومولاها، وربها، ومدبرها، ورازقها، ومميتها، ومحييها؛ فمحبته نعيم النفوس، وحياة الأرواح، وسرور النفس، وقوت القلوب، ونور العقول، وقرة العيون، وعمارة الباطن؛ فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة، والعقول الزاكية أحلى، ولا ألذ، ولا أطيب، ولا أسرَّ، ولا أنعم من محبته، والأنس به، والشوق إلى لقائه.

والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتم من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة+([505]).

إلى أن قال: =ووجدان هذه الأمور وذوقُها هو بحسب قوة المحبة وضعفها، وبحسب إدراك جمال المحبوب، والقرب منه، وكلما كانت المحبة أكمل، وإدراك المحبوب أتم، والقرب منه أوفر_كانت الحلاوة، واللذة، والسرور، والنعيم أقوى.

فمن كان بالله_سبحانه_وأسمائه، وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحب، وإليه أقرب_وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يعرف إلا بالذوق والوجد.

ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدم عليه حباً لغيره، ولا أنساً به.

وكلما ازداد له حباً ازداد له عبودية، وذلاً، وخضوعاً ورقَّاً له وحرية عن رق غيره+([506]).

إلى أن قال: =وما من مؤمن إلا وفي قلبه محبة لله_تعالى_وطمأنينة بذكره، وتنعم بمعرفته، ولذة وسرور بذكره، وشوق إلى لقائه، وأنس بقربه، وإن لم يَحُسَّ به؛ لاشتغال قلبه بغيره، وانصرافه إلى ما هو مشغول به؛ فوجود الشي غير الإحساس والشعور به+([507]).

إلى أن قال×: =إذا عرف هذا فالعبد في حال معصيته واشتغاله عنه بشهوته ولذته_تكون تلك اللذة والحلاوة الإيمانية قد استترت عنه، وتوارت، أو نقصت، أو ذهبت؛ فإنها لو كانت موجودة لما قدم عليها لذة أو شهوة+([508]).


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبعد:

ففي نهاية التطواف في مباحث الكتاب هذه خلاصة لأهم ما ورد فيه:

1_ التوبة في اللغة تدور حول معاني الرجوع، والعودة، والإنابة، والندم.

2_ التوبة في الشرع هي ترك الذنب علماً بقبحه، وندماً على فعله، وعزماً على عدم العودة إليه عند القدرة عليه، وتداركاً لما يمكن تداركه من الأعمال، وأداء لما ضُيّع من الفرائض؛ إخلاصاً لله، ورجاءً لثوابه، وخوفاً من عقابه، وأن يكون ذلك قبل الغرغرة، وقبل طلوع الشمس من مغربها.

3_ التوبة تكون من الذنوب صغيرها وكبيرها، ولا بد للتائب من معرفة ما يتاب منه ولو على سبيل الإجمال.

4_ الذنوب ترجع عند تقسيمها إلى نوعين: أحدهما ترك مأمور، والثاني فعل محظور.

ويمكن أن تقسم إلى أربعة أقسام: ذنوب ملكية، وذنوب شيطانية، وذنوب سبعية، وذنوب بهيمية.

ويمكن أن تقسم قسمة أخرى إلى صغائر وكبائر.

5_ باب التوبة مفتوح؛ حيث أمرنا الله بالتوبة، وحض عليها، ووعد بقبولها.

6_ للتوبة فضائل جمة، وأسرار بديعة، وفوائد متنوعة، وقد ورد في البحث ذكر لشيء من ذلك.

7_ هناك أخطاء في باب التوبة يقع فيها كثير من الناس، وتلك الأخطاء ناتجة عن جهل، أو تفريط، وقد ورد في البحث ذكر لعدد من الأخطاء في باب التوبة.

8_ ورد في البحث ذكر لعدد من المسائل التي يحسن التنبيه عليها في باب التوبة.

9_ ورد في البحث ذكر لكيفية التوبة على وجه العموم، وورد ذكر لكيفية التوبة من كثير من الذنوب بعينها.

10_ هناك أمور تعين على التوبة وقد ورد في البحث ذكر لشيء منها.

11_ من ترك لله شيئاً عوضه الله خيراً منه، وقد ورد في البحث ذكر نماذج لأمور من تركها لله عوضه الله خيراً منها، ولأناس تركوا أشياء فعوضهم الله خيراً منها.

12_ ورد في البحث ذكر لنماذج من أحوال العصاة، ومدى ما يعانونه من جراء بعدهم عن الله_عز وجل_.

13_ ورد في البحث ذكر لأحوال بعض التائبين.



وفي خاتمة هذا البحث لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر إلى لله_عزوجل _ على إعانته وتوفيقه.

وبعد شكر الله أكرر الشكر لكل من أعان على إخراج هذا الكتاب بأي نوع من الإعانة، وأسأل الله _ تبارك وتعالى _ أن يجعله في ميزان حسناته.

كما أسأله _ عز وجل _ أن تجد هذه الصفحات قبولاً في القلوب، وأن يكون لها أثر في النفوس.

وأن يمن علينا وعلى أمة الإسلام بالتوبة النصوح، التي ترفع عن المسلمين الغشاوة والذلة؛ عسى أن نسير إلى حياة سامية، وعز لا يبلى وما ذلك على الله بعزيز [إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] الرعد: 11 .

وأخيراً أستغفر الله، وأتوب إليه إن كان هناك من زلل، أو خطأ، وأعتذر من القراء إن كان هناك من إملال، أو إثقال، أو إخلال.

وآمل ممن لديه استدراك أو ملحوظة أن يتحف أخاه بها، والله المستعان وعليه التكلان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.


الفهرس

_ المقدمة …………………………………………………………………………………………………………………

3

تمهيد ……………………………………………………………………………………………………………………..

8

تعريف التوبة ……………………………………………………………………………………………………..

8

أولاً: تعريف التوبة في اللغة ……………………………………………………………………………

8

ثانياً: تعريف التوبة في الشرع ………………………………………………………………………….

9

_ من أي شيء تكون التوبة ………………………………………………………………………………

13

_ تقسيم الذنوب ………………………………………………………………………………………………..

15

الأصول التي ترجع إليها الذنوب …………………………………………………………………….

16

1_ الذنوب الملكية أو الربوبية …………………………………………………………………………..

16

2_ الذنوب الشيطانية …………………………………………………………………………………………

16

3_ الذنوب السبعية …………………………………………………………………………………………….

16

4_ الذنوب البهيمية …………………………………………………………………………………………….

16

_ تقسيم آخر للذنوب: صغائر، وكبائر ………………………………………………………….

17

_ باب التوبة مفتوح …………………………………………………………………………………………….

21

الباب الأول

فضائل التوبة وأحكامها

_ الفصل الأول: فضائل التوبة وأسرارها ………………………………………………………..

26

_ أخطاء في باب التوبة: ………………………………………………………………………………………

40

1_ تأجيل التوبة ………………………………………………………………………………………………..

40

2_ الغفلة عن التوبة مما لا يعلمه العبد من ذنوبه ……………………………………………

42

3_ ترك التوبة؛ مخافة الرجوع للذنوب ……………………………………………………………

44

4_ ترك التوبة؛خوفاً من لمز الناس ……………………………………………………………………

45

5_ ترك التوبة؛ مخافة سقوط المنزلة،وذهاب الجاه والشهرة ……………………………

45

6_ التمادي في الذنوب؛ اعتماداً على سعة رحمة الله …………………………………….

47

7_ الاغترار بإمهال الله للمسيئين ……………………………………………………………………..

50

8_ اليأس من رحمة الله …………………………………………………………………………………….

52

9_ اليأس من توبة العصاة ………………………………………………………………………………….

53

10_ الشماتة بالمبتلين …………………………………………………………………………………………..

54

11_ الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي وترك الطاعات …………………………..

54

12_ توبة الكذابين ……………………………………………………………………………………………..

59

13_ قلة العناية بالتائبين …………………………………………………………………………………….

59

14_ الغفلة عن توبة الأمة …………………………………………………………………………………

60

_ مما يجب على الأمة أن تتوب منه: …………………………………………………………………

61

أ_ التوبة من الإسراف …………………………………………………………………………………………

61

ب_ التوبة من التبعية الثقافية والفكرية …………………………………………………………….

65

ج_ التوبة الإعلامية ……………………………………………………………………………………………

73

د_ التوبة من التبرج …………………………………………………………………………………………….

73

هـ _ التوبة من التقصير في الدعوة إلى الله …………………………………………………………

77

_ الفصل الثالث: مسائل في التوبة ……………………………………………………………………

81

1_ التوبة الواجبة، والتوبة المستحبة ………………………………………………………………..

81

2_ التوبة النصوح ………………………………………………………………………………………………

81

3_ التوبة الخاصة من بعض الذنوب …………………………………………………………………

82

4_ التخلص من الحقوق، والتحلل من المظالم ……………………………………………..

83

أ_ الحقوق المالية …………………………………………………………………………………………………..

87

ب_ الحقوق في الأبدان ……………………………………………………………………………………….

85

ج_ المظالم في الأعراض …………………………………………………………………………………….

85

د_ المظالم العامة …………………………………………………………………………………………………..

87

هـ _ توبة القاتل المتعمد ………………………………………………………………………………………

88

5_ توبة العاجز عن المعصية ………………………………………………………………………………

90

6_ معنى التوبة من قريب، والتوبة عند الموت ……………………………………………….

93

7_ نقض التوبة ……………………………………………………………………………………………………

94

8_ رجوع الحسنات إلى التائب بعد التوبة ……………………………………………………….

96

9_ هل التوبة تُرجعُ العَبْدَ إلى حاله قبل المعصية …………………………………………….

97

10_ على كل عضو توبة …………………………………………………………………………………..

99

11_ فعل معصية من المعاصي لا يسوغ فعل غيرها ………………………………………

99

12_ فعل المحرمات لا يسِّوغ ترك الطاعات …………………………………………………….

99

13_ فعل المعاصي لا يسوِّغ المجاهرة بها أو الدعوة إليها ………………………………..

100

14_ فعل المعاصي لا يسوِّغ للإنسان بغض الطاعة وأهلها، وحبَّ المعصية وأهلها ……………………………………………………………………………………………………………………

101

15_ إساءة فلان من الناس لا تسوِّغ للإنسان الإساءة، وإساءة الأمس لا تسوِّغ إساءة اليوم ……………………………………………………………………………………………….

101

16_ فعل المعاصي لا يسوِّغ الاستهانة بها ……………………………………………………….

102

17_ فعل المعاصي لا يسوِّغ التهاون بالطاعات اليسيرة ………………………………….

104

18_ انقلاب الكبيرة صغيرة، وانقلاب الصغيرة كبيرة ……………………………………

106

19_ ما تَعْظُم به الصغائر من الذنوب: ……………………………………………………………

106

أ_ الإصرار والمواظبة …………………………………………………………………………………………..

107

ب_ استصغار الذنب ………………………………………………………………………………………..

107

ج_ الفرح بالمعصية …………………………………………………………………………………………….

108

د_ الاغترار بحلم الله ……………………………………………………………………………………………

108

هـ ـ أن يكون المذنب ممن يُقتدى به …………………………………………………………………..

109

20_ ارتكاب الذنوب لا يسوِّغ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله …………………………………………………………………………………………………..

109

21_ كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من أطاعه فهو عالم ……………………

112

22_ من أخفى خبيئة ألبسه الله ثوبها ………………………………………………………………

114

_ الفصل الرابع: كيفية التوبة من بعض الذنوب …………………………………………….

119

أولاً: التوبة من ترك الصلاة ……………………………………………………………………………..

120

ثانياً: التوبة من الربا ……………………………………………………………………………………………

129

ثالثاً: التوبة من الزنا ……………………………………………………………………………………………

136

_ نبذة عن آثاره وأضراره …………………………………………………………………………………..

136

_ كيفية التوبة من الزنا ………………………………………………………………………………………..

144

_ رابعاً: التوبة من اللواط …………………………………………………………………………………..

146

_ نبذة عن أضراره ……………………………………………………………………………………………….

146

_ كيفية التوبة من اللواط …………………………………………………………………………………….

152

_ خامساً: التوبة من العشق ……………………………………………………………………………….

155

_ نبذة عن أضراره ……………………………………………………………………………………………….

163

_ أسباب العشق …………………………………………………………………………………………………..

165

_ كيفية التوبة من العشق …………………………………………………………………………………….

179

_ الأسباب المعينة على ترك العشق …………………………………………………………………..

180

الباب الثاني

الطريق إلى التوبة

_ الفصل الأول: أمور تعين على التوبة: ………………………………………………………..

194

1_ الإخلاص لله، والإقبال عليه _عز وجل_ ………………………………………………..

194

2_ امتلاء القلب من محبة الله _عز وجل_ ………………………………………………………..

197

3_ المجاهدة …………………………………………………………………………………………………………..

199

4_ قِصَرُ الأمل، وتذَكُّر الآخرة ………………………………………………………………………..

203

5_ العلم ………………………………………………………………………………………………………………

205

6_ الاشتغال بما ينفع، وتَجنُّب الوحدة والفراغ ……………………………………………

207

7_ البعد عن المثيرات، وما يذكر بالمعصية ………………………………………………………

207

8_ غض البصر ……………………………………………………………………………………………………

210

9_ مصاحبة الأخيار ……………………………………………………………………………………………

220

10_ مجانبة الأشرار …………………………………………………………………………………………….

220

11_ النظر في العواقب ……………………………………………………………………………………….

223

12_ هجر العوائد ……………………………………………………………………………………………….

226

13_ هجر العلائق ………………………………………………………………………………………………

226

14_ إصلاح الخواطر والأفكار ………………………………………………………………………..

227

15_ استحضار فوائد ترك المعاصي …………………………………………………………………

229

16_ استحضار أن الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة ………………………………………………………………………………………………………………….

231

17_ استحضار فوائد ترك الذنوب والمعاصي ………………………………………………..

231

18_ الدعاء ………………………………………………………………………………………………………….

233

19_ الحياء ……………………………………………………………………………………………………………

235

20_ شرف النفس وزكاؤها، وأنفتها، وحميتها …………………………………………..

237

21_ عرض الحال على من يعين ………………………………………………………………………

242

_ الفصل الثاني: التوبة طريق السعادة ……………………………………………………………..

243

المبحث الأول: سر السعادة ………………………………………………………………………………

243

_ نظرة أكثر الناس إلى السعادة …………………………………………………………………………..

243

أولاً: حال أهل الفن مع السعادة ……………………………………………………………………..

244

_ نماذج من أحوال أهل الفن: ………………………………………………………………………….

244

1_ أسمهان ………………………………………………………………………………………………………….

244

2_ أم كلثوم …………………………………………………………………………………………………………

245

3_ عبدالحليم حافظ …………………………………………………………………………………………..

248

ثانياً: حال أهل المال مع السعادة ………………………………………………………………………

249

ثالثاً: حال أهل الوجاهة مع السعادة ……………………………………………………………….

250

رابعاً: حال أهل الرياسة مع السعادة ……………………………………………………………….

251

_ نماذج من أحوال أهل الرياسة: …………………………………………………………………….

251

_ كلمة للملك حسين بن طلال حول السعادة ………………………………………………..

251

_ شاه إيران …………………………………………………………………………………………………………..

253

_ رئيس الفلبين السابق ………………………………………………………………………………………

253

_ هتلر ……………………………………………………………………………………………………………………

254

خامساً: حال أهل الرياضة مع السعادة …………………………………………………………..

255

نموذج من أحوال أهل الرياضة ………………………………………………………………………..

256

_ دييجو مارادونا …………………………………………………………………………………………………

256

سادساً: حال المجتمعات البعيدة عن الله مع السعادة ……………………………………..

256

_ تنبيه حول معنى السعادة …………………………………………………………………………………

270

_ المبحث الثاني: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ………………………………….

277

أولاً: نماذج لأمور من تركها لله عوضه الله خيراً منها …………………………………..

279

_ ثانياً: نماذج لأناس تركوا أشياء لله فعوضهم الله خيراً منها:

284

 المثال الأول: نبي الله يوسف _عليه السلام_ ………………………………………..

284

 المثال الثاني: امرأة فرعون ……………………………………………………………………….

287

 المثال الثالث: مؤمن آل ياسين …………………………………………………………………

287

الفصل الثالث: نماذج من أحوال العصاة ……………………………………………………….

288

المبحث الأول: نماذج من أحوال العصاة ………………………………………………………..

288

_ أولاً: صورة عامة لأحوال العصاة ………………………………………………………………..

288

ثانياً: نماذج لبعض أحوال العصاة ……………………………………………………………………

291

1_ الفيلسوف الألماني المشهور فريدريك نيتشة ………………………………………………

291

2_ الفليسوف الإنجليزي هربارت سبنسر ……………………………………………………….

291

3_ الفيلسوف أرثرشوبنهور ……………………………………………………………………………..

292

4_ جان بول سارتر …………………………………………………………………………………………….

292

5_ بريجيت باردو ………………………………………………………………………………………………..

293

6_ مارلين مونرو …………………………………………………………………………………………………

293

7_ كريستينا أوناسيس ………………………………………………………………………………………..

297

8_ الفنانة الإيطالية العالمية داليدا ………………………………………………………………………

298

9_ الليدي ديانا سبنسر ……………………………………………………………………………………….

301

10_ مادونا …………………………………………………………………………………………………………..

304

11_ مايكل جاكسون …………………………………………………………………………………………

306

_ المقصود من هذه النماذج ………………………………………………………………………………..

308

_ نزول المصائب واختلاف الناس في استقبالها ………………………………………………..

309

_ نبذة عن أحوال أهل الإيمان مع السعادة ……………………………………………………….

209

المبحث الثاني: نماذج من أحوال التائبين …………………………………………………………

213

1_الزعيم الشيوعي تروتسكي ………………………………………………………………………….

213

2_ المغني البريطاني كات ستيفنز ……………………………………………………………………….

315

3_ الممثلة هناء ثروت ………………………………………………………………………………………….

318

4_ الممثل محسن محيي الدين وزوجته نسرين …………………………………………………..

222

_ خلاصة البحث …………………………………………………………………………………………………

325

_ الخاتمة …………………………………………………………………………………………………………………

327

_ المحتويات ……………………………………………………………………………………………………………

328


 (1) هكذا سماها الحافظ ابن رجب×في كتابه: لطائف المعارف.

 ([2]) معجم مقاييس اللغة لابن فارس 1/357.

 ([3]) لسان العرب لابن منظور 1/233.

 ([4]) وهذا من التفسير باللازم.

 ([5]) لسان العرب 1/233.

 ([6]) مرجع سابق.

 ([7]) إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي 4/4.

 ([8]) إحياء علوم الدين 4/4.

 ([9]) إحياء علوم الدين 4/4.

 ([10]) يعني التوبة.

 ([11]) إحياء علوم الدين 4/5.

 ([12]) مدارج السالكين لابن القيم 1/199.

 ([13]) مدارج السالكين 1/313.

 ([14]) مرجع سابق.

 ([15]) فتح الباري لابن حجر العسقلاني 11/106.

 ([16]) رواه أحمد 2/ 132 ،2/153،والترمذي (3537) ، وابن ماجه (4253) ، وأبو يعلى في مسنده 9/462، 10/81، ومن طريقه ابن حبان في صحيحه (628) ، والحاكم 4/ 286، وصححه، ووافقه الذهبي، وعبد بن حميد في مسنده_كما في المنتخب من مسند عبد بن حميد (847) _، وابن =الجعد في مسنده (3404) ، والطبراني في مسند الشاميين (194) ، والبغوي في شرح السنة (1306) ، وأبو نعيم في الحلية 5/190، كلهم من طريق عبد الرحمن بن ثابت ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن ابن عمر به.

وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان مختلف فيه، إلا أن له شاهداً عن عبادة بن الصامت بسند منقطع عند القضاعي في مسند الشهاب (1085) . وله شاهداً آخر عند أحمد 3/425، 5/362، والحاكم 4/286.

 ([17]) معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي 2/301.

 ([18]) مسلم (2703) .

 ([19]) إحياء علوم الدين 4/16.

 ([20]) انظر إحياء علوم الدين 4/16_22.

 ([21]) مدارج السالكين 1/344.

 ([22]) انظر مدارج السالكين 1/344_379.

 ([23]) (2) الجواب الكافي لابن القيم تحقيق وتعليق الشيخ عامر بن علي ياسين ص 303.

 ([25]) إحياء علوم الدين 4/16.

 ([26]) انظر إحياء علوم الدين 4/ 16 ومنهاج القاصدين لابن قدامه ص 276_280 والجواب الكافي ص 304_305.

 ([27]) رواه مسلم (233) .

 ([28]) رواه البخاري (6656) .

 ([29]) إحياء علوم الدين 4/17.

 ([30]) الجواب الكافي ص306.

 ([31]) الجواب الكافي ص 309.

 ([32]) الجواب الكافي 312.

 ([33]) انظر إحياء علوم الدين 4/17_18، والجواب الكافي 308_309.

 ([34]) السحر لا يقتصر على اللسان، بل تشترك الجوارح في عمله.

 ([35]) وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية×في مجموع الفتاوى 11/650، وقال في 11/650: =إنه أمثل الأقوال في هذه المسألة+ ، وقال في 11/654: =وإنما قلنا: إن هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط المذكورة لوجوه . . .+ ثم ذكر خمسة وجوه.

 ([36]) تفسير ابن كثير 4/61_62.

 ([37]) (2) تفسير ابن كثير4/60.

 ([39]) التوبة والاستغفار لابن تيمية تحقيق محمد الحجاجي وعبد الله بدران ص 27_28 وانظر الاستقامة لابن تيمية 2/190.

 ([40]) رواه مسلم (2759) .

 ([41]) الكلام في هذا الفصل أكثره مستفاد من مدارج السالكين 1/306_312، ومفتاح دار السعادة لابن القيم 1/286_299.

 ([42]) تفسير أبي السعود 6/171.

 ([43]) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/276.

 ([44]) الفتاوى الكبرى 5/188_189.

 ([45]) مدارج السالكين1/310.

 ([46]) مدارج السالكين 1/310.

 ([47]) مدارج السالكين 1/311.

 ([48]) مدارج السالكين 1/306.

 ([49]) رواه البخاري (6308) ، ومسلم (2744) .

 ([50]) مدارج السالكين 1/306، وانظر كلامًا جميلا ًفي المدارج 1/226_230حول معنى فرح الله_عز وجل_بتوبة التائب..

 ([51]) ذكره ابن القيم في مدارج السالكين1/306، وأورده في إغاثة اللهفان ص97عن عمران ابن موسى القصير قال: قال موسى_عليه السلام_: =يا رب أين أبغيك؟ قال أبغني عند المنكسرة قلوبهم؛ فإني أدنو منهم كل يوم باعاً، ولولا ذلك لانهدموا+ .

ورواه ابن أبي الدنيا في الهم والحزن ص56 بإسناده عن عبد الله بن شوذب قال: قال داود النبي: =أي ربِّ! أين ألقاك؟ قال: تلقاني عند المنكسرة قلوبهم+ .

 ([52]) أخرجه مسلم (482) .

 ([53]) مدارج السالكين 1/307_308.

 ([54]) مفتاح دار السعادة 1/295.

 ([55]) إحياء علوم الدين4/7.

 ([56]) مدارج السالكين1/283.

 ([57]) قصر الأمل لابن أبي الدنيا ص141.

 ([58]) رواه أحمد 2/297، والترمذي (3334) ، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (4244) ، والنسائي في الكبرى (11658) ، وابن حبان (930) ، والحاكم2/562، وصححه، وقال الذهبي على شرط مسلم ا_هـ. ، والبيهقي في سننه 10/188، كلهم من طريق محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح عن أبي هريرة به.

وابن عجلان حسن الحديث أخرجه له مسلم في المتابعات، وباقي السند ثقات.

 ([59]) بحر الدموع لابن الجوزي، تحقيق إبراهيم باجس، ص57.

 ([60]) رؤوس القوارير لابن الجوزي ص152.

 ([61]) مدارج السالكين1/283.

 ([62]) رواه البخاري في الأدب المفرد (737) عن معقل بن يسار عن أبي بكر به، ورواه أبو يعلى (59) ، عن معقل بن يسار به، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد10/224: =رواه أبو يعلى عن شيخه عمرو بن الحصين العقيلي وهو متروك+ .

ورواه أبو يعلى بإسناد آخر عن حذيفة عن أبي بكر به، قال الهيثمي في المجمع 10/224: =رواه أبو يعلى من رواية ليث بن أبي سليم عن أبي محمد عن حذيفة، وليث مدلس، وأبو محمد إن كان هو الذي روى عن ابن مسعود أو الذي روى عن عثمان بن عفان فقد وثقه ابن حبان، وإن كان غيرهما فلم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح+ ا_هـ

وحسنه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 8/281، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3731)

وله شاهد عن أبي موسى الأشعري رواه أحمد 4/403، وابن أبي شيبة10/337، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب ص 91.

 ([63]) رواه البخاري (1120) ، و (6317) ، و (7385) ، و (7442) ، و (7499) ، ومسلم (769) و (771) .

 ([64]) رواه مسلم (483) .

 ([65]) انظر مدارج السالكين1/283.

 ([66]) رواه مسلم (2675) .

 ([67]) رواه مسلم (2758) .

 ([68]) صحيح مسلم بشرح النووي6/230.

 ([69]) مدارج السالكين1/286.

 ([70]) الأبيات للشيخ محمد الخضر حسين× انظر ديوانه: خواطر الحياة ص 250.

 ([71]) الجواب الكافي ص68.

 ([72]) الزهر الفاتح في ذكر من تنزه عن الذنوب والقبائح لمحمد بن محمد بن يوسف الجزيري ص100.

 ([73]) إحياء علوم الدين4/58 وانظر كلامًا جميلا ًفي هذا المعنى لابن القيم في الجواب الكافي ص66_104.

 ([74]) الزهر الفاتح ص96.

 ([75]) الجواب الكافي 67_68.

 ([76]) الجواب الكافي ص 76_77.

 ([77]) انظر أثر الذنوب في هدم الأمم والشعوب للصواف ص 45_47.

 ([78]) أخرجه البخاري (4686) ، ومسلم (2583) .

 ([79]) أخرجه أحمد4/145، وابن جرير في التفسير5/193، والطبراني في الكبير 17/330، وفي الأوسط10/125، من طريق حرملة بن عمران التجيبي عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر به مرفوعاً، ورجاله ثقات، ورواه الطبراني في الكبير17/331، وابن أبي الدنيا في الشكر (32) من طريق ابن لهيعة: ثنا عقبة بن مسلم به، وهذه متابعة من ابن لهيعة لحرملة.

 ([80]) صيد الخاطرص104.

 ([81]) صيد الخاطرص339.

 ([82]) صيد الخاطرص500.

 ([83]) صيد الخاطرص502.

 ([84]) بحر الدموع ص36.

 ([85]) مسلم (2621) .

 ([86]) الفوائد ص216.

 ([87]) مواعظ الإمام سلمة بن دينار للشيخ صالح الشامي ص 17.

 ([88]) مجموع الفتاوى لابن تيمية 8/179.

 ([89]) انظر مجموع الفتاوى8/179 و 262_268، واقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية2/158_259، ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية 3/65_78 ومدارج السالكين1/201_211 ورسائل في العقيدة للشيخ محمد ابن عثيمين ص38_39، والإيمان بالقضاء والقدر للكاتب ص75_81.

 ([90]) مجموع الفتاوى 8/107.

 ([91]) مجموع الفتاوى 8/454.

 ([92]) شرح العقيدة الطحاوية ص147.

 ([93]) انظر شفاء العليل لابن القيم ص 35.

 ([94]) انظر تفسير البغوي_معالم التنزيل_4/151_152، وتفسير ابن كثير2/414.

 ([95]) انظر أثر الذنوب في هدم الأمم والشعوب، ص89_91.

 ([96]) آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي3/345.

 ([97]) المرجع السابق3/365_366.

 ([98]) انظر محاضرات إسلامية للشيخ محمد الخضر حسين ص140_147.

 ([99]) انظر أزمة المثقفين تجاه الإسلام د. محسن عبد الحميد ص 49_51 و66_67.

 ([100]) أزمة المثقفين تجاه الإسلام ص52_53.

 ([101]) انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين للشيخ محمد الخضر حسين ص190.

 ([102]) خواطر الحياة ص105_106.

 ([103]) إيوان الألمعي شرح ديوان الرافعي حققه أسامة محمد السيد ص 22.

 ([104]) انظر رسائل الإصلاح للشيخ محمد الخضر حسين 2/223 وحصوننا مهددة من داخلها د. محمد محمد حسين ص69_80.

 ([105]) وحي القلم1/195.

 ([106]) وحي القلم1/302.

 ([107]) وحي القلم1/302.

 ([108]) مسلم (2880) .

 ([109]) الكلام في هذه الفقرة أكثره مستفاد من كتاب: الدعوة إلى الإصلاح للشيخ محمد الخضر حسين ص101و115_118.

 ([110]) انظر جامع الرسائل لابن تيمية1/227.

 ([111]) انظر مدارج السالكين1/316_317، وفتح الباري11/105.

 ([112]) انظر إحياء علوم الدين4/40.

 ([113]) انظر مدارج السالكين 1/285.

 ([114]) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب الحنبلي1/157.

 ([115]) رواه البخاري (2449) .

 ([116]) انظر فتح الباري11/106.

 ([117]) انظر مدارج السالكين1/391_393.

 ([118]) انظر مدارج السالكين1/300_301، والوابل الصيب لابن القيم ص219، وانظر الأذكار للنووي ص308_309، وأريد أن أتوب ولكن، للشيخ محمد المنجد ص42_44.

 ([119]) انظر تفصيل تلك الأقوال في معالم التنزيل للبغوي1/465، وصحيح مسلم بشرح النووي 16/236، وتفسير آيات أشكلت لابن تيمية 1/313_318، ومدارج السالكين1/395_402، وتفسير القرآن العظيم 1/506_510.

 ([120]) مدارج السالكين1/402.

 ([121]) رواه أحمد1/376، 422، 433، وابن ماجه (4252) والحاكم 4/271، وأبو داود الطيالسي (381) ، والحميدي (105) ، وابن الجعد (1838) ، (2256) ، والطبراني في الصغير1/66, 126، وفي مسند الشاميين (237) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار4/291، والقضاعي في مسند الشهاب (108) ، والبيهقي10/154 كلهم من طريق عبد الله بن معقل المزني عن عبد الله بن مسعود به مرفوعاً.

ورواه ابن حبان (612) و (614) وأبو يعلى (5261) من طريق خيثمة عن ابن مسعود به مرفوعاً وفيه انقطاع، وصححه البوصيري في الزوائد 308، وحسنه الحافظ في الفتح 13/471، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6802) .

ورواه ابن حبان (613) والحاكم 4/ 272 عن أنس مرفوعاً، ورواه الطبراني في الأوسط (2101) من حديث جابر مرفوعاً، ورواه في الكبير 22/41 عن وائل بن حجر مرفوعاً، وفي 22/306 عن أبي سعد الأنصاري مرفوعاً.

والحديث صححه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي.

 ([122]) رواه البخاري (2996) .

 ([123]) رواه البخاري (2839) و (4423) ومسلم (1911) .

 ([124]) مدارج السالكين 1/ 296.

 ([125]) مدارج السالكين 1/ 296_297.

 ([126]) مدارج السالكين 1/ 297.

 ([127]) لطائف المعارف ص 380.

 ([128]) انظر لطائف المعارف ص 382_383.

 ([129]) لطائف المعارف ص 383.

 ([130]) رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند 1/80, 103وفي زوائده على فضائل الصحابة 2/697، وأبو يعلى الموصلي (483) من طريق أبي عمرو البجلي عن عبد الملك بن سفيان الثقفي عن أبي جعفر محمد بن علي عن محمد بن الحنيفة عن أبيه به مرفوعاً، وإسناده ضعيف؛ فالثقفي مجهول، وأبو عمرو البجلي متروك، قال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به، كما في تعجيل المنفعة ص 508.

ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده_كما في بغية الباحث2/ 972_من طريق آخر عن محمد ابن الحنفية به، ولكنه من طريق محمد بن عمر الواقدي وهو متروك.

 ([131]) (3) (1) مدارج السالكين 1/292.

 ([134]) انظر مدارج السالكين 1/293وطريق الهجرتين لابن القيم ص407_416.

 ([135]) انظر مدارج السالكين 1/293.

 ([136]) أتحنث: أي أتعبد.

 ([137]) رواه البخاري (1436) ، ومسلم (123) .

 ([138]) فتح الباري 3/354.

 ([139]) مدارج السالكين 1/293، وانظر فتح الباري لابن رجب1/160_163.

 ([140]) طريق الهجرتين ص 407.

 ([141]) مدارج السالكين 2/156.

 ([142]) الفوائد لابن القيم ص173.

 ([143]) الفوائد لابن القيم ص173.

 ([144]) انظر الفوائد ص173_186.

 ([145]) الفوائد ص186.

 ([146]) رواه البخاري (6069) ، ومسلم (2990) .

 ([147]) رواه مسلم (2674) .

 ([148]) ديوان الإمام الشافعي تحقيق الزعبي ص56.

 ([149]) هكذا في الأصل، ولعلها يَجمُل، أو يَحِلّ.

 ([150]) الأخلاق والسير لابن حزم ص31.

 ([151]) أبو شهاب أحد رجال السند.

 ([152]) البخاري (6308) ويروى الحديث مرفوعاً.

 (3) (4) (5) فتح الباري 11/108.

 ([156]) فتح الباري 11/108_109.

 ([157]) فتح الباري 11/109.

 ([158]) مسلم (2242) .

 ([159]) الزهر الفاتح ص84.

 ([160]) يطيف: يدور حولها.

 ([161]) الركية: البئر.

 ([162]) الموق: الخف.

 ([163]) رواه البخاري (3467) ، ومسلم (2245) .

 ([164]) يقصد به الإخلاص، والإكسير مادة يقولون إنها وضعت مع النحاس أو غيره من المعادن حولته إلى ذهب.

 ([165]) مدارج السالكين1/341.

 ([166]) انظر مدارج السالكين 1/337.

 ([167]) انظر إحياء علوم الدين4/32_33، ومنهاج القاصدين ص282_284، ومدارج السالكين 1/337_343.

 ([168]) رواه البخاري (43) ، ومسلم (782) .

 ([169]) البخاري (6492) .

 ([170]) منهاج القاصدين ص282.

 ([171]) ذم الهوى لابن الجوزي ص184.

 ([172]) التوبة لابن أبي الدنيا ص78.

 ([173]) الحديث مضى تخريجه.

 ([174]) صيد الخاطر ص313.

 ([175]) صيد الخاطر ص314_315.

 ([176]) إحياء علوم الدين4/54.

 ([177]) الأخلاق والسيرص92.

 ([178]) صحيح مسلم بشرح النووي 2/23.

 ([179]) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن1/367.

 ([180]) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن1/367.

 (2) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن1/367.

 ([182]) فتح الباري 13/53.

 ([183]) انظر شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر د. فضل إلهي ص20_24.

 ([184]) الدرياق لغة في الترياق، والتِّرياق: بكسر التاء دواء السموم، وهو فارسي معرب.

 ([185]) لطائف المعارف ص380_381.

 ([186]) يعوِّر: يهدم ويفسد.

 ([187]) شنأتك: أبغضتك.

 ([188]) سير أعلام النبلاء للذهبي 6/100.

 ([189]) روضة المحبين ص439.

 ([190]) صيد الخاطر ص 108_109.

 ([191]) الأراييح: يعني الروائح الزكية.

 ([192]) لا يضره إذا خفي قبره.

 ([193]) صيد الخاطرص301_302.

 ([194]) أي كانت أموره مستقيمة ميسرة عند استقامته مع ربه.

 ([195]) صيد الخاطر ص336_337.

 ([196]) انظر الرسالة السنية وما يلزم فيها للإمام أحمد بن حنبل ضمن مجموعة الحديث النجدية تعليق السيد محمد رشيد رضا ص451_453.

 ([197]) انظر في تفصيل الحديث عن حكم تارك الصلاة إلى كتاب الصلاة لابن القيم ضمن مجموعة الحديث النجدية تعليق السيد محمد رشيد رضا ص456_515.

 ([198]) مجموعة الفتاوى 22/40.

 ([199]) مجموع الفتاوى 22/50.

 ([200]) مجموع الفتاوى 22/53.

 ([201]) مسلم (88) من حديث جابر، ورواه أحمد 3/370 ، وأبو داود (4678) والترمذي (2620) .

 ([202]) رواه أحمد 5/346 والترمذي (2621) وقال: =حديث حسن حديث غريب+ ورواه النسائي 1/331، وابن حبان (1452) وابن أبي شيبة في الإيمان (46) والحاكم1/7، وصححه، ووافقه الذهبي.

 ([203]) مجموع الفتاوى 22/48.

 ([204]) انظر تفاصيل تلك الأقوال في مدارج السالكين 1/380_390، وكتاب الصلاة لابن القيم ص 532_569.

 ([205]) مجموع الفتاوى 22/40_41.

 ([206]) مجموع الفتاوى 22/45_47.

 ([207]) مدارج السالكين 1/380.

 ([208]) انظر مدارج السالكين 1/380_390.

 ([209]) مدارج السالكين 1/390.

 ([210]) من ثمرات المحافظة على الصلاة أنها سلامة من الاتصاف بصفات المنافقين ، ومن الحشر مع فرعون، وقارون، وهامان، وأبيّ بن خلف.

والصلاة قرة للعين، وفرح للفؤاد، ونور للوجه، وقوة للقلب.

والصلاة جالبة للرزق، داحضة للظلم، منشطة للجوارح، زاجرة عن الفحشاء والمنكر.

وهي قامعة للشهوات، منزلة للرحمات، دافعة للنِّقم، كاشفة للهم والغم.

وهي دافعة لأدواء القلوب من الشهوات والشبهات، وجالبة لتشجيع المتخلف، وتعليم الجاهل، والتعاون على البر والتقوى، وحصول المودة بين المسلمين؛ فالقرب في الأبدان مدعاة للقرب في القلوب.

وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا والآخرة، ولا سيما إذا أعطيت حقها من التكميل ظاهراً وباطناً؛ فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة بمثل الصلاة، ولا استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصلاة؛ لأنها صلة بين العبد وربه، وعلى قدر تلك الصلة تُفتح له أبواب الخيرات، وتنقطع_أو تقل _ عنه الشرور والآفات

وما ابتلي رجلان بعاهة، أو مصيبة، أو مرض واحد إلا كان حظ المصلي منهما أقلَّ ، وعاقبته أسلم.

والصلاة سبب لاستسهال الصعاب، وتحمل المشاق؛ فحينما تتأزم الأمور وتضيق، وتبلغ القلوب الحناجر_يجد الصادقون قيمة الصلاة الخاشعة، وحسن تأثيرها، وبركة نتائجها.

وهي سبب لتكفير السيئات، ورفع الدرجات، وزيادة الحسنات.

وهي سبب لحسن الخلق، وطلاقة الوجه، وطيب النفس، وسموها، وترفعها.

وهي المدد الروحي الذي لا ينقطع، والزاد المعنوي الذي لا ينضب.

وهي أعظم غذاء وسقي لشجرة الإيمان؛ فالصلاة تثبت الإيمان، وتنميه.

والمحافظة عليها تقوي رغبة الإنسان في فعل الخيرات، وتسهل عليه فعل الطاعات، وتضعف أو تذهب دواعي الشر من نفسه.

وهذا أمر مشاهد محسوس؛ فإنك لا تجد محافظاً على الصلاة_فرضها ونفلها_إلا وجد أثر ذلك في بقية أعماله.

ومن فوائدها الثبات عند الفتن؛ فالمحافظون عليها أثبت الناس عند الفتن.

ومن فوائدها أنها توقد نار الغيرة في قلب المؤمن على حرمات الله.

والصلاة علاج لأدواء النفس الكثيرة كالبخل، والشح، والحسد، والهلع، والجزع، والخور، وغيرها.

ومن فوائدها الطبية ما فيها من الرياضة المتنوعة، المقوية للأعضاء، النافعة للبدن.

ومن ذلك أنها نافعة في كثير من أوجاع البطن، لأنها رياضة للنفس والبدن معاًً؛ فهي تشتمل على حركات وأوضاع مختلفة تتحرك معها أغلب المفاصل، وينغمز معها أكثر الأعداء الباطنة كالمعدة، وسائر آلات النَّفس والغذاء.

أضف إلى ذلك الطهارة المتكررة، وما فيها من نفع، كل ذلك مشاهد محسوس لا يماري فيه إلا جاهل أو مكابر.

ومن فوائدها الطبية أنها_كما مر_تنير القلب، وتشرح الصدر، وتفرح النفس والروح.

ومعلوم عند جميع الأطباء أن السعي في راحة القلب، وسكونه، وفرحه، وزوال همه وغمه يعد من أكبر الأسباب الجالبة للصحة، المخففة للآلام.

وذلك مجرب مشاهد في الصلاة، خصوصاً صلاة الليل أوقات السحر.

ومن ذلك ما أظهره الطب الحديث من فوائد عظيمة للصلاة، وهي أن الدماغ ينتفع انتفاعاً كبيراً بالصلاة ذات الخشوع كما قرر ذلك كبار الأطباء في هذا العصر.

وهذا دليل من الأدلة التي يتبين لنا بها بسبب قوة عقول الصحابة، ونفاذ بصيرتهم.

فهذا غيض من فيض بركات الصلاة وثمراتها، وإلا فثمراتها لا تعد ولا تحصى؛ فكلما ازداد المسلم اهتماماً بها ومحافظة عليها زادت فائدته والعكس بالعكس.

 ([211]) انظر المغني 6/51.

 ([212]) انظر الربا وأثره على المجتمع الإنساني د.عمر الأشقر ص101_133.

 ([213]) مرجع سابق.

 ([214]) يقول القرطبي×في الجامع لأحكام القرآن 2/366_367: =قال علماؤنا: إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من رباً فليردها على من أربى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضراً، فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه+ .

إلى أن قال: =فإن التبس عليه الأمر، ولم يدر كم الحرام من الحلال مما بيده فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب عليه رده؛ حتى لا يشك أن ما بقى قد خلص له، فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عرف ممن ظلمه، وأربى عليه، فإن أيس من وجوده تصدق به عنه، فإن أحاطت المظالم بذمته، وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبداً؛ لكثرته_فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين، وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين، حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس وهو ما يستر العورة، وهو من سرته إلى ركبتيه، وقوت يومه؛ لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه، وإن كره ذلك من يأخذه منه+.

وورد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية سؤال يقول: =إذا كان رجل يتعامل بالربا، وأراد التوبة، فأين يذهب بالمال الناتج من الربا، هل يتصدق به =إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً+ ما مدى تأثير هذا القول على مال الربا+؟

وأجابت اللجنة في الفتوى رقم (6375) في 20/11/ 1403هـ بما نصه: =يتوب إلى الله، ويستغفره، ويندم على ما مضى، ويتخلص من الفوائد الربوية بإنفاقها في وجوه البر وليس هذا من صدقة التطوع، بل هو من باب التخلص مما حرم الله+ .

وجاء في الفتوى رقم (18057) وتاريخ 17/7 / 1416هـ من فتاوى اللجنة الدائمة ما نصه: =لا يجوز أخذ الفوائد الربوية من البنوك أو غيرها بحجة أنه سينفقها على الفقراء؛ لأن الله حرم الربا مطلقاً، وشدد الوعيد فيه، ولا تجوز الصدقة منه، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، لكن إذا كان قد قبض الفوائد الربوية فعليه أن يصرفها على الفقراء؛ تخلصاً منها، وليس له أن يستفيد منها+ .

وجاء كلام قريب من هذا في الفتوى رقم (6770) في 12/ 3/ 1404هـ، والفتوى رقم (16576) في 7/ 2/ 1414هـ من فتاوى اللجنة.

 ([215]) جاء في إجابة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز×عن سؤال حول التعامل بالربا مع البنوك ما نصه:

 = يحرم التعامل بالربا مع البنوك وغيرها، وجميع الفوائد الناتجة عن الربا كلها محرمة، وليست مالاً لصاحبها، بل يجب صرفها في وجوه الخير إن كان قد قبضها وهو يعلم حكم الله في ذلك .

أما إذا كان لم يقبضها فليس له إلا رأس ماله؛ لقوله_عز وجل_: =يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون+ [ البقرة: 278_279].

أما إن كان قد قبضها قبل أن يعرف حكم الله في ذلك فهي له، ولا يجب عليه إخراجها من ماله؛ لقول الله _ عز وجل_ [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] البقرة: 275

وعليه زكاة أمواله التي ليست من أرباح الربا كسائر أمواله التي يجب فيها الزكاة، ويدخل في ذلك ما دخل عليه من أرباح الربا قبل العلم؛ فإنها من جملة ماله؛ للآية المذكورة، والله ولي التوفيق+ . فتاوى مهمة تتعلق بالزكاة من أجوبة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أشرف على طبعه محمد بن شايع العبد العزيز ص25_26.

 ([216]) يقول فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع_حفظه الله_: =وذكر بعض أهل العلم وبعض محققيهم أن من بيده أموال محرمة بوصفها لا بأصلها، كالأموال الربوية مما ليس له أفراد معينون وهي مختلطة بماله الحلال، وبثمن مجهوده في الاكتساب بها؛ فإذا تاب من بيده هذه الأموال توبة نصوحاً مستكملة شروط التوبة إلى الله_تعالى_فإنه يقر على ما بيده، وتوبته النصوح تجب ما قبلها ويعتبر ما بيده ملكا له، يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه.

واستدلوا على ذلك بقوله_تعالى_: =وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله+ .

وذكروا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأن الموعظة أعم من أن تحصر في انشراح صدر الكافر إلى الإسلام، وقالوا في توجيه هذا القول: إن الأخذ بهذا يدعو أهل الفسوق إلى التوبة إلى الله، وأن القول بغير هذا_أي بحرمانه مما بيده_قد يسد عليه باب التوبة إلى الله، ويعين الشيطان عليه في الاستمرار على أخذ المال الحرام، والتعاون على الإثم والعدوان، وأجابوا عن الآية الكريمة [وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ] بأن هذه الآية خاصة بالأموال الذميمة المشتملة على الفوائد الربوية، فمن كان له ذمة أحد من الناس مبلغ من المال بعضه ربا فالتوبة تقتضي أن يتقاضى رأس ماله فقط، ويسقط ما زاد عنه من فائدة ربوية+ بحوث في الاقتصاد الإسلامي للشيخ عبد الله بن منيع ص34_35.

وممن قال بهذا القول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، يقول×: =واختار الشيخ تقي الدين أن المقبوض بعقد فاسد غير مضمون، وأنه يصح التصرف فيه؛ لأن الله_تعالى_لم يأمر برد المقبوض بعقد الربا بعد التوبة، وإنما رد الربا الذي لم يقبض، ولأنه قبض برضا مالكه؛ فلا يشبه المغصوب، ولأن فيه من التسهيل والترغيب في التوبة ما ليس في القول بتوقيف توبته على رد التصرفات الماضية مهما كثرت وشقت، والله أعلم+ الفتاوى السعدية ص218.

وقال _ ×_في قوله_تعالى_: [وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ] قال: =يعني من المعاملات الربوية؛ فلكم رؤوس أموالكم =لا تظلمون+ الناس بأخذ الربا =ولا تُظلمون+ يبخسكم رؤوس أموالكم؛ فكل من تاب من الربا فإن كانت معاملات سالفة فله ما سلف، وأمره منظور فيه، وإن كانت معاملات موجودة وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله، فإن أخذ زيادة فقد تجرأ على الربا+ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1/340.

وممن قال بهذا القول، وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول×في معرض كلام له عن المقبوض بعقد فاسد يعتقد صاحبه صحته ثم ظهر له عدم الصحة ما نصه: =وأما إذا تحاكم المتعاقدان إلى من يعلم بطلانها قبل القبض واستفتياه إذا تبين لهما الخطأ، فرجع عن الرأي الأول_فما كان قد قبض بالاعتقاد والأول أمضي، وإذا كان بقي في الذمة رأس المال وزيادة ربوية أسقطت الزيادة، ورجع إلى رأس المال، ولم يجب على القابض رد ما قبضه قبل ذلك بالاعتقاد الأول+ مجموع الفتاوى 29/ 413.

وقال×في موضع آخر في تفسير آيات الربا من سورة البقرة: =قوله: (فله ما سلف) أي مما كان قبضه من الربا جعله له، (وأمره إلى الله) قد قيل: الضمير يعود إلى الشخص، وقيل: إلى (ما) وبكل حال فالآية تقتضي أن أمره إلى الله لا إلى الغريم الذي عليه الدين، بخلاف الباقي فإن للغريم أن يطلب إسقاطه+ .

وقال×في قوله_تعالى_ [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا] : =أي ذروا ما بقي من الزيادة في ذمم الغرماء، وإن تبتم فلكم رأس المال من غير زيادة، فقد أمرهم بترك الزياة وهي الربا، فيسقط عن ذمة الغريم، ولا يطالب بها، وهذا للغريم فيها حق الامتناع من أدائها، والمخاصمة على ذلك، وإبطال الحجة المكتتبة بها.

وأما ما كان قبضه فقد قال: =فله ما سلف وأمره إلى الله+ فاقتضى أن السالف له للقابض، وأن أمره إلى الله وحده لا شريك له، ليس للغريم فيه أمر، وذلك أنه

 لما جاءه موعظة من ربه فانتهى كان مغفرة ذلك الذنب، والعقوبة عليه إلى الله، وهذا قد انتهى في الظاهر، فله ما سلف =وأمره إلى الله+ إن علم من قلبه صحة التوبة غفر له، وإلا عاقبة، ثم قال: =اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين+ فأمر بترك الباقي، ولم يأمر برد المقبوض.

وقال: =وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم+ لا يشترط منها ما قبض.

وهذا الحكم ثابت في حق الكافر إذا عامل كافراً بالربا، وأسلما بعد القبض، وتحاكما إلينا_فإن ما قبضه يحكم له كسائر ما قبضه الكفار بالعقود التي يعتقدون حلها كما لو باع خمراً، وقبض ثمنها، ثم أسلم فإن ذلك يحل له كما قال النبي”: =من أسلم على شيء فهو له+

وأما المسلم فله ثلاثة أحوال: تارة يعتقد حل بعض الأنواع باجتهاد أو تقليد، وتارة يعامل بجهل، ولا يعلم أن ذلك ربا محرم، وتارة يقبض مع علمه بأن ذلك محرم.

أما الأول والثاني ففيه قولان إذا تبين له فيما بعد أن ذلك ربا محرم، قيل: يرد ما قبض كالغاصب، وقيل: لا يرده، وهو أصح؛ لأنه كان يعتقد أن ذلك حلال.

والكلام فيما إذا كان مختلفا فيه مثل الحيل الربوية، فإذا كان الكافر إذا تاب يغفر له ما استحله، ويباح له ما قبضه_فالمسلم المتأول إذا تاب يغفر له ما استحله، ويباح له ما قبضه؛ لأن المسلم إذا تاب أولى أن يغفر له إذا كان قد أخذ بأحد قولي العلماء في حل ذلك؛ فهو في تأويله أعذر من الكافر في تأويله.

وأما المسلم الجاهل فهو أبعد، لكن ينبغي أن يكون كذلك، فليس هو شراً من الكافر+ تفسير آيات أشكلت 2/ 574_578.

وقال×: =والشريعة أمر ونهي، فإذا كان حكم الأمر لا يثبت إلا بعد بلوغ الخطاب وكذلك النهي_فمن فعل شيئاً لم يعلم أنه محرم ثم علم لم يعاقب، وإذا عامل معاملات ربوية يعتقدها جائزة، وقبض منها ما قبض ثم جاءه موعظة من ربه فانتهى_فله ما سلف+ تفسير آيات أشكلت 2/582.

وقال _ ×_: =والتوبة تتناول المسلم العاصي كما تتناول الكافر، ولا خلاف أنه لو عامله برباً يحرم بالإجماع لم يقبض منه شيئاً ثم تاب أن له رأس ماله؛ فالآية تناولته، وقد قال فيها: =اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا+ ولم يأمر برد المقبوض، بل قال قبل ذلك: =فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف+ .

وهذا_وإن كان ملعوناً على ما أكله وأوكله_فإذا تاب غفر له، ثم المقبوض قد يكون اتجر فيه، وتقلب، وقد يكون أكله، ولم يبق منه شيء، وقد يكون باقياً، فإن كان قد ذهب، وجعل ديناً عليه كان في ذلك ضرر عظيم، وكان هذا منفراً عن التوبة. وهذا الغريم يكفيه إحساناً إليه إسقاطه ما بقي في ذمته، وهو برضاه أعطاه، وكلاهما ملعون.

ولو فرض أن رجلاً أمر رجلاً بإتلاف ماله وأتلفه لم يضمنه وإن كانا ظالمين، وكذلك إذا قال: اقتل عبدي، هذا هو الصحيح، وهو المنصوص عن أحمد وغيره؛ فكذلك هذا هو سلَّط ذاك على أكل هذا المال برضاه؛ فلا وجه لتضمينه_وإن كانا آثمين_كما لو أتلفه بفعله، إذ لا فرق بين أن يتلفه بأكله أو بإحراقه، بل أكله خير من إحراقه، فإن لم يضمنه في هذا بطريق الأولى.

وأيضاً فكثير من العلماء يقولون: إن السارق لا يغرم؛ لئلا يجتمع عليه عقوبتان؛ من أن الحد حق لله، والمال حق لآدمي.

وهذا أولى؛ لئلا يجتمع على المربي عقوبتان: إسقاط ما بقي، والمطالبة بما أكل.

وإذا كان عين المال باقياً فهو لم يقبضه بغير اختيار صاحبه كالسارق، والغاصب، بل قبضه باتفاقهما، ورضاهما بعقد من العقود، وهو لو كان كافراً ثم أسلم لم يرده، وقد قال_تعالى_: =فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله+ . تفسير آيات أشكلت 2/588_590.

وقال×: =وأما الذي لا ريب فيه عندنا فهو ما قبضه بتأويل، أو جهل_فهنا له ما سلف بلا ريب، كما دل عليه الكتاب والسنة والاعتبار.

وأما مع العلم بالتحريم فيحتاج إلى نظر؛ فإنه قد يقال: طرد هذا أن من اكتسب مالاً من ثمن خمر مع علمه بالتحريم فله ما سلف، وكذلك كل من كسب مالاً محرماً ثم تاب إذا كان برضا الدافع، ويلزم مثل ذلك في مهر البغي، وحلوان الكاهن.

وهذا ليس ببعيد عن أصول الشريعة؛ فإنها تفرق بين التائب وغير التائب كما في قوله: =فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف+ وقال_تعالى_: =قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف+ [ الأنفال: 38] تفسير آيات أشكلت 2/ 592_593.

وقال×: =ومن تدبر أصول الشرع علم أنه يتلطف بالناس في التوبة بكل طريق+ تفسير آيات أشكلت 2/ 595.

وقال×: =وأما الربا فإنه قبض بربا صاحبه، والله_سبحانه_يقول: =فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله+ ولم يقل: فمن أسلم، ولا من تبين له التحريم بل قال: [فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى] والموعظة تكون لمن علم التحريم أعظم مما تكون لمن لم يعلمه، قال الله_تعالى_: [يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] النور: 17.

وقال: =أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً+النساء: 63.

وأيضاً فهذا وسط بين الغريمين؛ فإن الغريم المدين ينهى أن يسقط عنه الزيادة، وهذا عنده غاية السعادة، وذاك لا ينهى أن يبقى له ما قبض، وقد عفا الله عما مضى.

وأما تكليف هذا إعادة القرض فذلك مثل مطالبة الغريم بما بقي، وكلاهما فيه شطط، وتسلط، وشدة عظيمة+ تفسير آيات أشكلت 2/596.

 ([217]) انظر في تفصيل الحديث من آثار الزنا إلى روضة المحبين ص 359_369، والجواب الكافي 390_396، وغذاء الألباب للسفاريني 2/ 440_443 ورسائل الإصلاح لمحمد الخضر حسين 2/20_22 والحرية في الإسلام ص56_57.

 ([218]) أخرجه البخاري (5223) ، ومسلم (2761) .

 ([219]) انظر تفاصيل الحديث عن هذه الأمراض في ص 246_250.

 ([220]) الجواب الكافي ص394.

 ([221]) الجواب الكافي ص 396.

 ([222]) انظر إغاثة اللهفان ص 519_520.

 ([223]) الجواب الكافي ص396.

 ([224]) مرجع سابق.

 ([225]) الجواب الكافي ص 407_408.

 ([226]) إغاثة اللهفان ص 71.

 ([227]) الجواب الكافي ص 413_415.

 ([228]) زاد المعاد لابن القيم 4/ 240_242.

 ([229]) انظر تفاصيل تلك الأمراض والأضرار في الفاحشة عمل قوم لوط الأضرار الأسباب سبل الوقاية العلاج للكاتب ص 23_54، وفقه السنة لسيد سابق 2/ 383_386 ، والأمراض الجنسية عقوبة إلهية د. عبد الحميد القضاة ص 100_103 ، والأمراض الجنسية أسبابها وعلاجها د. محمد علي البار ص 361_387، وسيأتي في ص 246_250 من هذا الكتاب مزيد بيان لبعض هذه الأمراض_إن شاء الله_.

 ([230]) انظر الجواب الكافي ص 408_410، وروضة المحبين ص 370_376.

 ([231]) الحدود والتعزيرات عند ابن القيم د. بكر أبو زيد ص 189.

 ([232]) انظر الاستقامة لابن تيمية 2/ 187، وتفسير القرآن العظيم 2/ 211، وأضواء البيان للشيخ محمد الأمين الشنقيطي 3/ 40_45.

 ([233]) رواه أبو داود (4297) ، وابن ماجه (2561) ، والحاكم 4/ 355، وصححه، ووافقه الذهبي، ورواه الترمذي (1456) ، وصحح ابن القيم إسناده في الجواب الكافي ص 409، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6589) .

 ([234]) الحدود والتعزيرات عند ابن القيم ص 179.

 ([235]) انظر الجواب الكافي ص 396_398 ففيه تفصيل هذا القول ومأخذه.

 ([236]) الجواب الكافي ص 398_400.

 ([237]) وإن أردت المزيد فارجع إلى كتابي: الجريمة الخلقية والفاحشة عمل قوم لوط للكاتب، ففيهما تفصيل لتلك الفعلة وأسبابها، وسبل الوقاية منها.

 ([238]) لعل القارئ سيلاحظ طول هذه الفقرة، وكثرة التفصيل فيها، ولعل السبب واضح، وهو خطورة هذا الأمر، وعموم البلوى به، ولأن علاجه قريب من علاج ما قبله في الفقرتين السابقتين؛ فلهذا لم أرغب في الانتقال منه؛ حتى تتبين حقيقته، وخطره، وأسبابه، وعلاجه وإن كان العلاج سيأتي ضمناً في الباب الثاني.

 ([239]) الاستقامة 1/ 459.

 ([240]) العبودية ص97_98.

 ([241]) جامع الرسائل 2/ 243_244.

 ([242]) جامع الرسائل 2/ 242.

 ([243]) روضة المحبين ص 196.

 ([244]) روضة المحبين ص 197.

 ([245]) روضة المحبين ص 197.

 ([246]) روضة المحبين ص 197_198.

 ([247]) روضة المحبين ص 198.

 ([248]) روضة المحبين ص 198.

 ([249]) روضة المحبين ص 199.

 ([250]) روضة المحبين ص 199.

 ([251]) روضة المحبين ص 199.

 ([252]) روضة المحبين ص 201.

 ([253]) بهجة المجالس لابن عبد البر 3/ 816.

 ([254]) إغاثة اللهفان ص 513.

 ([255]) الجواب الكافي ص 490_491.

 ([256]) روضة المحبين ص 202.

 ([257]) إغاثة اللهفان ص 494_496، وانظر الجواب الكافي ص 494_499.

 ([258]) الجواب الكافي ص 500.

 ([259]) رواه مسلم (1897) .

 ([260]) الجواب الكافي بتصرف ص 500_506.

 ([261]) طوق الحمامة ص 39.

 ([262]) الآداب الشرعية لابن مفلح 3/ 126.

 ([263]) بهجة المجالس لابن عبد البر 2 / 817.

 ([264]) روضة المحبين ص 153.

 ([265]) روضة المحبين ص 154.

 ([266]) مرجع سابق.

 ([267]) زاد المعاد لابن القيم 4/ 246.

 ([268]) انظر الصحافة المسمومة لأنور الجندي ص 76، وحصوننا مهددة من داخلها ص 31_39، والأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفاز لمروان كجك ص 191، وأربع مناقشات لإلغاء التلفزيون لجيري ماندرو، ترجمة سهيل منيمنة.

 ([269]) أدب الدنيا والدين للماوردي ص 138.

 ([270]) ذم الهوى ص 440.

 ([271]) الجواب الكافي ص 509.

 ([272]) الجواب الكافي ص 509.

 ([273]) الجواب الكافي ص 509.

 ([274]) إغاثة اللهفان ص 512_513.

 ([275]) روضة الحبين ص 211.

 ([276]) رواه البخاري (16) ، و (21) ، و (6041) و (6941) ومسلم (43) .

 ([277]) روضة المحبين ص 212.

 ([278]) روضة المحبين ص 213.

 ([279]) روضة المحبين ص 213.

 ([280]) خواطر الحياة ص 139.

 ([281]) انظر الجواب الكافي 705.

 ([282]) روضة المحبين ص 139.

 ([283]) روضة المحبين ص 151.

 ([284]) روضة المحبين ص 151_152.

 ([285]) طوق الحمامة ص 141.

 ([286]) طوق الحمامة ص 152.

 ([287]) انظر روضة المحبين ص 147.

 ([288]) الحديث أخرجه ابن حبان في المجروحين 1/ 349، والخطيب البغدادي في تاريخه 5/ 156، 262، و 6/ 50_51.

قال ابن القيم في الجواب الكافي ص 559: =وأما حديث من عشق فعف . .+

فهذا يرويه سويد بن سعيد، وقد أنكره حفاظ الإسلام عليه+ .

وقال في ص 562: =وكلام حفاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان، وإليهم يرجع في هذا الشأن، وما صححه، بل ولا حسنه أحد يعول في علم الحديث عليه، ويرجع في التصحيح إليه، ولا من عادته التساهل والتسامح+ .

وقال في زاد المعاد 4/ 252_256: =ولا يغتر بالحديث الموضوع على رسول الله”الذي رواه سويد بن سعيد، فذكر حديث =من عشق فعف فمات فهو شهيد+ .

وقال: =فإن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله”ولا يجوز أن يكون من كلامه؛ فإن الشهادة درجة عالية عند الله، مقرونة بدرجة الصديقية، ولها أعمال وأحوال هي من شرط حصولها، وهي نوعان: عامة، وخاصة؛ فالخاصة الشهادة في سبيل الله، والعامة مذكورة في الصحيح ليس العشق واحداً منها.

وكيف يكون العشق الذي هو شرك في المحبة، وفراغ القلب عن الله، وتمليك القلب والروح، والحب لغيره تنال به درجة الشهادة؟ هذا من المحال؛ فإن إفساد عشق الصور للقلب فوق كل إفساد، بل هو خمر الروح الذي يسكرها، ويصدها عن ذكر الله وحبه، والتلذذ بمناجاته، والأنس به، ويوجب عبودية القلب لغيره؛ فإن قلب العاشق متعبد لقلب معشوقه، بل العشق لب العبودية؛ فإنها كمال الذل، والحب، والخضوع، والتعظيم؛ فكيف يكون تعبد القلب لغير الله مما تنال به درجة أفاضل الموحدين وسادتهم وخواص الأولياء؛ فلو كان إسناد هذا الحديث كالشمس كان غلطا ووهما، ولا يحفظ عن رسول الله”لفظ العشق في حديث البتة+ .

إلى أن قال: =فكيف يظن بالنبي”أنه يحكم على كل عاشق يكتم، ويعف بأنه شهيد، فترى من يعشق امرأة غيره، أو يعشق المردان والبغايا ينال بعشقه درجة الشهداء؟ وهل هذا إلا خلاف المعلوم من دينه”بالضرورة؟ والتداوي منه إما واجب إن كان عشقاً حراماً، وإما مستحب+ .

 ([289]) روضة المحبين ص 148_150.

 ([290]) ذم الهوى ص 443.

 ([291]) الكلام في هذا أكثره مستفاد من ذم الهوى ص 440_497، والجواب الكافي ص 493_499 و 506_507.

 ([292]) ذم الهوى ص 439.

 ([293]) ذم الهوى ص 440.

 ([294]) ذم الهوى ص 440.

 ([295]) الجواب الكافي 506.

 ([296]) ذم الهوى ص 476.

 ([297]) العبودية ص 100.

 ([298]) ذم الهوى 479.

 ([299]) ذم الهوى ص 486.

 ([300]) ذم الهوى ص 486.

 ([301]) ذم الهوى ص 486.

 ([302]) ذم الهوى ص 486_487.

 ([303]) ذم الهوى ص 493.

 ([304]) ذم الهوى ص 497.

 ([305]) الأخلاق والسير ص 78_79.

 ([306]) ذم الهوى ص 496.

 ([307]) مجموع الفتاوى 14/ 207.

 ([308]) مجموع الفتاوى 10/ 137.

 ([309]) مضى تخريج الحديث، ص 170.

 ([310]) هكذا وردت في الأصل ولعلها: على.

 ([311]) مجموع الفتاوى 10/ 133.

 ([312]) مجموع الفتاوى 14/ 207_209.

 ([313]) العبودية لابن تيمية ص 99.

 ([314]) العبودية ص 100.

 ([315]) العبودية ص 139_140.

 ([316]) العبودية ص 140_142.

 ([317]) الجواب الكافي ص 465.

 ([318]) جامع الرسائل 2/ 202.

 ([319]) جامع الرسائل 2 / 230.

 ([320]) الجواب الكافي ص 541_542.

 ([321]) طريق الهجرتين ص 449.

 ([322]) طريق الهجرتين ص 449_450.

 ([323]) روضة المحبين لابن القيم ص 481.

 ([324]) روضة المحبين ص 399.

 ([325]) روضة المحبين ص 399.

 ([326]) إيوان الألمعي شرح ديوان الرافعي ص 22.

 ([327]) الآداب الشرعية لابن مفلح 3 / 131.

 ([328]) كتاب الفنون 2 / 496.

 ([329]) كتاب الفنون 2/ 496.

 ([330]) روضة المحبين ص 481، وانظر روضة المحبين ص 468_482 ففيه كلام جميل في فضل المجاهدة حيث ذكر أموراً تبلغ الخمسين في فضل المجاهدة.

 ([331]) صيد الخاطر ص 115.

 ([332]) أمض و أرمض: آلم وأحرق.

 ([333]) صيد الخاطر ص 252.

 ([334]) عيل الصبر: فقد وغلب.

 ([335]) صيد الخاطر ص 253.

 ([336]) صيد الخاطر ص 315.

 ([337]) لامية ابن الوردي ص 15.

 ([338]) أخرجه البخاري (6416) ، والبيهقي 3/ 369.

 ([339]) جامع العلوم والحكم لابن رجب 2/ 377.

 ([340]) كتاب الفنون 2 / 546.

 ([341]) صيد الخاطر ص 40.

 ([342]) صيد الخاطر ص 532.

 ([343]) طريق الهجرتين لابن القيم ص 297.

 ([344]) طريق الهجرتين ص 297.

 ([345]) طريق الهجرتين ص 454.

 ([346]) طريق الهجرتين ص 448.

 ([347]) ديوان الشافعي تحقيق د. محمد عبد المنعم خفاجي ص 113_114.

 ([348]) انظر طريق الهجرتين ص 488.

 ([349]) انظر ذم الهوى لابن الجوزي ص473.

 ([350]) ديوان امرىء القيس ص39

 ([351]) لم تناظر: أي لم تمهل، فأصابت بسهم، أو أوقعت في الفتنة.

 ([352]) لا تشم: شام البرق: نظر إليه أين يقصد ويمطر. ومعنى حَيْن: أي هلاك، والمعنى تبصر، وتنبَّه، ولا تركن إلى ظواهر الأمور؛ فربما كان فيها هلاكك.

 ([353]) صيد الخاطر ص41

 ([354]) صيد الخاطر ص350.

 ([355]) طريق الهجرتين ص454.

 ([356]) طوق الحمامة ص128.

 ([357]) طوق الحمامة ص127.

 ([358]) العبودية ص100_101.

 ([359]) في الأصل: لأنه لا يلائم غرضه الله تعالى، ولعل المثبت أصح.

 ([360]) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (292) والحاكم في المستدرك 4/313_314 من حديث حذيفة مرفوعاً، قال الحاكم: = هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه+ وتعقبه الذهبي فقال: =فيه إسحاق بن عبد الواحد القرشي واه، وعبد الرحمن هو الواسطي ضعفوه+ .

وأخرجه الطبراني في الكبير (10362) بنحوه من حديث ابن مسعود، وضعفه المنذري في الترغيب (2838) .

 ([361]) روضة المحبين ص110_112، وانظر ذم الهوى ص89.

 ([362]) روضة المحبين ص112.

 ([363]) أخرجه أحمد4/358_361، وأبو داود (2148) ، والترمذي (2776) ، وقال: =حسن صحيح+ .

 ([364]) هكذا وردت في الأصل، ولعل الصواب: يَتَعَمَّدْه.

 ([365]) أخرجه الترمذي (1058) عن جابر وقال: =حديث حسن غريب+ ، وأصله عند مسلم بلفظ =إذا أحدكم أعجبته المرأةُ، فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها؛ فإن ذلك يرد مافي نفسه+ .

 ([366]) البخاري (5096) ومسلم (2740) .

 ([367]) روضة المحبين ص113.

 ([368]) مضى تخريجه ص204.

 ([369]) ضري: أي اعتاد، وأولع، وتجرأ.

 ([370]) روضة المحبين ص113_121 بتصرف يسير، وانظر كلاماً عظيماً حول هذا المعنى في الجواب الكافي ص424_429.

 ([371]) رواه البخاري (3470) ، ومسلم (2766)

 ([372]) صحيح مسلم بشرح النووي 16/ 237.

 ([373]) الأبيات للبارودي، انظر ديوانه 1/ 73.

 ([374]) صيد الخاطر ص 351.

 ([375]) صيد الخاطر ص 684.

 ([376]) صيد الخاطر ص 668.

 ([377]) آفات الخمر وأضرارها يصعب حصرها واستقصاؤها فمن آفاتها أنها سبب لدخول النار، ون شاربها لا يشرب خمرة الآخرة، وأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء، وتشعل نار النزاع والخصام بين السكارى ومن يعاشرهم، وتورث صاحبها الخسة والمهانة، والسقوط من أعين الخلق، وتجلب لصاحبها العار، وتنجر به إلى الشقاء والفقر، وتضعف إرادته، وتقلل بركة عمره، وتحدث له الهم والغم، والحزن، وحرقة القلب، وضيق الصدر، وتورثه التوتر النفسي، والرغبة في العزلة، وفقدان الثقة بالنفس.

ومن آفاتها أنها تجرئ شاربها على فعل الجرائم، وارتكاب الفواحش، وتورثه خصال الشر من كذب، وعشق، ونفاق ، وجبن، وغير ذلك.

 كما أنها تسبب حالات الطلاق، وتفكك الأسر، وضياع الأولاد.

ومن أضرارها الصحية أنها تفسد المعدة، وتضخم البطن، وتوقف النمو العقلي، وتهدل العينين، حتى يصبح شاربها الشاب كأنه شيخ كبير.

ومن أضرارها الصحية أنها تؤثر على الجنين، وتعرض صاحبها للأمراض المعدية، وتحدث فيه الشلل، والرعدة، وأمراض الكبد، والكلى، وتخرق القلب، والرئة، وتحدث التدرن والسل، وتسبب التهاب الأعصاب، وتحدث التهابات في الحلق، وبحة في الصوت، وتؤثر على اللسان، وتفقده حاسة الذوق، وتفسد الدم، وتسبب السرطان، وتسرع في الشيخوخة، وكلما ازداد أصحابها منها عظم شقاؤهم، وزادت أمراضهم.

ومن أضرارها أنها تسبب خسائر مالية هائلة من خلال بيعها، وتداولها، وعلاج مدمنيها، وتعويض الخسائر الناجمة عنها.

ومن أضرارها أنها تقود إلى الجنون، وتتسبب في إفشاء الأسرار، وتتسبب أيضاً في حوادث السيارات والمشاحنات.

وبالجملة ففي المسكرات فوق هذه المفاسد. انظر تربية الإسلام وادعاءات التحرر للشيخ عبد الرحمن الدوسري ص 303_322، ورسائل الإصلاح ص 23_25.

 ([378]) صيد الخاطر ص 754_755.

 ([379]) روضة المحبين ص 440.

 ([380]) المرجع نفسه.

 ([381]) روضة المحبين ص 399.

 ([382]) انظر الفوائد ص 223_224.

 ([383]) الفوائد ص 225.

 ([384]) الفوائد ص 249.

 ([385]) الفوائد ص 250.

 ([386]) الفوائد ص 250_251.

 ([387]) الفوائد ص 251.

 ([388]) الفوائد ص 251.

 ([389]) الفوائد ص 221_222.

 ([390]) انظر الفوائد ص 204.

 ([391]) انظر الجواب الكافي ففه تفصيل لتلك الأضرار، وانظر طريق الهجرتين ص 450_454.

 ([392]) رواه أحمد 2/ 21، والترمذي (3434) وصححه، وأبو داود (1516) ، والنسائي في الكبرى (10292) ، والبخاري في الأدب المفرد (633) ، وابن حبان (927) ، وعبد بن حميد_كما في المنتخب (786) _كلهم من طريق مالك بن مغول عن ابن سوقة عن نافع عن ابن عمر به مرفوعا، وإسناده صحيح.

ورواه أحمد 2/ 84، والنسائي في الكبرى (10292) ، والبخاري في الأدب المفرد (642) ، والطبراني في الكبير (13532) من طريقين آخرين عن ابن عمر به. ورواه البخاري في الأدب المفرد

 (634) ، والنسائي في الكبرى (9935) عن عائشة به مرفوعاً.

 ([393]) انظر الدعاء مفهومه_أحكامه_أخطاء تقع فيه للكاتب.

 ([394]) رؤوس القوارير ص 151.

 ([395]) رواه البخاري (6117) ، ومسلم (37) .

 ([396]) رواه ابن ماجه (4181) ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2149) .

 ([397]) رواه البخاري (24) ، و (6118) ، و مسلم (35) .

 ([398]) رواه البخاري (6120) .

 ([399]) روضة العقلاء لابن حبان ص 56.

 ([400]) انظر طريق الهجرتين ص 488، والسعادة العظمى لمحمد الخضر حسين ص 49.

 ([401]) انظر طريق الهجرتين ص 450.

 ([402]) انظر ذم الهوى لابن الجوزي 479.

 ([403]) انظر ذم الهوى لابن الجوزي 479.

 ([404]) ديوان الأعشى ص 47.

 ([405]) ديوان أبي فراس الحمداني ص 13.

 ([406]) ذم الهوى ص 480.

 ([407]) ذم الهوى ص 480.

 ([408]) انظر في سبيل الإصلاح للشيخ علي الطنطاوي ص 191، وصور وخواطر للشيخ علي الطنطاوي ص 158_159.

 ([409]) ياجم: يكره، ويمل.

 ([410]) الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع ص 149_150.

 ([411]) الأدب الصغير والأدب الكبير ص 150.

 ([412]) انظر روضة المحبين ص 474_475، ومواقف الإسلام للشيخ محمد الحبيب بن خواجة ص 20.

 ([413]) انظر جريدة الرياض عدد 10940.

 ([414]) انظر قصائد إلى المرأة لحسني أدهم جرار ص 20 22.

 ([415]) تجاربهم مع السعادة للأستاذ عبد لله الجعيثن ص 102.

 ([416]) انظر قصائد المرأة ص 22.

 ([417]) ديوان في رحاب الأقصى ص 213، وانظر إلى قصائد إلى المرأة ص 23.

 ([418]) تجاربهم مع السعادة ص 102.

 ([419]) أخرجه البخاري (1432) ، ومسلم (2627) .

 ([420]) الشرق الأوسط عدد (7376) في 21/ 10 / 1419هــ.

 ([421]) انظر السعادة بين الوهم والحقيقة للشيخ د. ناصر العمر ص 20_21.

 ([422]) انظر لماذا انتحر هؤلاء لهاني الخَيِّر ص 45_48.

 ([423]) لماذا انتحر هؤلاء ص 49.

 ([424]) لماذا انتحر هؤلاء ص 50 وانظر ص 51.

 ([425]) انظر أفول شمس الحضارة الغربية من نافذة المخدرات لمصطفى فوزي غزال؛ ففيه ذكر لانتشار المخدرات في بريطانيا، وأمريكا، وألمانيا، وإيطاليا وأسبانيا.

 ([426]) الزهري: هو أحد ثمار الشذوذ الجنسي، وقد عرف مع نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، وهو عادة يصيب الإنسان دون سائر المخلوقات، وتسببه جرثومة اسمها =تريبوينما باليديم+ وهي جرثومة صغيرة ودقيقة جداً، بحيث لا ترى بالعين المجردة.

 أما عن أسباب هذا المرض فإنه لا يوجد له سبب غير العلاقة الجنسية المحرمة، والوطء في نكاح غير صحيح، ولا يمكن أن يحدث نتيجة وطء حلال.

أما أعراضه فمنها ما يظهر على شكل تقرحات على الأعضاء التناسلية، ومنها ما يكون داخلياً فيظهر على الكبد، والأمعاء، والمعدة، والبلعوم، والرئتين، والخصيتين.

أما الآثار التي يتركها على قلب المريض فكبيرة ورهيبة؛ فهو يسبب الشلل، وتصلب الشرايين، والعمى، والذبحة الصدرية، والتشوهات الجسمية، وسرطان اللسان، والسل في بعض الأحيان.

وهذا المرض سريع العدوى وانتشاره يزداد ويتضاعف خصوصاً في أمريكا وأوربا. انظر الأمراض الجنسية عقوبة إلهية د. عبد الحميد القضاة ص 41_50، ولماذا حرم الله هذه الأشياء د. محمد كمال عبد العزيز ص 20_21، والأمراض الجنسية أسبابها وعلاجها د. محمد علي البار ص 305_361،

والأمراض الجنسية د. نبيل الطويل ص 38_77، والانحرافات الجنسية وأمراضها د. فايز الحاج ص 143_156، والفاحشة الأضرار الأسباب سبل الوقاية والعلاج للكاتب ص 43_44.

 ([427]) السيلان ويعد أكثر الأمراض الجنسية شيوعاً في العالم؛ إذ يبلغ عدد المصابين به سنوياً حسب تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 1975م_250مليون شخص، ولقد أوضحت الدراسات الميدانية أن الشاذين جنسياً_وعددهم في الولايات المتحدة الأمريكية حالياً قد جاوز الثمانية عشر مليوناً_هم أكثر الناس إصابة بالأمراض الجنسية.

وقد يصاب بالسيلان 200_500 مليون شخص كل عام معظمهم في ريعان الشباب، وهذا المرض يسمى في بعض البلاد العربية =التعقيبة+ وفي بعضها الآخر =الردة+ ، وينتقل نتيجة اتصال جنسي مباشر، ونكاح في فرج محرم، ولا يمكن أن ينتقل إلى عفيف أو عفيفة، وهذا المرض يحدث التهابات شديدة في الأعضاء التناسلية، ويصحبه قيح وصديد كريه الرائحة، ويعد من أهم الأسباب التي تؤدي إلى العقم، ويسبب ضيق مجرى البول، والتهابات في القناة الشرجية، ويمكن لجرثومة هذا المرض أن تصل إلى أي مكان في الجسم عندما تدخل الدورة الدموية، وحينئذ تسبب التهاب الكبد والسحايا، والتهابات أخرى في القلب وصماماته. انظر تفاصيل هذا المرض في: الأمراض الجنسية أسبابها وعلاجها ص 277_292، والأمراض الجنسية عقوبة إلهية ص 51_53، والانحرافات الجنسية وأمراضها ص 136_142، والثقافة الجنسية د. هاني عرموش ص 115_124، والأمراض الجنسية لسيف الدين شاهين ص 51_52، والفاحشة للكاتب ص 44_45.

 ([428]) الهربس: ذلك المرض الذي فرض نفسه شبحا مرعبا في نفوس المنغمسين في العلاقات المحرمة، فلقد أوضح تقرير لوزارة الصحة الأمريكية أن الهربس لا علاج له حتى الآن، وأنه يفوق في خطورته مرض السرطان، ويبلغ عدد المصابين به في الولايات المتحدة عشرين مليون شخص، وتقدر عدد الإصابة به في بريطانيا بمائة ألف شخص سنوياً.

وهذا المرض حاد جدا، ويتميز بتقرحات شديدة حمراء اللون، تكبر وتتكاثر بسرعة، ويسببه فيروس =هربس هومنس+ وينتقل بالاتصال الجنسي إلى الأعضاء التناسلية أو الفم عند الشاذين، وتبدأ أعراضه عند الرجل بالشعور بالحكة، فتهيج المنطقة، وتظهر البثور والتقرحات على مقدمة القضيب، والقضيب نفسه، وعلى منطقة الشرج عند الذين يلاط بهم، وهذه البثور الصغيرة الحجم الكثيرة العدد يكبر حجمها، ويزداد ألمها، وتتآكل، فتلتهب من البكتريا المحيطة، فيزداد المرض تعقيدا، ويخرج منه سائل يشبه البلازما، ثم صديد، وربما يمتد الالتهاب إلى الفخذ، ومنطقة العانة، فتتضخم الغدد اللمفاوية، وتصبح مؤلة جداً، وأضرار الهربس لا تقف عند حد الأعضاء التناسلية فحسب، بل إنها تتعدى ذلك إلى سائر أعضاء الجسم، وله مضاعفات شديدة، فقد ينتقل إلى الدماغ، وإصابة الدماغ مميتة في أغلب الحالات أكثر من 90%، ومما يؤكد خطورته_أيضاً_أنه لا يقتصر على الأعراض الجسدية؛ إذ المرض يحدث أعراضاً نفسية وعصبية ربما كانت أخطر بكثير من الأعراض الأخرى.

ويذكر د. مورس_أخصائي أمراض الهربس_أن نتيجة الدراسة التي قام بها في بريطانيا تشير إلى أن انتشار هذا المرض يزداد يوما بعد يوم، وأن أكثر الإصابات تقع بين الشباب والشابات الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15_30 سنة، وأن هذا المرض يتناسب طردياً مع الجنس وطرق ممارسته، وازدياده في المجتمع بطرق غير صحيحة، فيما يقل عند الذين يحبون العفاف ويسعون إليه. انظر الأمراض الجنسية عقوبة إلهية ص 90، والأمراض الجنسية أسبابها وعلاجها ص 225_260، والفاحشة ص 46_48.

 ([429]) الإيدز: وما أدراك ما الإيدز، ذلك المرض الخطير الذي أصاب العالم_عموماً، والغربي خصوصا_بسببه موجة من الذعر والخوف، فلقد عرف هذا المرض حديثاً، فأصبح يهدد إنسان الغرب وحضارة الغرب بالفناء.

وخطورة هذا المرض ترجع لسرعة انتشاره، وقلة علاجه أو انعدامه بالكلية، ولكثرة المصابين به، وللغموض المريع الذي يكتنفه، لدرجة أن الأسئلة حوله كثيرة، وإجابات المختصين قليلة.

وكلمة =إيدز+ هي عبارة عن الأحرف الأولى للكلمات التي يكون منها اسم هذا المرض باللغة الإنجليزية، ومعناه في العربية =انهيار أو نقص المناعة المكتسبة+ ذلك أن الله_عز وجل_أودع جسم الإنسان مناعة تضاد وتكافح مختلف الأمراض التي تغزو الجسم، فإذا ما أصيب الإنسان بمرض الإيدز فإنه لا يكاد يحتمل مكافحة أدنى الأمراض، وربما قضى عليه أقلها ضرراً؛ إذ تنهار لدى المصاب بالإيدز وسائل الدفاع، فيصبح فريسة سهلة لشتى الأمراض.

وقد ذكر المختصون أن نسبة 95% من المصابين بهذا المرض أنهم ممن يمارسون الشذوذ الجنسي، وأن نسبة قليلة منهم هم من مرضى المخدرات، كما ذكر المختصون_أيضا_أن تسعة أعشار المصابين بالإيدز يموتون خلال ثلاث سنوات من بداية المرض، أنا عدد المصابين فإنه يزداد بشكل مستمر، ولهذا خيم الرعب على أهل الدعارة في أمريكا وبريطانيا، وإيطاليا، والبرازيل، وكافة أنحاء العالم.

 ولقد انتشر الرعب_على وجه الخصوص_في هوليود_مدينة السينما العالمية_خاصة بعدما أصيب بالإيدز الممثل الشهير_روك هدسون_صديق الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان، حيث خيم الذعر المميت على أجواء هوليود، وجعل حياة أولئك تعتمد على المهدئات والمسكنات، أو على مزيد من المخدرات التي تشم الكوكايين، أو التي تدخن كالحشيش، وما حالهم هذه إلا كما قال المجنون:

تداويت من ليلى بليلى من الهوى كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

 انظر تفاصيل الحديث عن الإيدز في: الأمراض الجنسية أسبابها وعلاجها ص 131_223، والجنس وأمراضه د. عبد الناصر نور الله ص 23_29، وقصة الإيدز د. نجيب الكيلاني، والفاحشة للكاتب ص 48_51.

 ([430]) فيروس الحب: وقبل أن يفيق العالم من هول الصدمة التي أحدثها الإيدز إذا بمرض جديد يحل في ساحة الشذاذ، وهذا المرض أشد وطأة، وأعظم افتراساً من مرض الإيدز، بل إن الإيدز_كما يؤكد الدكتور كينيث مور مكتشف هذا المرض الجديد_يعد لعبة أطفال مقارنة بهذا المرض الجديد. وقد سماه مكتشفه د. مور بــ: فيروس الحب، أما أعراض هذا المرض فإنه بعد ستة أشهر من استلام الجسم لهذا الفيروس العجيب يمتلئ جسم المريض بأكمله بالبثور، والقروح، والتقيحات، ويستمر نزيف المريض إلى أن يموت، ومما يجعل هذا الفيروس خطيراً أنه يستمر ساكنا إلى لحظة معينة هي لحظة جيشان الهرمونات التي تتوافق مع تهيج الجسم عند ممارسة الجنس، وهذا المرض ليس كغيره من أمراض الجنس التي لا تنتقل إلا عن طريق الدم، أو السوائل، أو الممارسات الجنسية، وإنما ينتقل بشتى الطرق، فربما انتشر بسبب النفس، وينتقل عبر الهواء وعبر الممارسات العاطفية العابرة، كالتقبيل، والاحتضان، وتشبيك الأيدي. انظر الفاحشة للكاتب ص 51_53.

 ([431]) انظر في تفصيل الحديث عن السرقة إلى كتاب: أفول شمس الحضارة الغربية من نافذة الجرائم، لمصطفى فوزي غزال من ص 56_83 ففيه ذكر لأنواع السرقات، وطرقها، وأرقامها.

 ([432]) من الأخبار الغربية في هذا أن أمريكياً يشتغل بتقطير الخمور ارتكب جريمة بشعة؛ حيث قتل ولديه اللذين تترواح أعمارهما بين الثانية والرابعة، ثم قتل زوجته، وصديقا له، وأصاب واله الذي يبلغ من العمر 84سنة برصاص في رأسه، وقد استخدم في جريمته مسدساً وسكيناً، وألقي القبض عليه واعترف بأنه تعاطى كمية من الخمور التي يقطرها. انظر المرجع السابق ص 8، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً.

هذا ومعدلات الجريمة في ارتفاع، ففي أمريكا تجاوزت أكثر من عشرة أضعاف في السنوات الأخيرة، وأصبح معدل الجريمة جريمة قتل كل دقيقتين، وجريمة اغتصاب كل عشرين دقيقة، وجرائم أخرى دون اغتصاب أي بالتفاهم بين المجرمين على حساب الأسرة والمجموع البشري وتتم دون أن يمكن حصرها.

وفي ألمانيا تضاعفت جرائم القتل الناري عشرة أضعاف، وفي سنة 1969م سجلت إحصائيات الجرائم أكثر من ألفي جريمة قتل، وفي عام 1970م وصلت إلى 2500 جريمة، وفي عام 1971م وصلت إلى 3000، والزيادة مطردة.

وفي بريطانيا ارتفع إحصاء الجريمة في السنوات الأخيرة من 15759 إلى 41088 جريمة سنة 1970م، وربما وصلت الآن إلى خمسين ألفاً، وجرائم السطو ارتفعت في عامين لتبلغ نصف مليون جريمة.

ولا مجال للاستطراد في هذا الشأن؛ فالنتيجة سيئة للغاية؛ ولا غرو في ذلك طالما أن الناس بعيدون عن الله، ويحكمون بغير شرع الله. انظر أفول شمس الحضارة الغربية من نافذة الجرائم ص 5_55، ففيه تفصيل لذلك وذكر للأسباب.

 ([433]) انظر لماذا انتحر هؤلاء ص 42.

 ([434]) ويرجع الدكتور مالك بدري معظم أسباب الانتحار إلى الاضطرابات النفسية فيقول: =ارتفعت نسبة الانتحار في أمريكا حتى وصلت حوالي 70000 أمريكي كل عام، وكانت أكبر الزيادات في نسبة الانتحار بين شباب العقد الثالث، ويعزى ذلك إلى ازدياد الاضطرابات النفسية بينهم بشكل عام، وإلى مرض الاكتئاب النفسي والعقلي بشكل خاص، ولم تستطيع الثورة الجنسية، ولا الانغماس في المسكرات والمخدرات التي يصرف عليها الشعب الأمريكي بلايين الدولارات كل عام، ولم تستطع العقاقير المهدئة التي يبتلع منها الأمريكيون مئات الأطنان كل عام لم تستطع كل هذا أن يأتي بالسعادة النفسية المنشودة+ أفول شمس الحضارة الغربية من نافذة الجرائم ص 106_107.

 ([435]) انظر على سبيل المثال إلى كتاب: لماذا انتحر هؤلاء لهاني الخير، وكتاب كيف سقطوا لمجدي كامل ففيهما ذكر لنماذج كثيرة من هذا النمط، وسيأتي إيراد لبعض تلك النماذج في الفصل الآتي إن شاء الله.

 ([436]) فالولايات المتحدة_على سبيل المثال_تحظى بنصيب الأسد في عدد المقدمين عل الانتحار؛ فقد بلغ عددهم في عام واحد ما يقارب الربع مليون شخص، أي بمعدل 120 شخصاً يومياً.

      أما في بريطانيا وحدها فقد بلغ عدد ضحايا الانتحار 40ألف شخص خلال عام واحد. انظر أفول شمس الحضارة الغربية ص 104.

وأما في فرنسا فالنسبة تزايد، وإليك مثالاً قريباً في هذا الشأن، حيث جاء في صحيفة الشرق الأوسط في العدد 7376، في 21/10/1419هـ ما نصه:

 =12 ألف منتحر سنوياً في فرنسا+

وتحت هذا العنوان ذكرت الصحيفة ما يلي: =قالت وزارة الصحة الفرنسية: إن الانتحار هو ثالث أهم أسباب الوفاة بين الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 70 عاماً في فرنسا، وأنه كل 43دقيقة تقع حالة انتحار، وأضافت الوزارة في تقرير لها أن 12ألف شخص يقتلون أنفسهم كل عام، وأن 160ألف شخص آخرين يحاولون الانتحار لكنهم يخفقون، ويأتي الانتحار بعد السرطان وأمراض القلب، وقبل حوادث السيارات كسبب رئيس للوفاة في فرنسا، وقالت الوزارة: إن الانتحار كان أهم أسباب للوفاة بين الأشخاص الذين تراوحت أعمارهم بين 15_24عاماً في عام 1993م.

وبدأت الحكومة الفرنسية في فبراير شباط 1998م حملة قومية تستمر ثلاثة أعوام؛ لخفض معدلات الانتحار الذي تضاعفت على مدى الأعوام الخمسة والعشرين الماضية+ .

وهكذا تتزايد نسبة الانتحار في الدول الراقية مادياً كالسويد وسويسرا وغيرها.

وهكذا أصبحت الحياة في ديار الغرب لا تطاق؛ فالأسرة في حالة اضطراب ونزاع، وكذا الشارع والمصنع، والملعب والملهى؛ حيث انتشرت الاضطرابات العقلية، والنفسية، وعم القلق وساد الاكتئاب واليأس والملل من الحياة؛ رغم أن تلك الشعوب تعيش حرية كاملة من نساء، وخمور، ومخدرات، ونح ذلك.

ومع هذا فمرض الاكتئاب يدب في أوصالهم، ويأكل قلوبهم. انظر أفول شمس الحضارة الغربية ص 116و 119.

 ([437]) انظر أفول شمس الحضارة الغربية من نافذة الجرائم ص 109و 111.

 ([438]) انظر أفول شمس الحضارة الغربية من نافذة الجرائم ص 109و 111.

 ([439]) قارن أحوال الأمم الكافرة، وما تعيشه من ضيق، وإقدام على الانتحار بأحوال المسلمين في شتى بقاع الأرض؛ حيث يقل عند المسلمين الانتحار، بل لا تكاد تذكر له نسبة في بعض بلدانهم مع ما يلاقي كثير منهم من ظلم، وفقر، ومرض.

ومع ذلك فإن إيمانهم_مهما ضعف_يحميهم_بإذن الله_عن الاسترسال مع الأوهام، أو الإقدام على الانتحار.

هذا عند عوام المسلمين فضلا عن خواصهم من العلماء العاملين، والعباد القانتين.

وهذا ما أدهش كثيراً من كتاب الغرب ومفكريه، وإليك هذه المقالة التي تحمل العنوان التالي:

 =عشت في جنة الله+

والتي كتبها الكاتب الغربي المشهور (ر. ن. س. بودلي) ، والذي أورد مقالته (ديل كارنيجي) في كتابه (دع القلق وابدأ الحياة) ص 291_295، يقول بودلي: =في عام 1918م وليت ظهري العالم الذي عرفته طيلة حياتي، ويممت شطر أفريقيا الشمالية الغربية؛ حيث عشت بين الأعراب في الصحراء، وقضيت هناك سبعة أعوام، أتقنت خلالها لغة البدو، وكنت أرتدي زيهم، وآكل من طعامهم، وأتخذ مظاهرهم في الحياة، وغدوت مثلهم أمتلك أغناماً، وأنام كما ينامون في الخيام، وقد تعمقت في دراسة الإسلام، حتى أنني ألفت كتابا عن محمد”عنوانه (الرسول)

وكانت تلك الأعوام السبعة التي قضيتها مع هؤلاء البدو الرحل من أمتع سني حياتي، وأحفلها بالسلام، والاطمئنان، والرضا بالحياة.

وقد تعلمت من عرب الصحراء كيف أتغلب على القلق؛ فهم بوصفهم مسلمين يؤمنون بالقضاء والقدر، وقد ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان، وأخذ الحياة مأخذاً سهلاً هيناً، فهم لا يتعجلون أمراً، ولا يلقون بأنفسهم بين براثن الهم قلقاً على أمر.

إنهم يؤمنون بما قدر يكون، وأن الفرد منهم لن يصيبه إلا ما كتب الله له.

وليس معنى هذا أنهم يتواكلون، أو يقفون في وجه الكارثة مكتوفي الأيدي كلا+ .

ثم أردف قائلاً: =ودعني أضرب لك مثلاً لما أعنيه: هبت ذات يوم عاصفة عاتية حملت رمال الصحراء وعبرت بها البحر الأبيض المتوسط، ورمت بها وادي (الرون) في فرنسا، وكانت العاصفة حارة شديدة الحرارة، حتى أحسست كأن شعر رأسي يتزعزع من منابته؛ لفرط وطأة الحر، وأحسست من فرط القيظ كأنني مدفوع إلى الجنون.

ولكن العرب لم يشكوا إطلاقاً، فقد هزوا أكتافهم، وقالوا كلمتهم المأثورة: (قضاء مكتوب) .

لكنهم ما إن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير، فذبحوا صغار الخراف قبل أن يودي القيظ بحياتها، ثم ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء، فعلوا هذا كله في صمت وهدوء، دون أن تبدو من أحدهم شكوى.

قال رئيس القبيلة_الشيخ_: لم نفقد الشيء الكبير؛ فقد كنا خليقين بأن نفقد كل شيء، ولكن حمداً له وشكراً؛ فإن لدينا نحو أربعين في المائة من ماشيتنا، وفي استطاعتنا أن نبدأ من جديد+ .

ثم قال بودلي: =وثمة حادثة أخرى، فقد كنا نقطع الصحراء بالسيارة يوماً، فانفجر أحد الإطارات، وكان السائق قد نسي استحضار إطار احتياطي، وتولاني الغضب، وانتابني القلق و الهم، وسألت صحبي من الأعراب: ماذا عسى أن نفعل؟

فذكروني بأن الاندفاع إلى الغضب لن يجدي فتيلاً، بل هو خليق أن يدفع الإنسان إلى الطيش والحمق.

ومن ثم درجت بنا السيارة وهي تجري على ثلاثة إطارات ليس إلا، ولكنها ما لبثت أن كفت عن السير، وعلمت أن البنزين قد نفذ.

وهنالك_أيضا_لم تثر ثائرة أحد من رفاقي الأعراب، ولا فارقهم هدوؤهم، بل مضوا يذرعون الطريق سيراً على الأقدام+ .

وبعد أن استعرض (بودلي) تجربته مع عرب الصحراء علق قائلاً: =أقنعتني الأعوام السبعة التي قضيتها في الصحراء بين الأعراب الرحل أن الملتاثين ومرضى النفوس، والسكرين الذين تحفل بهم أمريكا وأوربا ما هم إلا ضحايا المدنية التي تتخذ السرعة أساسا لها، إنني لم أعان شيئا من القلق قط وأنا أعيش في الصحراء، بل هنالك في جنة الله وجدت السكينة والقناعة والرضا+ .

وأخيراً ختم كلامه بقوله: =وخلاصة القول أنني بعد انقضاء سبعة عشرة عاماً على مغادرتي الصحراء ما زلت أتخذ موقف العرب حيال قضاء الله، فأقبل الحوادث التي لا حيلة لي فيها بالهدوء والامتثال والسكينة.

ولقد أفلحت هذه الطباع التي اكتسبتها من العرب في تهدئة أعصابي أكثر مما تفلح آلاف المسكنات والعقاقير الطبية+ .

 ([440]) انظر إلى مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الكاملة المقتبسة ص 225، والحرية في الإسلام للشيخ محمد الخضر حسين ص 32و 38_39، ومناهج الشرف للشيخ محمد الخضر حسين ص 53_54.

 ([441]) مدارج السالكين 1/ 429.

 ([442]) مجموع الفتاوى 1/ 24.

 ([443]) مجموع الفتاوى 1/ 24_25.

 ([444]) الأخلاق والسير ص 14.

 ([445]) هكذا وردت في الأصل، ولعل الصواب: إلا في التوجه.

 ([446]) الصوت: الذكر الحسن.

 ([447]) اكتن: سكن واستتر.

 ([448]) الأخلاق والسير ص 14_16.

 ([449]) انظر الفوائد ص 160، وأدب النفس للحكيم الترمذي ص 34_35.

 ([450]) جامع الرسائل لابن تيمية 2/ 363.

 ([451]) انظر الفوائد ص 159_160.

 ([452]) قطعة من حديث رواه البخاري (6470) ، و مسلم (1053) .

 ([453]) قطعة من حديث رواه مسلم (2588) .

 ([454]) غذاء الألباب للسفاريني 2/ 233.

 ([455]) قطعة من حديث رواه مسلم (2588) .

 ([456]) ديوان الإمام الشافعي جمعه وعلق عليه محمد عفيف الزعبي ص 56.

 ([457]) غذاء الألباب 2/ 451.

 ([458]) انظر الجواب الكافي 487_490، ومدارج السالكين 2/ 156، وطريق الهجرتين ص 380.

 ([459]) انظر الجواب الكافي ص 165.

 ([460]) صيد الخاطر ص 372.

 ([461]) الجواب الكافي ص 165.

 ([462]) جامع الرسائل 2/ 363.

 ([463]) الجواب الكافي ص 296.

 ([464]) لقد ضرب الله لنا في القرآن الأمثلة لأحوال العصاة من الكفار وغيرهم؛ حتى نأخذ العظة والعبرة؛ فالاستشهاد بأقوال هؤلاء وأحوالهم_إذا_ليس بدعا من القول.

 ([465]) كواشف زيوف في المذاهب الفكرية المعاصرة للشيخ عبد الرحمن الميداني ص 560.

 ([466]) كواشف زيوف ص 560_561.

 ([467]) كواشف زيوف ص 561.

 ([468]) كواشف زيوف ص 359و 562، وانظر الوجودية للكاتب ص 15_16.

 ([469]) تعني: اعتزلت، وإلا فهي لم تتب إلى الله.

 ([470]) انظر دور المرأة المسلمة في المجتمع، إعداد لجنة المؤتمر النسائي الأول ص 47_48.

 ([471]) كيف سقطوا ص 115.

 ([472]) (2) كيف سقطوا ص 115_116.

 ([474]) كيف سقطوا ص 115_116.

 ([475]) انظر كيف سقطوا ص 116_123.

 ([476]) انظر حضارة الإسلام العدد الثالث للمجلد الثالث ص 331، وانظر المرأة بين الفقه والقانون للسباعي ص 315_316.

 ([477]) انظر لماذا انتحر هؤلاء ص 140_143، والسعادة بين الوهم والحقيقة ص 10_13، وتجاربهم مع السعادة ص 111_114.

 ([478]) انظر: فنانون ومخدرات، لعاطف النمر ص29_34، ولماذا انتحر هؤلاء ص 136_139.

 ([479]) انظر تفاصيل الحديث في هذا الشأن إلى كتاب: كيف سقطوا ص11_18.

 ([480]) انظر مجلة الرابطة عدد 399 في المحرم 1419هـ.

 ([481]) جامع العلوم والحكم لابن رجب 1/ 287، وانظر سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم ص 97.

 ([482]) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/ 402، وانظر الوابل الصيب لابن القيم ص 69.

 ([483]) الوابل الصيب ص 69، وانظر الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية لمرعي الكرمي الحنبلي ص 34.

 ([484]) منهاج السنة النبوية لابن تيمية 5/ 389.

 ([485]) (3) (4) (5) إغاثة اللهفان لابن القيم ص 567.

 ([489]) حلية الأولياء لأبي نعيم 7/ 370، ومواعظ الإمام إبراهيم بن أدهم للشيخ صالح الشامي ص94_95.

 ([490]) حيلة الأولياء 2/ 358، ومواعظ الإمام مالك بن دينار للشيخ صالح الشامي ص 18.

 ([491]) الوابل الصيب ص 69_70.

 ([492]) لن يذكر في هذه النماذج إلا أناس معاصرون؛ لعل ذلك يكون أوقع في النفس، ومن أراد نماذج للسابقين فليرجع إلى الكتب التي تدور حول قصص التائبين، مثل كتاب التوابين لابن قدامة.

 ([493]) الهداية الإسلامية لمحمد الخضر حسين، جمعه وحققه علي الرضا الحسيني ص 163، وانظر جريدة الأهرام عدد 19أبريل نيسان سنة 1929م.

 ([494]) الهداية الإسلامية ص 163_164.

 ([495]) العائدون إلى الله للشيخ محمد المسند 2/22.

 ([496]) العائدون إلى الله 2/24_25.

 ([497]) العائدون إلى الله 2/ 25_26.

 ([498]) العائدون إلى الله 2/ 29_30.

 ([499]) العائدون إلى الله 2/ 31.

 ([500]) العائدون إلى الله2/37.

 ([501]) العائدون إلى الله2/37.

 ([502]) العائدون إلى الله 4/ 17.

 ([503]) العائدون إلى الله 4/ 17_18.

 ([504]) العائدون إلى الله 4/ 18.

 ([505]) إغاثة اللهفان ص 567.

 ([506]) إغاثة اللهفان ص 567.

 ([507]) إغاثة اللهفان ص 568.

 ([508]) إغاثة اللهفان ص 568.

About these ads

About Al- hekmah

مساحة رحبة سابحة حول عبق وأريج الكتب
معرض | هذا المنشور نشر في كتب إسلامية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s